عقل الدولة.. أو فهم آليات تفكيرها
الاثنين / 13 / شعبان / 1447 هـ - 21:45 - الاثنين 2 فبراير 2026 21:45
الدولة.. ظاهرة أزلية؛ بمعنى أنَّه لم يُرصد بدء نشوئها تأريخيًا ـ رصدًا ناجزًا- بكونها إطارًا سلطويًا مهيمنًا على جماعة ما. بيد أنَّه قدمت الكثير مِن النظريات والأبحاث في هذا الشأن، أفادت في فهم الدولة.
مِن بين التعريفات الكثيرة.. أعرِّف الدولة بأنَّها كيان مادي ومعنوي ناظم للشعب بسلطة مهيمنة، كيان مادي متمثلًا في المؤسسات التي تقوم عليها الدولة، بما فيها القوانين والأنظمة، وكيان معنوي؛ هو العلاقات الظاهرة والخفية التي تدير شبكة الحياة الناظمة للمؤسسات والشعب.
لم أؤطر الدولة بالمكان أو الزمان، فآليات تفكيرها كلية، تتجاوز الأطر التقليدية لِمَا تطرحه تعريفات الدولة المعتادة.. بل قد تتجاوز ما يُصنَف بأنَّه مبادئ، ليس لعدم الاعتراف بها، وإنَّما لأنَّ حركة الحياة -لكي تثبّت وجودها- ليست بالضرورة خاضعة للمبادئ المتواضع عليها، وإنْ كان لا يمكن أنْ تتجاوز المبادئ التكوينية الطبيعية، وهي مبادئ عليا في الحياة.
المقال.. يحاول أنْ يفهم «عقل الدولة»؛ بوصفها كيانًا كليًا فوق تفكير مَن يديرها بصفته الفردية. إنَّ مَن يفكر هو الفرد، والجماعة ليست فردًا حتى يكون لديها عقل، غير أنَّ الإنسان مفطور على التعاون والتنازع؛ مما يجعله يفكر بما يفكر فيه أخوه الإنسان، هذه الصلة مِن التفكير أنشأت «العقل الجمعي»، (انظر: في سبيل تفريق القطيع، عمان، 2023م) . بهذا المعنى.. فإنَّ العقل الجمعي انبثقت مِنه عقول عديدة بحسب التجمعات التي تفرضها حاجة البشر، مثل: عقل المؤسسة وعقل القبيلة وعقل الشعب. ومِنها عقل الدولة؛ وهو ما أسميه «آليات تفكير الدولة».
كيف تفكر الدولة؟
بدايةً -عندي- «عقل الدولة» أسبق مِن «عقل الشعب»، لأنَّ تشكّل السلطة الناظمة للدولة أسبق مِن تشكّل الشعب ذاته؛ في وحدة جامعة لها مصالح قومية كبرى، ويمكن أنْ أرتب العقول بحسب التسلسل الوظيفي: عقل الفرد، ثم عقل الجماعة، ثم عقل الدولة، وأخيرًا عقل الشعب. فالدولة.. هي مَن تصنع الشعب، وليس العكس. ولذا؛ لا يمكنك أنْ تدرس عقل الشعب دون أنْ تفهم العقول الثلاثة المتركب عليها.
من آليات تفكير الدولة:
- الهيمنة.. الدولة لا يمكن أنْ تفكر خارج نطاق الهيمنة، لأنَّها هي العصا -والجرزة- التي تجمع عناصرها، سواءً أكانت الشعب وأفراده، أم المؤسسات ومراكز القوى. ولتحقيق ذلك.. تسلك الدولة شتى ضروب الهيمنة، مِن القوة الناعمة إلى القوة الخشنة، تختلف الطرائق والأساليب باختلاف إدارة السلطة والمكونات التي تديرها، لكن يبقى العنصر الأساس هو الهيمنة. إنَّما قد يُلِين مِن خشونة السلطة: الحاكم والمسئول، وهو لِينٌ محدود، بحيث لا يغري المنافس على السلطة.
إنَّ الدولة وأجهزتها لا تهيمن على الشعب وحده؛ في مسار عمله وتفكيره ونفسيته.. بل هي تهيمن كذلك على عناصر نظامها ذاته؛ أي تجعل عناصره منساقة إليه، البعض يسمي هذا «إغراء السلطة»، والأمر أبعد غورًا، فإغراء السلطة هو أحد تجليات قانون الهيمنة. تتنوع عناصر نظام الدولة في ممارسة الهيمنة، وهذا نتيجة التداخل بين الحالة الشخصية للفرد وبُنية المنظومة التي يعمل فيها، فلرُبَّما كون هذه الحالة مستبدة؛ فتظهر بُنية النظام خشنةً، أو أنَّها ديمقراطية؛ فتظهر بُنيته ناعمة. وفي كل الحالات هي هيمنة تفرضها الدولة.
- البرجماتية.. فالدولة ليست كيانًا صلبًا في مؤسساته، ولا جامدًا في تفكيره، فهي منظومة تحركها مفاهيم كثيرة، قادرة على أنَّ تتواءم مع المتغيرات الداخلية والخارجية. إنَّ البرجماتية هي ما يضمن استمرار الدولة، فالدول الأيديولوجية لا تعمر طويلًا.
- التوازن.. وهو يتجاوز القطاعات الحيوية لإدارة الدولة، إلى الاختيارات التي تمكّن الدولة مِن هيمنتها، فإنْ كان التوازن يقتضي الخبرة والإنجاز فستجد الدولة نفسها آخذة بهما وتعمل على تمكينهما، وإنْ اقتضى الأمر الأخذ بمراكز القوى المؤثرة في المجتمع كالقبيلة ورجال المال ورجال الدين فستجد نفسها في هذا الطريق. إنَّها تفعل ذلك دون أنْ تخضع لعواطف مَن يديرها، ففقدان التوازن مؤذن بتداعي الدولة، وليس أضر على مستقبل الدولة مِن العواطف، ومثال ذلك إيران الشاه.
