العرب والعالم

غزة.. تهدئة مصبوغة بالدم هل تنجح؟

 

رام الله - عُمان - محمد الرنتيسي 

بدماء جديدة، وارتفاع لمؤشر عداد الشهداء والجرحى، يشق الفلسطينيون طريقهم الوعرة، نحو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.. تتشابك المسارات مع تجدد الغارات، وما زال كيان الاحتلال يمعن في اللعب على حافة الاتفاق.
كان أهل غزة ينتظرون يوماً يشيّعون فيه 'الحرب' وهم يسدلون الستائر على المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، ويتأهبون لدخول المرحلة الثانية، فإذا بهم يشيّعون الشهداء والجرحى، كأنهم في الأيام الأولى للحرب.
انقضت المرحلة الأولى من الاتفاق، بكل ما رافقها من خروقات إسرائيلية ممنهجة ومدروسة، فتوقفت الحرب من دون أن تنتهي، وفيما تقبع المرحلة الثانية على مقاعد الانتظار، ففي السيرة الذاتية الإسرائيلية سجل حافل بنقض الاتفاقيات، وخرق المعاهدات، وليس أدل على هذا، من خرق هدنة 19 يناير، واتفاق 9 أكتوبر من العام الآفل.
في يوم فتح معبر رفح، وولوج المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، ينغمس الغزيون في لعبة الإقحوان 'تهدئة.. حرب.. تهدئة.. حرب' وما بين عدّ الأيام لتثبيت اتفاق وقف النار، وعضّ الأصابع مع كيان الاحتلال للنجاة من الإبادة المفتوحة، تمضي غزة نحو مصير مجهول، وتبدو كقطعة خشبية تعوم على بحر الدم، بعد أن خيّل إليها بأن المرحلة الأولى من الاتفاق، كانت مختومة بوقف الحرب.
ولئن صبغت المرحلة الأولى بالدم، بفعل الخروقات الإسرائيلية التي أخذت تنهشها منذ اليوم الأول للاتفاق، ففي ترتيبات إطفاء الحريق الذي شب من جديد وأخذ يلتهم أرجاء غزة، تطفو الأسئلة على نحو: فشلت المرحلة الأولى فماذا عن الثانية؟.. وهل يكون فتح معبر رفح فاتحة إنهاء الحرب؟.. وهل يلتزم كيان الاحتلال بالمرحلة الثانية بينما أخذ يشحذ السكاكين، ويلوح بعودة الحرب؟.. أسئلة لا يعلو فوقها سوى هدير الطائرات الحربية، وسحب الدخان السوداء، التي أخذت تلف غزة.
مراوغة إسرائيلية
القفل والمفتاح في يد الإدارة الأمريكية، فعلى ضوء نتائج جولة الفريق الأمريكي في تل أبيب، والذي ضم المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، ومستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير، يتضح أن واشنطن تريد الدخول في المرحلة الثانية من خطتها لوقف إطلاق النار في غزة، بدءاً من فتح معبر رفح، ودخول لجنة إدارة غزة للشروع في رفع ركام الحرب.
لكن وفق مراقبين، لا زال رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يبحث عن أسباب للمماطلة في ولوج المرحلة الثانية، وتأجيلها، بهدف بقاء قواته في قلب غزة، ولكي لا يُسجل عليه في عام الانتخابات الإسرائيلية أنه انسحب من قطاع غزة قبل تحقيق الأهداف الكبرى للحرب، التي استمرت لحولين كاملين.
وبرأي المحلل السياسي محمد دراغمة، فإن نتنياهو لا يمكنه رفض المسعى الأمريكي الشروع بالمرحلة الثانية، لكنه في ذات الوقت لا يستطيع قبوله، ولذا أخذ يراوغ، تارة عبر شروط وأثمان يضعها بنيّة الرفض، كتجريد حركة حماس من السلاح، والإبقاء على نقطة تفتيش إسرائيلية في معبر رفح، وأخرى بشن غارات على قطاع غزة، توحي بأن الحرب لم تضع أوزارها بعد.
ويضيف: 'تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الأمريكية، ينطوي على انسحاب إسرائيلي من قطاع غزة، لكن لو جرى الانسحاب بالفعل، في سنة الانتخابات الإسرائيلية، فهذا لن يحقق لنتنياهو الأهداف الكبرى للحرب، وفي مقدمتها نزع سلاح حركة حماس بالكامل.. نتنياهو بالغ في وضع سقف عال للأهداف، وبعد عامين من الحرب لم يتمكن من تحقيقها، ولذلك فهو يراوغ للهروب من المرحلة الثانية'.
