غزة والضفة الغربية.. حرب إلى ما لا نهاية؟
الاحد / 12 / شعبان / 1447 هـ - 20:12 - الاحد 1 فبراير 2026 20:12
رام الله - عُمان - محمـد الرنتيسي
لم يكن أياً من الفلسطينيين متفائلاً البتة، من فتح معبر رفح بقطاع غزة، على الطريقة الإسرائيلية، إذ لا زالت النتيجة 'صفراً' أقله في يومه الأول، فهذا المعبر افتتح بعد مرور أربعة أشهر على وقف الحرب، وإعلان اتفاق وقف إطلاق النار، ويفتح أبوابه بشكل تجريبي، وبقيود إسرائيلية مشددة، فيما الضفة الغربية، بدت منسية، وخارج الحسابات، ما يعني بقاءها في دائرة النار إلى حين.
في غزة، خبا سريعاً، التوهج الذي أثاره فتح معبر رفح، فالقيود التي ظهرت تشير إلى نقيض التفاؤل، وأبرزها القيود على الأعداد، فهناك ما يقارب 120 ألفاً غادروا قطاع غزة خلال الحرب، والكثيرون منهم يرغبون بالعودة إلى غزة، رغم ما أصابها من لأواء، بعد أن تقطعت بهم السبل، إذ تشير المعطيات في السفارة الفلسطينية في القاهرة، إلى أن أكثر من 50 ألفاً تقدموا بطلباتهم من أجل العودة إلى قطاع غزة، لكن الكيان الإٍسرائيلي اشترط عودتهم بشكل تدريجي، وبمعدل 50 فلسطينياً في اليوم الواحد فقط.
أما في القطاع المحاصر، فهناك الآلاف من الجرحى بفعل الحرب، ويحتاجون إلى العلاج في الخارج، ولم يسمح الاحتلال سوى لـ50 منهم بالمغادرة بشكل يومي، وهذا عدد قليل من وجهة نظر الغزيين.
وثمة مسألة شائكة أخرى، وقوامها أن الكيان الإسرائيلي، أقام نقطة تفتيش في محيط المعبر، لكل العائدين إلى قطاع غزة، بحيث يجري فحص أمتعتهم، والتدقيق في بطاقات هوياتهم، ما يعني أن قيوداً مشددة فرضت، ولا يعرف أهل غزة إن كان الاحتلال سيغلق المعبر متى شاء لأسباب يدّعي بأنها 'أمنية' الأمر الذي تكرر في تجارب سابقة.
وحتى فيما يتعلق بالموظفين الفلسطينيين في إدارة المعبر، فقد اشترط الكيان الإسرائيلي أن لا يظهروا بالزي الرسمي للسلطة الفلسطينية، كما كان عليه الحال قبل الحرب، وهذا تأكيد على رفض إسرائيلي لأي مؤشر على السيادة الفلسطينية.
هذه القيود ستعيق إلى حد كبير، حركة الفلسطينيين على معبر رفح، إذ لم تفلح كل الجهود في بث أجواء تفاؤل حتى لو كان حذراً، ما يبقي الأمور أصعب بكثير مما روجت له إسرائيل، لتبدو غزة وكأنها تسير على درب الحرب إلى ما لا نهاية، وإن بصور وأشكال مختلفة، ومن دون غارات أو دخان.
حسابات الربح والخسارة
هناك من المراقبين، من يعتقد أن عوامل الطرد تعلو على تلك المتعلقة بالجذب، فيما يتعلق بفتح المعبر، إذ في ظاهر الأمر استجابة إنسانية، وفي باطنه فرض وقائع وإملاءات إسرائيلية، وعليه، ستظل قضية الجرحى والمرضى تهز مضاجع الغزيين، وكل من ولج أو خرج عبر المعبر.