- المسافة الفاصلة بين نظام الدولة وعناصر إدارته.. الدولة لا تتدخل في تصرفات الفرد ومعتقداته؛ إلا في نطاق القانون.. بل تعلن أنَّها مسئولة عن حفظ حقوقه؛ تعبيرًا وتصرفًا. إلا أنَّها بكونها كيانًا مهيمنًا؛ لا تسمح لأحد أنْ يُدخِل رؤيته إليها، إلا بقدر حاجتها هي. فلا يُستغرب إنْ وجد مسئول له رؤية خاصة؛ فإذا انخرط في أجهزة الدولة اختلفت رؤيته. وهذا لا يعتبر انفصامًا أخلاقيًا، وإنَّما طبيعة عمل لمنطقتين مختلفتين، تخضعه كل واحدة لمناط عملها وتفكيرها.
- الرؤية الكلية.. الدولة لا تفكر جزئيًا، وإنَّما تعمل برؤية شاملة، فرؤيتها قد تمتد إلى خمس أو عشر أو أكثر، وفي رؤيتها تنظر لما يحصل غدًا كنظرها لِمَا يحصل بعد أعوام، لكي تضمن بقاءها وهيمنتها. ومع ذلك.. تشعر الدولة أنَّ هذه الطبيعة معوِّقة لها، فتعمل على تجزئتها بالمؤسسات الإجرائية التي تنفذ رؤيتها. التفكير الكلي.. أهم مناطات عقل الدولة، إنَّها تفكر في شعبها ومؤسساتها وكافة عناصرها بكونها حزمة واحدة غير قابلة للتفكك. لا أنفي أنَّه قد يحصل التفكك، وهذا ليس عائدًا إلى طبيعة التفكير لدى الدولة، وإنَّما لأنْ خللًا حاصلًا فيها، ويتضح هذا الخلل مثلًا.. عندما يصبح الحاكم هو عقل الدولة. في هذه الحالة تتقزم الدولة لتكون مجرد مؤسسة، ثم تغدو غير قادرة على مقتضيات إدارة الدولة، ويبدو أنَّ أمريكا تنحدر في هذا السبيل.
- التمدد.. الدولة ترى أنَّ مِن دون تمددها خارج إقليمها يتهاوى نظامها، ولذلك؛ كانت الدول تتوسع باستمرار، حتى أصبحت إمبراطوريات عالمية، لكن هذه التوسع المستمر يورثها الترهل، وكثرة الأزمات وعمق التحديات، ورغبة الأطراف في الانفصال، مما يؤدي إلى استضعاف الدولة، ثم انهيارها.
تقع الدولة في مأزق الموازنة بين تمددها الذي هو طبيعة فيها وبين الانهيار بسبب التوسع، وبمرور الزمن.. طوَّرت الدولة آلية تفكيرها في هذه الموازنة. ولتضبط التنافس في توسعها أنشأت الدول الكبرى عصبة الأمم عام 1919م، وسرعان ما انهارت أمام المتغيرات الدولية وموقف الشعوب مِن الاستعمار، فورثتها الأمم المتحدة عام 1945م؛ لتركز على الحدود الدولية ما بعد المرحلة الاستعمارية.
إنَّ الأمم المتحدة لم تقضِ على توسعات الدول خارج إقليمها، لكن خفضت مِن منسوب التوسع كثيرًا، كما جعلها صامدة في بقائها، ولم تلقَ حتى الآن مصير أمها عصبة الأمم.
لقد وضعت الأمم المتحدة المواثيق التي تحرِّم اعتداء الدول على أراضي بعضها البعض، ولأنَّ التمدد جِبلَّةٌ في عقل الدولة، فقد سلكت الدول طرائق قددًا لتحقيقه. فبعضها رأى تمدده بالهيمنة العسكرية، دون أنْ يحتل دولًا أخرى، مِن خلال الاتفاقيات العسكرية يسيطر على ثرواتها ومقدراتها واتخاذ القرار فيها. وبعضها رأى التمدد عن طريق الهيمنة الاقتصادية، فعقد مع الدول اتفاقيات اقتصادية استغلالية، وجعل أي تعاون خاضعًا لهذه الاتفاقيات المجحفة. وبعضها استخدم الاستثمار في المشاريع التي تدر على الدولة أموالًا ضخمة دون أنْ يقع في ورطة انتهاك القوانين الدولية، وهذا أمر محمود؛ بيد أنَّه لا يخرج عن نطاق التفكير بالتمدد.
- نسبية الخلل.. وأقصد بها أنَّ الدولة لا تنظر إلى الأمراض الاجتماعية بأنَّها تمس كيانها وتدخل خللًا عليها، إلا ببلوغها نسبة معينة، فمثلًا الاختلاسات المالية لا تعتبرها مهددةً لكيانها حتى تبلغ درجة تقدرها الدولة ذاتها؛ وفقًا لوعيها وقدراتها. وحتى وقوع العنف في المجتمع؛ لا تنظر إليه الدولة كنظرة الشعب والفرد؛ بأنَّه خطر متحقق، حتى يصل درجة تخاف الدولة مِن فقدان هيمنتها. إنَّ هذه النسبية لا تخضع لمقياس علمي صارم؛ بمقدار خضوعها لموازنات الدولة.