العرب والعالم

هل تحمل المرحلة الثانية من اتفاق غزة صفقات إفراج لأسرى فلسطينيين ؟

 

غزة 'عمان ' د.حكمت المصري:
بالتزامن مع اليوم العالمي للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين، تتصاعد التساؤلات حول إمكانية التوصل إلى صفقات إفراج جديدة، لا سيما في ظل دخول المرحلة الثانية من الهدنة، واستمرار الضغوط الشعبية والحقوقية للمطالِبة بوضع حدّ لمعاناة آلاف الأسرى داخل السجون الإسرائيلية.


ورغم غياب أي إعلان رسمي حتى الآن، تبقى قضية الأسرى في قلب المشهد الفلسطيني، بوصفها أحد أكثر الملفات إنسانيةً وحساسية، حيث تتقدّم المعاناة اليومية على الحسابات السياسية، وتبقى الحرية حلمًا مؤجلًا لآلاف العائلات.


-أمّ الأسيرات
الحاجة سهام أبو سالم (71 عامًا) تحتضن احفادها بينما تنظر الى السماء بشموخ. تُعد قصة الحاجة سهام أبو سالم من أكثر الحكايات قسوة خلال الحرب على قطاع غزة. دخلت السجون الإسرائيلية أسيرةً مسنّة، وخرجت منها رمزًا إنسانيًا عُرفت بين الأسيرات باسم أمّ الأسيرات.
تقول الحاجة سهام: 'لم أكن أظن يومًا أنني في هذا العمر سأُعتقل. كنت في مستشفى ناصر، مريضة، وبناتي إلى جانبي، وفجأة وجدت نفسي محاصَرة بالجنود.' اعتقلها جيش الاحتلال الإسرائيلي من داخل مستشفى ناصر في الأيام الأولى للحرب عام 2023م، برفقة ابنتيها المتزوجتين، في مشهدٍ يلخّص حجم الانتهاكات التي طالت المرضى والنساء وكبار السن بلا استثناء. خضعت لتحقيقٍ ميداني قاسٍ، وتعرّضت لمحاولة تفتيش عارٍ قرب المستشفى.


وتستعيد تلك اللحظة بوجعٍ حاد: 'طلبوا مني أن أخلع ملابسي بالقوة. قلت لهم: اقتلوني ولا تذلّوني. هذا الجسد عاش سبعين عامًا بكرامة'.
تُعد الحاجة سهام أكبر أسيرة من قطاع غزة تم اعتقالها خلال الحرب، كما قضت أطول فترة اعتقال بين الأسيرات، إذ امتدت معاناتها لأكثر من عامٍ وثمانية أشهر، بينها 17 يومًا من التحقيق المتواصل داخل الزنازين، حيث ذاقت صنوف العذاب النفسي والجسدي.
'كانت الأيام تمرّ بطيئة، بلا ضوء، بلا نوم ولا طعام. كنت أعدّ أنفاسي كي لا أنهار، وأقول في نفسي: إن ضعفتُ، ضعفت البنات من بعدي.” داخل السجن، لم تكن مجرد أسيرة مسنّة، بل تحوّلت إلى أمٍ جامعة وسندٍ إنساني..كانت الأسيرات يتعاملن معها كوالدتهن، يلجأن إليها طلبًا للنصيحة والطمأنينة.


تضيف بثقة: 'كنّ ينادينني: يمّا وكنت أقول لهن: أنا أمّكم جميعًا، وسنخرج معًا'.
وكانت الأسيرات يقبّلن يدها احترامًا وتقديرًا، لما كانت تمنحهن من عزيمةٍ وقوة في أحلك الظروف.
أُفرج عن الحاجة سهام في الصفقة الأخيرة قبل ثلاثة أشهر، غير أن لحظة الحرية لم تكن سهلة. فعند وصولها إلى معبر كرم أبو سالم، انهارت باكية. 'قلت لنفسي: خرجتُ من السجن، لكن غزة صارت سجنًا أكبر، اخذت ابكي حتى وصلت إلى مستشفى ناصر، بعدما شاهدت الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب على طول الطريق.' تضيف الحاجه:'خلال فترة اعتقالي، فقدت أكثر من 20 كيلوغرامًا من وزني نتيجة قلّة الطعام وسوء التغذية. وكنت أعاني من ارتفاع ضغط الدم قبل اعتقالي، فيما أُصبت بمرض السكري داخل السجن، في ظل الإهمال الطبي وغياب الرعاية الصحية'.


وتختم شهادتها بصوتٍ مكسور: 'خرجتُ بجسدٍ متعب، لكن قلبي بقي مع من تركتهن خلفي حياة الاسيرات اشبه بالجحيم ويجب أن تكون علي رأس اهتمام اللجنة المشكله لإدارة غزة.' خرجتُ حيًّا لكن السجن لم يخرج من جسدي شهادة الأسير المحرر عماد موسى (49 عامًا) 'في السجن، لا تُقاس الأيام بالتقويم، بل بكمية الألم التي يستطيع الجسد احتمالها.” بهذه الكلمات بدأ الأسير المحرر عماد حديثه عن شهور الاعتقال التي قضاها في سجون الاحتلال. اعتُقل خلال مداهمة ليلية عنيفة لشمال غزة، وعاش أكثر من شهر من التحقيق المتواصل، تعرّض خلاله للشبح لساعات طويلة، والضرب المبرح، والحرمان من النوم.


