أفكار وآراء

الصحفيون في السودان وسط حرب لا ترحم

ترجمة: بدر بن خميس الظفري -

«هناك درس واحد ينبغي لصنّاع السياسات استخلاصه، وهو أن خنق الصحافة لا يقود إلى الاستقرار، وإنما يفتح الباب أمام بوتيرة أسرع من قدرة الحقائق على ملاحقتها»

في السودان، تبتلع الحرب الشهود منذ أكثر من ثلاثين شهرًا، كاميرا بعد أخرى، وصوتًا بعد صوت، إلى أن بدا الصمت ذاته كخيار مقصود، أكثر من كونه نتيجة عارضة.

بحلول عام 2025، تبلورت هذه الممارسة على نحو لا لبس فيه، وتحولت إلى حرب مستمرة على الصحافة.

فالسودان ليس ساحة مواجهة عسكرية فقط، وإنما ميدان صراع بين سرديات متعارضة. قوات الدعم السريع تنظر إلى التغطية المستقلة على أنها موقع معادٍ ينبغي السيطرة عليه، ولا سيما في دارفور، حيث عوقب صحفيون لمجرد نقلهم الواقع كما هو.

وفي الاتجاه المقابل، شددت السلطات المتحالفة مع القوات المسلحة السودانية قبضتها بدورها، عبر إيقاف صحفيين وسحب الاعتمادات منهم بذريعة عناوين فضفاضة مثل «الأمن القومي» و«المصلحة العامة»، ما أدى إلى تضييق مساحة إعلامية كانت هشة أصلًا.

وإذا كان هناك درس واحد ينبغي لصنّاع السياسات استخلاصه من العام الماضي، فهو أن خنق الصحافة لا يقود إلى الاستقرار، وإنما يفتح الباب أمام الشائعات. فعندما ينهار الإعلام الموثوق، تتسع رقعة الدعاية والتحريض الطائفي والهلع بوتيرة أسرع من قدرة الحقائق على ملاحقتها.

وثّقت وكالة «رويترز» للأنباء تدمير المشهد الإعلامي المستقل في السودان، من نهب غرف الأخبار وإغلاق المؤسسات، إلى دفع الصحفيين نحو المنفى.

وقد أفضى ذلك إلى أزمة تضليل حادة في اللحظة التي يصبح فيها الإعلام الموثوق أشد إلحاحًا.

وهذا توصيف قائم على الوقائع. فبحسب نقابة الصحفيين السودانيين، قُتل ما لا يقل عن 32 صحفيًا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، إلى جانب أكثر من 550 انتهاكًا موثقًا بحق العاملين في الإعلام، شملت الاحتجاز والترهيب وعرقلة العمل.

وفي نداء وُجه في ربيع العام الماضي، بعد مرور عامين كاملين على الحرب، كتب صحفيون سودانيون أن الإعلام يُسكت بصورة ممنهجة عبر المضايقة والقتل والنفي القسري، مشيرين إلى زملاء محتجزين ومفقودين.

كما حذرت منظمة «اليونسكو» من أن القتل والتهجير القسري أصبحا من السمات البارزة للعمل الصحفي خلال النزاع.

هذه الوقائع ليست أرقامًا مجردة، وإنما سجل متكامل لاعتداء مستمر على حق الجمهور في المعرفة.

في عام 2025، بات هذا الثمن أكثر وضوحًا؛ ففي مارس، تعرض فريق من تلفزيون السودان الرسمي كان يغطي الأحداث في الخرطوم لهجوم بطائرة مسيّرة تابعة لقوات الدعم السريع، قُتل فيه المنتج فاروق الزاهر، والمصور مجدي عبد الرحمن، والمحرر إبراهيم مضوي، إضافة إلى سائقهم. وفي أبريل، قُتل الصحفي الإذاعي أحمد محمد صالح سيدنا خلال قصف في الفاشر.

وفي مايو، لقي المراسل حسن فضل المولى موسى حتفه عندما سيطرت قوات الدعم السريع على مدينة النهود في غرب كردفان. وفي أكتوبر، أُصيب الصحفي الإذاعي النور سليمان النور إصابة قاتلة في هجوم بطائرة مسيّرة استهدف منزله في الفاشر، وفق ما أفادت «لجنة حماية الصحافيين»، وهي منظمة دولية تُعنى بالدفاع عن الصحافة.