كأن نار المعبر لم تحمرّ بعد، وإن عنى فتحه المرور الصعب نحو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، طبقاً للخطة الأمريكية، وكل ما يمكن للغزيين القيام به، هو الاستجابة للشروط الإسرائيلية، إذ من المستحيل أن يقوموا بغير ذلك، في ظل الحصار الذي أنهكهم، والدمار الذي يلف حياتهم.
لكن فتح معبر رفح، رغم ما يشكله من فرصة لإحياء مرحلة ثانية بدت 'ميتة' من اتفاق وقف إطلاق النار، إلا أنه لن يشهد انفراجة حقيقة، كما يقول الكاتب والمحلل السياسي هاني المصري، ومرد ذلك، أن قوات الاحتلال تريد إبقاء الضغوط المتنوعة على الشعب الفلسطيني، واستمرار الحرب بصور وأشكال مختلفة، حتى تحقق أهدافها التي لم تفلح في تحقيقها بالقوة المفرطة خلال الحرب.
ويواصل: 'ما يجب التنبه والاستعداد له، أن إسرائيل هي من ستتحكم بمن يدخل ومن يخرج عبر معبر رفح، وهناك حرب وحشية متنوعة لا زالت تشن على شعبنا في قطاع غزة، وشيء من هذا القبيل سنشهده في معبر رفح، سواء من خلال فتحه وإغلاقه حسب المزاج الإسرائيلي، أو فتحه باتجاه واحد للمغادرين فقط، كوسيلة لتهجير الفلسطينيين، ولا ننسى هنا أن شبح التهجير ما زال يحوم في سماء قطاع غزة، لأن الحياة فيها لا زالت جحيماً'.
ضفة معلّقة
سُحب الأزمة السوداء، انتقلت سريعاً إلى الضفة الغربية، إذ لم تفلح جولات المبعوثين الأميركيين، في فتح ولو حاجز عسكري واحد، أو إزالة بعض السواتر الترابية والبوابات الحديدية في الضفة الغربية.
وبعكس القرب الجغرافي، تبدو غزة والضفة الغربية، كأنهما بعيدتان عن بعضهما في السياسة الإسرائيلية، فالحلول المطروحة تبدو محصورة بقطاع غزة، فيما الضفة الغربية التي ينهشها غربان المستوطنين، حرقاً وتدميراً، ويشن فيها جيش الاحتلال اقتحاماته واعتقالاته اليومية، تبدو غارقة في قلب المأزق، وخارج الحسابات.
في دوائر صنع القرار والنخب السياسية، يرون أنه لا معنى لإنهاء الحرب على غزة، دون وقفها على الضفة الغربية، بل ثمة من المراقبين من ذهب حد القول: 'إن أي حل سياسي يستثني الضفة الغربية، سيكون محكوماً بالفشل' وهكذا يكون الفلسطينيون قد دخلوا في أتون مواجهة سياسية أخرى.
في هذا الإطار، يرى الباحث في الشأن السياسي إبراهيم نعيرات، أن أي حل سياسي يرتكز على غزة، ويستثني الضفة الغربية، ويتعامل مع الشعب الفلسطيني كأرقام وتجمعات، وليس ككيان سياسي واحد، هو مسار يعيد تدوير الصراع بدلاً من حله.
ويوالي: 'تستحق غزة إنقاذها من براثن الحرب الطاحنة، لكن إنقاذها خارج سياق حل شامل للقضية الفلسطينية، سيجعلها مرة أخرى عرضة لحل منقوص' في إشارة إلى مشروع (غزة أولاً) المحكوم باتفاق أوسلو عام 1993.
ولعل أخطر ما في الأمر، من وجهة نظر مراقبين، أن تتحول الضفة الغربية إلى ملف مؤجل، بحيث تدور عليها دوائر الكيان الإسرائيلي جيشاً ومستوطنين، بعيداً عن أعين العالم، وأن تصبح 'ضفة معلّقة' تتجاوزها المفاوضات السياسية، فيسهل على الاحتلال ابتلاعها.