أوراق تعطيل
لم يكن عابراً استعادة الكيان الإسرائيلي جثة آخر أسير لدى المقاومة في قطاع غزة، إذ وفق مراقبين، شكّل هذا اختباراً حقيقياً للشروع في المرحلة الثانية من اتفاق غزة، بمنتهى السهولة واليسر، لكن نتنياهو فاجأ الأطراف الراعية، بخطوة استباقية، من خلال بث الأجواء الحربية من جديد في قطاع غزة، إذ أخذ يروّج لاستعادة جثة الجندي الإسرائيلي الأخير، كواحد من منجزاته 'الأمنية' المنفصلة عن المسار السياسي.
لكن عقبة الجثة الأخيرة، لم تكن الوحيدة ولا الأخيرة أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، وقوامها الأساس فتح معبر رفح، وهنا برزت أوراق تعطيل الاتفاق، بقصف مفاجىء على غزة، أوقع العشرات من الشهداء والجرحى، واشتراط إسرائيلي على مصر، بإقامة نقطة تفتيش إسرائيلية على معبر رفح، ما ينذر بنوايا إسرائيلية، تعطيل المرحلة الثانية.
ويقرأ الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله، نذر كمائن إسرائيلية في طريق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، مستنداً على ذلك باللغة التي يتحدث بها بنيامين نتنياهو، وهي لغة الحرب التي عادت لتحكم المشهد في قطاع غزة، مشدداً: 'الكيان الإسرائيلي بارع في تجزئة الاتفاقيات، كي يسهل عليه التنصل منها، وتجربة المرحلة الأولى وما رافقها من خروقات ليست بعيدة، والتقديرات السياسية تبدو متشائمة من السلوك الإسرائيلي القائم على وضع العصي في دواليب الاتفاق'.
ويشرح أكثر: 'هنالك أثمان لا يرغب الكيان الإسرائيلي في دفعها، وأبرزها الانسحاب من محيط الخط الأصفر، حيث يسعى لتحويله إلى حدود دائمة، وعدم إسقاط مشروع التهجير، فحرب الإبادة التي شنت على قطاع غزة، اعتبرت لدى دوائر صنع القرار في تل أبيب، فرصة لجعل غزة غير صالحة للعيش، لدفع أهلها إلى الرحيل'.
سيناريوهات محتملة
في ضوء المشهد الدامي، الذي ظهر على تخوم المرحلة الثانية من اتفاق غزة، تتأرجح قراءات النخب السياسية للمشهد الغزي بين سيناريوهات ثلاثة: فإما المرور 'شكلاً' نحو المرحلة الثانية، من دون ترجمة فعلية على الأرض، بحيث تبقى البنود الجوهرية عالقة، بما يعني الابقاء على التهدئة قائمة شكلاً، مع تعطيلها مضموناً، وإما الانتقال المشروط، بحيث يوافق الكيان الإسرائيلي على بدء المرحلة الثانية، لكن مع ربط تنفيذها برزمة من الشروط والإملاءات، ويصطف في مقدمتها نزع السلاح، وفرض ترتيبات 'أمنية' بما يحيل المرحلة الثانية إلى ماراثون تفاوضي مفتوح.
أما ثالث السيناريوهات وأخطرها، فيتمثل في إعادة إنتاج المرحلة الأولى، وإن اختلفت المسميات، فيصار إلى تمديد الاتفاق الهش لوقف إطلاق النار، مع فتح 'محدود' للمعابر، وهذا من شأنه أن يجنب الكيان الإسرائيلي إعلان فشل الخطة الأمريكية، وفي الوقت ذاته يعرقل الوصول إلى مسار سياسي شامل.
وإذ برز فشل المرحلة الأولى بتجليات عدة بفعل الخروقات الإسرائيلية، يستحضر أهل غزة المرحلة الثانية بدعوات 'أن لا تعود الحرب' وأن تغيّر قاطرة التصعيد طريقها، في ضوء انعدام القدرة على تحمل أعباء وتبعات عودة الحرب.
في غزة، ترقب وقلق لارتدادات التصعيد الإسرائيلي الجاري، وطموح لتصفير العقبات أمام استكمال مراحل الاتفاق، فلم تعد هناك ستائر تخفي رغبة النازحين المنهكين بوقف الحرب بشكل كلي، ووقف شلال الدم، وبات السؤال الآن: هل تستمر المعطيات السلبية والخروقات التي رافقت تنفيذ المرحلة الأولى بحيث تنعكس على الثانية؟.. الكل ينتظر ويترقب.