كما دعت اللجنة إلى التحقيق في مقتل تاج السر أحمد سليمان، رئيس مكتب وكالة السودان للأنباء في الفاشر، بعد أن دخل مقاتلون من قوات الدعم السريع منزله وقتلوه وشقيقه في نوفمبر.

وعند قراءة هذه الوقائع مجتمعة، يتكشف نمط واضح مفاده أن العمل الصحفي في عام 2025 تجاوز كونه محفوفًا بالمخاطر، وأصبح سببًا مباشرًا للعقاب.

القتل يوجّه رسالة شديدة القسوة، بينما يمتد الاحتجاز كتحذير بطيء الأثر. وفي أواخر عام 2025، جسّد احتجاز الصحفي معمر إبراهيم الكلفة الفعلية للتغطية من دارفور.

فقد أفادت قناة «الجزيرة» بأن إبراهيم، وهو مراسل مستقل يعمل مع قناة «الجزيرة مباشر»، احتجزته قوات الدعم السريع في 26 أكتوبر مع احتدام القتال في الفاشر. ووصفت «لجنة حماية الصحافيين» الواقعة بأنها اختطاف غير قانوني وطالبت بالإفراج عنه. ولاحقًا، ذكرت صحيفة «سودان تريبيون» أن قوات الدعم السريع قالت إنها «تحقق» معه على خلفية مزاعم تشهير مرتبطة بتقاريره.

وزادت المخاوف على سلامته بعد تصريحات علنية أدلى بها علاء نقد، ممثل الإدارة الموازية المدعومة من قوات الدعم السريع والمعروفة باسم «تأسيس»، اتهم فيها إبراهيم بتأجيج الصراع الإقليمي. وقد وثقت «لجنة العدالة»، وهي منظمة حقوقية، هذه التصريحات، في وقت أشارت فيه تقارير إلى تدهور حالته الصحية أثناء الاحتجاز، ما دفع شبكة الصحفيين السودانيين إلى إعلان «قلق بالغ بشأن ما قد يواجهه».

ويكشف هذا المشهد مفارقة صارخة؛ فالجهات التي تعلن التزامها بالديمقراطية والتعددية تلجأ إلى احتجاز صحفيين لأنهم قدّموا روايات تناقض خطابها الرسمي.

فالاحتجاز لا يقتصر على إبعاد صحفي واحد عن الميدان، بل يبعث برسالة صامتة إلى سائر العاملين في المهنة بأن مصائرهم يمكن أن تُحسم بعيدًا عن الضوء.

في الفاشر، حيث تكررت حالات قطع الاتصالات وخنق التغطية، يجد الصحفيون أنفسهم في موقع الشاهد والضحية معًا. ومع تلاشي الرؤية، تتسع مساحة الانتهاكات.

غالبًا ما يُنظر إلى الصحافة على أنها رفاه يمكن تأجيله إلى ما بعد السلام، غير أن التجربة السودانية تثبت العكس. فالصحافة أداة للحد من الأضرار، ومن دونها تتسارع دوائر الهلع، ويتفاقم التحريض، وتنتشر الأكاذيب التي تغذي العنف.

وعندما يُسكت الصحفيون، يملأ اقتصاد الشائعات الفراغ. وفي هذا السياق، يمكن لصورة شاشة مفبركة أن تشعل موجة انتقام، وهمسة أن تطلق استهدافًا عرقيًا، وكذبة واسعة الانتشار أن تحرك الحشود أسرع من أي بيان رسمي.

كما تحول التحرش الإلكتروني إلى امتداد مباشر لساحة القتال، إذ أفضت حملات التشهير وكشف البيانات الشخصية والترهيب المنسق إلى مخاطر جسدية حقيقية. وقد روى عثمان ميرغني، رئيس تحرير صحيفة «التيار»، تلقيه مئات التهديدات عقب تداول محادثة «واتساب» مفبركة نُسبت إليه زورًا، في مثال واضح على الكيفية التي يتحول فيها اقتصاد الشائعات إلى خطر قاتل.

