المحافظات

حارة السويق بنزوى... ذاكرة المكان وتحولات الحياة بين الأمس واليوم

 

حارة السويق إحدى الحارات القديمة في ولاية نزوى، وتحمل بين أزقتها وبيوتها الطينية ملامح مرحلة طويلة من تاريخ الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المدينة؛ فهنا تشكّلت علاقات الجيرة، وبرزت قيم التعاون والتكافل، قبل أن تشهد الحارة – كما غيرها من حارات نزوى – تحولات واضحة مع دخول مظاهر التنمية الحديثة وتغيّر أنماط العيش.
تتميّز الحارة بطابع معماري فريد إذ تم بناء منازلها ضمن منطقة سكنية محمية بسور وبه ثلاثة أبواب أو ما تسمّى الصباحات وهي عبارة مداخل للحارة من هذه الجهات مختلفة يتم إغلاقها وقت الحاجة وتحظى بحراسة وفقاً للظروف الأمنية التي تعيشها المنطقة كما تتميز الحارة بوجود مسجدين بنفس نسق التصميم وعلى أطرافها تجد البساتين تحيط بالحارة وينتقل إليها السكان خلال فصل الصيف بحثاً أماكن ألطف وأبرد تقي من حر الصيف الساخن كما أن الحارة كسائر الحارات لا تخلو من وجود المجلس العام ' السبلة ' التي يتجمّع فيها الأهالي لتناول القهوة صباحاً وتجاذب أطراف الحديث وبحث الأمور المستجدة ولقاء الشخصيات من خارج الحارة.
في هذا الاستطلاع، نستعرض ملامح الحياة في حارة السويق قديمًا، ونرصد كيف تغيّرت اليوم، وتأثير التنمية على الأهالي، وما الذي لا يزال حاضرًا في ذاكرة المكان فالحياة قديمًا باختصار 'بساطة وتكاتف' كما يقول ربيعة بن أحمد الكندي حيث يستعيد ذكرياته عن الحارة قائلًا: 'كانت الحياة بسيطة جدًا، البيوت متقاربة، والناس يعرف بعضهم بعضًا معرفة تامة؛ كنا نتشارك الأفراح والأحزان، ونعتمد على التعاون في كل شيء، من الزراعة إلى بناء البيوت ولم تكن هناك خدمات كثيرة، لكن الألفة كانت تعوّض كل شيء' ويختتم بالقول ويضيف أن الحارة كانت تشكّل وحدة اجتماعية متماسكة، حيث يجتمع الأهالي في المناسبات الدينية والاجتماعية، وتُحلّ الخلافات داخل إطار من التفاهم والاحترام المتبادل.
ملامح الحاضر: تغيّر في الشكل ونمط الحياة
يرى سليمان بن محمد السيباني أن الحارة تغيّرت كثيرًا عمّا كانت عليه في السابق، ويقول اليوم تغيّر شكل الحارة وطبيعة الحياة فيها، فالبيوت الحديثة والخدمات الجديدة فرضت واقعًا مختلفًا؛ لم تعد العلاقات الاجتماعية بنفس القرب الذي كان في الماضي، لكن في المقابل توفرت الراحة وسهولة الوصول إلى الخدمات؛ ويشير إلى أن كثيرًا من أبناء الحارة انتقلوا للسكن خارجها طلباً لاتساع المكان ووجود الخدمات، بينما بقيت الحارة شاهدة على مرحلة تاريخية مهمة تحتاج إلى مزيد من الاهتمام؛ مضيفاً أنه حتى مع تغيّر الزمن، يجب أن نحافظ على قيم الترابط الاجتماعي، وعلى المباني القديمة ما أمكن، لأنها تمثل تاريخنا وهويتنا الحارة ليست مجرد بيوت، بل حكايات وأشخاص وذكريات وأن إشراك الجيل الجديد في التعرف على تاريخ الحارة يمكن أن يعزز ارتباطهم بالمكان ويشجعهم على المساهمة في صونه وأختتم حديثي باستذكار أحاديث المغفور له السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله ثراه بأهمية الحفاظ على التاريخ والتراث كونه مكتسب أصيل يحمل هويّة وطن وكفاح أجداد.
تجميل الأزقّة
