أعمدة

حتى لا تطير الطيور بأرزاق غيرها

بحثتُ في مفهوم المثل القائل: «طارت الطيور بأرزاقها»، فوجدت أنه دعوة ضمنية للسعي وطلب الرزق، بل المسارعة في ذلك، ويُضرب في المُبادِرين، الذين يأخذون نصيبهم من الفرص، فلا يتركوا شيئًا للمتأخرين، وهو فهم يناقض الفهم الشائع، بأنه يروج «للفهلوة» والذكاء في استخدام الحيلة، للحصول على المال أو المكانة.

وأنا هنا لست بصدد تحليل المثَل، بقدر ما أحاول تفسير لماذا أمسينا نُسلِم، بأن كل ما بيد الناس حلاله وحرامه، مكتوب لهم من السماء، ولا ينبغي السؤال عن مصدره أو الاقتراب من ذلك، رغم أن منبته قد يكون اختراقًا صريحًا للأنظمة والقوانين، بل الدخول في دائرة الفساد.

يجزم البعض بما لا يدع مجالًا للشك، أن هناك عوامل طبيعية كـ«النصيب المكتوب»، و«الاصطفاء»، و«الحظ»، و«التوريث»، هي من تتحكم بصورة مُطلقة في توزيع الثروات والمميزات، وأنها «هبة من الرزاق» لا يتحكم في مقدارها البشر، وليس ذلك إلا لحكمة يعلمها الله وحده، وهو بالطبع تصور غير مقبول.

هؤلاء يعتبرون حيازة المال مثلًا اختص بها أشخاص وفئات بعينها، وإن كانت نتاج تعاملات فاسدة، والمناصب فُصّلت ليشغلها أناس ذوي مواصفات خاصة، يتوارثونها جيلًا بعد جيل وإن كانوا يفتقرون للملَكات، وإن اتكأوا لتحقيق ذلك على الوساطات والعلاقات الشخصية، أو حتى مكنتهم منها «الانتهازية».

وقد تحول هذا الفهم القاصر مع الزمن، إلى واقع مرير في السياسات الداخلية لبعض البلدان، أصاب من هم خارج التصنيف ومن الفقراء بحالة عميقة من الشعور بالتهميش والإقصاء وعدم الفاعلية، نتج عنه حالة مخيفة من الفوضى عرقلت جهود تلك الدول التنموية، ظهرت نتائجها لاحقًا في تعثر السياسات وعدم نجاعة الاستراتيجيات.

أما المجتمعات المتقدمة / الواعية، فقد نجحت في تشخيص هذه العِلة باكرًا، فاستعاضت بالنزاهة والعدالة بدلًا عن «القدر»، و«الاصطفاء»، و«التوريث»، فبادرت باستقطاب العقول المُبدعة من مختلف الأعراق والخلفيات والإثنيات، مستندة على قيمة «المواطنة» وأعملت الأنظمة كمرشد لا يُخطئ في استحقاق الأفراد من عدمه، عبر معايير موضوعية كالإخلاص والإنجاز والانضباط.

إن تقدم المجتمعات النامية، لن يتحقق إلا بتغليب المصلحة الوطنية، عبر سنّ القوانين المنُظِمة التي تحدد بوضوح حقوق وواجبات الأفراد، وترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية، وقبل ذلك التخلص من المعايير المُجحفة، التي تُحدد أهلية الأفراد للحصول على المميزات وتسنُم المسؤوليات، فذلك وحده كفيل بدفعها نحو التقدم، وعدم السماح للطيور بأن تطير بأرزاق غيرها.

النقطة الأخيرة..

المحبة لكل شيء يستوجب الإخلاص، والإخلاص يعني البحث بدأب عن كل ما هو حقيقي، بعيدًا عن المصالح الضيقة والمحسوبيات، التي أثبت الزمن قدرتها الفائقة على شلّ حركة التنمية وتقييدها.

عُمر العبري كاتب عُماني