ولا تقع المسؤولية على طرف واحد. ففي سبتمبر الماضي، أوقفت وزارة الثقافة والإعلام السودانية عمل لينا يعقوب، مديرة مكتب قناتي «العربية» و«الحدث» في السودان، بذريعة الأمن القومي. ورغم التراجع عن القرار لاحقًا، فإن الأثر الأعمق تمثل في سابقة قد أُرسيت، فعندما يصبح سحب الاعتماد ومنحه خاضعًا لتقدير السلطة، تتحول الصحافة إلى منحة سياسية، لا إلى حق تكفله القوانين.

ويعكس ترتيب السودان عالميًا هذا الواقع. ففي مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2025 الصادر عن منظمة «مراسلون بلا حدود»، جاء السودان في المرتبة 156 من أصل 180 دولة.

وإذا كان عام 2026 مرشحًا ليشكّل نقطة تحول، فإن حماية الصحفيين يجب أن تنتقل من مستوى الخطاب إلى بناء منظومات عملية. ويتعين أن تصبح سلامة الصحفيين خطًا أحمر في العلاقات الدبلوماسية. وعلى منظمة الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والدول المؤثرة أن تطالب بالكشف عن مصير الصحفيين المفقودين، وأن تصر على تحقيقات مستقلة، وأن تفرض عقوبات موجهة على القادة المسؤولين عن الانتهاكات.

كما ينبغي أن تصل المساعدات الطارئة فعليًا إلى الصحفيين، من مسارات الإجلاء وإعادة التوطين، إلى الرعاية النفسية والدعم القانوني والتعويض عن المعدات الضائعة، مع إعطاء أولوية خاصة للصحفيين المحليين والمستقلين الذين يواجهون أعلى درجات الخطر. ويتوجب على السلطات التعامل مع الصحافة الموثوقة على أنها خدمة عامة تسهم في الاستقرار، عبر توفير المعلومات في وقتها وإتاحة الوصول، بدلًا من الإصرار على السرية.

وتتحمل منصات التكنولوجيا مسؤولية مباشرة؛ فالمحتوى الذي يحرض على العنف أو يستهدف الصحفيين يجب إزالته بسرعة، مع تعزيز الإشراف على المحتوى باللغة العربية، وتوسيع التعاون مع الجهات الموثوقة التي توثق حملات الترهيب المنسقة. لقد بات مسار التهديد عبر الإنترنت يغذي العنف الميداني بصورة مباشرة.

ويمكن لشبكات النشر والتحقق العابرة للحدود، التي يقودها صحفيون سودانيون، أن تحافظ على استمرارية التغطية حين تنهار البنية التحتية المحلية، وأن توزع المخاطر بشكل أكثر أمانًا. كما يتعين إنهاء الرقابة الإدارية واستبدالها بإجراءات واضحة وقابلة للطعن، ومتوافقة مع المعايير الدولية.

وعلى قوات الدعم السريع أن تواجه مطالب صريحة تتمثل في الإفراج عن الصحفيين المحتجزين، والكشف عن مصير المفقودين، والتوقف عن معاملة العمل الصحفي على أنه نشاط استخباراتي.

إذا كان عام 2025 هو العام الذي نزفت فيه الصحافة السودانية الأرواح على مرأى الجميع، فإن عام 2026 يجب أن يكون العام الذي تستعيد فيه قدرتها على التقاط أنفاسها. فالمجتمع الذي يفقد صحافته لا يصبح أكثر أمنًا، وإنما يغرق في ضجيج الأكاذيب ويغدو أكثر قابلية للتوحش.

وعندما يفقد السودان صحفييه، يفقد ذاكرته الجماعية، ويخسر العالم فرصة معرفة ما جرى، ومن كان مسؤولًا عنه، وكيف يمكن منع تكراره.

أسامة أبوزيد هو باحث مختص في قضايا التنمية والحوكمة، يعمل حاليًا باحثًا مشاركًا في المركز الفرنسي لدراسة القرن التاسع عشر، ومنسقًا لبرنامج منح المساعدات لمشروعات الأمن الإنساني والتنمية المحلية.

الترجمة عن موقع ميدِل إيست آي.