وعن التنمية التي شهدتها الحارة وأهم التغيّرات التي شهدتها في الوقت الحاضر يقول سعيد بن حمد بن سليمان الكندي إن من أبرز ما شهدته الحارة مؤخراً إحياء وتجميل الحارة التاريخية حيث تعاون أهالي الحارة مع الجهات المختصة لتطوير وتجميل أزقة الحارة والمباني القديمة فيها، وحماية الأبراج والبوابات التاريخية، مع الحفاظ على الطابع التراثي البنائي التقليدي؛ إضافة إلى التركيز على الثقافة والتراث حيث تشهد الحارة اهتمامًا أكبر كجزء من المسارات التراثية والسياحية في نزوى ضمن خطط لتعريف الزوار بأهميتها التاريخية وموقعها بجوار مناطق أثرية وبيوت تقليدية، وقد تم تنظيم فعاليات سياحية ومسيرات لاستكشاف الحارات القديمة من ضمنها حارة السويق؛ كما أن الجهود تتكامل مع خطة التنمية السياحية في ولاية نزوى حيث تشهد الولاية مشاريع تنموية مستدامة تدمج بين التراث والاستثمار مثل تطوير الأحياء القديمة وتحويلها إلى وجهات سياحية وثقافية، تروج للهوية التاريخية مع خلق فرص اقتصادية واعدة وبشكل عام، حارة السويق أصبحت أكثر تنظيماً، وتحظى باهتمام في برامج تراثية وسياحية، مع الحفاظ على طابعها العمراني الأصيل.
وأشار إلى التكاتف بين أهالي الحارة والذي أثمر عن نتائج طيبة، وعاد بالنفع على الجميع، فحين تتوحد القلوب تتيسر الأمور؛ ونحمد الله تعالى أن يسر لنا اباء واخوة متكاتفين كان همهم فقط احياء هذه الحارة؛ حيث تضافرت الجهود لإحياء حارة السويق فكانت طرق المحلة تملأها الأتربة ولكن بجهود الأهالي أصبحت هذه الطرق من أجمل الطرق، حيث تم تغطيتها بالإنترلوك وعمل أعمدة إنارة رغم أننا واجهنا في بداية المشروع تحديات كبيرة ولكن سرعان ما استجاب لها الجميع.
ويختتم بالقول إن مشاريع التنمية كان لها أثر مباشر على حياة الأهالي فالتنمية سهّلت الحياة كثيرًا، سواء من حيث الطرق أو الخدمات الأساسية، وفتحت فرصًا جديدة للأجيال الشابة والتحدي يكمن في كيفية الاستفادة من التنمية دون فقدان روح المكان وهويته الاجتماعية.
ويختتم هذه الحوارات بدر بن سيف الكندي متحدّثاً عن أهم ما يجب الحفاظ عليه فيقول إن الحفاظ على حارة السويق لا يقتصر على المباني القديمة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى صون الروح الاجتماعية التي ميّزت أهل الحارة عبر الزمن، ويقول: 'الأهم من بقاء الجدران هو بقاء القيم التي نشأنا عليها؛ مثل احترام الجار، والتكافل، والشعور بالمسؤولية تجاه المكان؛ هذه المعاني هي التي أعطت للحارة قيمتها الحقيقية؛ وإذا استطعنا نقل هذه القيم إلى الجيل الجديد، فسنكون قد حافظنا على جوهر الحارة، حتى وإن تغيّر شكل الحياة من حولنا'
بين الذاكرة والمستقبل
تبقى حارة السويق مثالًا حيًا على التحولات التي شهدتها حارات نزوى بين الماضي والحاضر، فبين بساطة الأمس ومتطلبات اليوم، تظل الحارة محتفظة بمكانتها في ذاكرة الأهالي، شاهدة على مرحلة من تاريخ المدينة، ومؤكدة أن التنمية الحقيقية لا تكتمل إلا بالحفاظ على الجذور والهوية.
ويضيف بدر بن سيف الكندي' أن حارة السويق تمثل ذاكرة اجتماعية حيّة، لا تختزل في مبانيها الطينية، بل في ما حملته من أنماط عيش وقيم إنسانية عكست قدرة المجتمع العُماني على التكيّف مع التحولات. وقد كان لمشاريع التنمية الحديثة أثر مزدوج؛ إذ حسّنت مستوى المعيشة وسهّلت الحياة، لكنها في المقابل أسهمت في تراجع نمط الجيرة القديمة وتباعد العلاقات اليومية بين الأهالي، مع بقاء روح الألفة حاضرة إلى حدّ ما.' ويرى أن الحفاظ على الحارة يجب أن يركّز على صون ما تبقى من عمارتها الطينية، ونظام الأفلاج، والقيم الاجتماعية التي كانت تُجسّدها السبلة واللقاءات اليومية، إلى جانب حماية هويتها البصرية وأزقتها القديمة. ويؤكد أن المطلوب ليس رفض الحداثة، بل توظيفها بوعي يوازن بين التطوير والحفاظ على الهوية، حتى لا تتحول الحارة إلى أطلال صامتة، بل إلى ذاكرة نابضة بالحياة.