من نافلة القول التذكير بالقيمة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية كذلك لمعارض الكتب؛ فهي ليست أسواقا لعرض الكتب، وإنما هي مناسبات مهمة للدفع بالإبداع والنشر والتوزيع، وكل العمليات المرتبطة بالفن والثقافة والتقنية. لذلك يتحتم على كل كاتب حضور معرض الكتاب؛ للشعور بمساهماته الأدبية والعلمية والفكرية ومؤلفاته التي تحتفظ باسمه أكثر من نسله.
لهذا فإن معارض الكتب تضفي البهجة على محبي الثقافة والمشتغلين بالتأليف والنشر، وتعزز من قيم التواصل الاجتماعي بعد تقهقرها أمام سطوة أجهزة التواصل الاجتماعي.
أكتب هنا وأنا عائد من معرض القاهرة الدولي للكتاب 2026، فأعادني المشهد واللحظة إلى ذكريات معارض الكتب؛ إذ حضرت أول معرض دولي للكتاب في مسقط 2003، وتعرفت فيه بالصدفة على رواية شرفات بحر الشمال للكاتب والروائي الجزائري واسيني الأعرج الذي قابلته في معرض تونس للكتاب 2006، وتعرفت فيه أيضا على الروائي الليبي إبراهيم الكوني والشاعر البحريني علي عبدالله خليفة إضافة إلى الناقد التونسي الراحل توفيق بكار (1927- 2017) الذي علمني درسا في الصحافة الثقافية ربما أتحدث عنه في مناسبة أخرى.
في معرض بيروت 2013، قابلت الكاتب والصحفي السوري رياض نجيب الريس (1937-2020)، والكاتب والأكاديمي فواز طرابلسي الذي زارنا في ظفار في شتاء 2018م، وكتب عن تلك الزيارة ومرافقتي له في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه شهادة من زمن الثورة.
في معرض فرانكفورت للكتاب الذي يُعد أشهر المعارض على الإطلاق وأقصرها مدة -حيث تقتصر مدته على أربعة أيام- تواعدت مع المترجم العراقي حسين الموزاني (1954-2016) الذي ترجم رواية طبل الصفيح واحدة من أهم واشهر روايات الكاتب الألماني جونتر جراس الحائز على جائزة نوبل عام 1999 جونتر الذي نتذكره دائما عبر مقولته الشهيرة عبارة «ما ينبغي أن يُقال»، وهي في الأصل قصيدة نثرية فضح فيها النفاق الأوروبي تجاه إسرائيل، فقل أصدقاؤه، وكثر خصومه الذين لا يتورعون عن تذكيره بماضيه حينما كان عضوا في فرقة (إس إس)، أو ما يعرف بشبيبة هتلر، وقد ذكر ذلك في مذكراته (أثناء تقشير البصل).
في الحقيقة لم يكن معرض فرانكفورت للكتاب في البال رغم أن مدينة فرانكفورت لا تبعد أكثر من ساعة بالحافلة من مكان إقامتي في مدينة مانهايم التي أنتقل عبرها في أوروبا. ولكن رغبتي في اللقاء بالموزاني كانت كبيرة، حينما لمحته في مقطع صوره الناشط الجزائري رشيد نكاز (54 عاما) عن المشاركة العربية في معرض فرانكفورت للكتاب 2016م. ولمح الشاعر والناشر العراقي خالد المعالي صاحب منشورات الجمل، وبجانبه المترجم حسين الموزاني.
فتواصلت مع حسين وسألته عن حضوره في المعرض في اليوم الثاني-أي في اليوم الأخير-، فرد عليّ بأنه سيكون موجودا في الساعة الرابعة عصرا عند (هانس شيلر) جناح (4.1 ــ 77). حجزت رحلة عبر الحافلة من مدينة مانهايم إلى فرانكفورت، وقد شجعني على الذهاب أمران: الأول رغبتي في التعرف على أهم وأضخم معرض للكتب في العالم، والثاني وجود تخفيضات في رسوم الدخول للطلبة تبلغ حوالي ثمانية ريالات عمانية. لم أكن أن أعرف أنه في أقل من شهرين سيرحل الموزاني في الثامن من ديسمبر 2016.
عبرت سريعا في معرضي الشارقة والرياض؛ ولذلك لم أتعرف إلى وجوه جديدة أكثر من الأصدقاء الذين أعرفهم من قبل. أما في معرض أبوظبي للكتاب 2023 ، فقد قابلت مجددا بعض الأصدقاء مثل النحات السوري عاصم الباشا، والشاعر السوري نوري الجراح أثناء توزيع جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلات. كما تعرفت على الشاعر الإماراتي عبد العزيز جاسم عن طريق الشاعر العُماني الراحل زاهر الغافري (1956-2024).
أما في معرض القاهرة للكتاب 2026 ، فقد كان الأمر مختلفا؛ حيث وقعت روايتي اسمه الأسمر في جناح دار الآداب، وهناك في الدار قابلت الكاتب والأسير المحرر باسم قندقجي، ثم احتفى بي الأصدقاء من الدكتورة فاطمة البودي صاحبة دار العين للنشر إلى الكاتبة الكويتية الدكتورة إقبال العثيمين التي أحضرت معها عبوة الحلويات، والتي عرفتني لاحقا على الكاتب والإعلامي العراقي المقيم في لندن زهير الجزائري.
بين معارض الكتب وجدت نفسي؛ حيث الخلود الأبدي ليس لأسمائنا، بل لأفكارنا التي قد تتبدل بتبدل السنين ومحصلات التجارب. فمن معرض فرانكفورت إلى معرض القاهرة الأكثر حضورا مرورا بمعارض الشارقة والرياض ومسقط التي تعد الأهم من حيث القيمة الشرائية مررتُ بمواقف لا تنسى، وصداقات لا تنقطع.