'كانوا يربطون يديّ خلف ظهري ويجبرونني على الوقوف حتى تتورم قدماي. عندما أسقط من التعب، يعيدونني واقفًا. لم يكن التحقيق سؤالًا وجوابًا، بل كسرًا بطيئًا للإنسان، ضرب مبرح وتعذيب ممنهج'.


-ألم يتجاوز التعذيب الجسدي.
'أصبت بنزيف داخلي والتهابات حادة في المعدة. كنت أصرخ من الوجع، لكن الرد الوحيد كان: مزيد من الضرب والإهانة ومنع العلاج.' بعد الإفراج عن عماد، خرج بجسدٍ منهك وروحٍ مثقلة. 'أنا الآن خارج السجن، لكن السجن يسكنني. أستيقظ مذعورًا، أخاف من الظلام، من الأصوات العالية. الاحتلال لا يكتفي بسجن الجسد، بل يترك ندوبًا لا تُرى.'


- الجوع ..وسيلة إذلال وعقاب
شهادة الأسير المحرر إبراهيم حسن (29 عامًا) يروي الأسير المحرر إبراهيم حسن تجربته مع سياسة التجويع داخل السجون الإسرائيلية: 'فقدت أكثر من 20 كيلوغرامًا خلال أشهر. كنا نتقاسم لقمة لا تكفي طفلًا الجوع لم يكن نتيجة إهمال، بل أداة عقاب كثيرًا ما كنا نُمنع من تناول الطعام والماء خصوصا في الصيف.” يؤكد أن الطعام كان يُستخدم كسلاح مباشر: 'وجبات باردة، فاسدة أحيانًا، وإذا اشتكيت، تُحرم منها تمامًا. رأيت أسرى يُغمى عليهم من الجوع.'

أما التعذيب النفسي، فكان الأشد قسوة: ' كانوا يخبروننا عن استشهاد أقاربنا أو تدمير بيوتنا خلال الحرب دون أن نعرف الحقيقة، يضعون لنا شاشات تبين لنا حجم الدمار الذي حدث في غزة كانوا يتلذذون برؤية الانكسار في عيوننا.” شهادة هالة عطايا (33 عامًا) في خيمةٍ ضيقة بأحد مخيمات النزوح، تعيش هالة عطايا، زوجة أسير وأم لخمسة أطفال، منذ اعتقال زوجها قبل أكثر من عامين 'حين اعتقلوه من مدرسة إيواء شمال قطاع غزة، لم يأخذوا زوجي فقط، أخذوا الأمان من حياتنا.'

تروي معاناتها اليومية كامرأة تتحمل وحدها عبء الأسرة: 'أنا أمٌّ وأبٌ في آنٍ واحد. ألاحق المساعدات، اجلب الماء والطعام، أتابع أطفالي، وأحاول أن أبدو قوية.” تتوقف قليلًا قبل أن تتحدث عن طفلها الأصغر، المصاب بإعاقة حركية ومرض مزمن: 'ابني يحتاج علاجًا دائمًا وأدوية غير متوفرة أحمله بين الخيام وأخاف أن يزداد وضعه سوءًا. لا مستشفيات، لا أطباء، ولا زوج أستند إليه.' وتقول بصوتٍ مكسور: 'حين يمرض، أشعر بالعجز الكامل.

الاحتلال قيّد زوجي في الزنزانة، وقيّدني بالخوف والمسؤولية. الأسر لا ينتهي عند باب السجن.” الأرقام تتكلم بعد الشهادات بعد هذه الشهادات الإنسانية، تتضح أبعاد الكارثة بالأرقام: أكثر من 9350 أسيرًا فلسطينيًا في سجون الاحتلال 87 أسيرًا استشهدوا خلال 28 شهرًا نتيجة سياسات الموت البطيء، تم اعتقال نحو 7500 سخص خلال عام واحد، هناك أكثر من 350 طفلًا ما زالوا رهن الاعتقال ويؤكد المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى أن معظم الأطفال تعرّضوا لاعتقالات ليلية عنيفة وتحقيقات قاسية دون حضور محامٍ أو أحد الوالدين، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.


تضامن دولي يتصاعد وصمت رسمي مستمر في هذا السياق، قال الصحفي البريطاني أوين جونز إن 'إسرائيل عذّبت أسرى فلسطينيين حتى الموت، ولم تتكلف عناء إخفاء فعلها، لأن الإعلام الغربي سيتجاهل الجريمة”، معتبرًا أن صمت المؤسسات الإعلامية الغربية تواطؤٌ أخلاقي يساهم في استمرار الانتهاكات.


في اليوم العالمي للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين، تتجدد الدعوات إلى الإفراج الفوري عن الأطفال والنساء والمرضى ،وقف التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، توفير الرعاية الصحية العاجلة و احترام القانون الدولي الإنساني.
تبقى قضية الأسرى سؤالًا مفتوحًا في وجه العالم: هل تتحول صفقات الإفراج من احتمالٍ معلّق إلى حريةٍ حقيقية؟ كم شهادة أخرى يجب أن تُروى، قبل أن يتحوّل التضامن مع الاسرى من كلمات إلى أفعال؟