ثقافة

الأيام الأخيرة لنورالدين السَّالمي وموته الغامض!

 

يشتهر الشيخ العلامة عبدالله بن حميد السَّالمي بلقب «نورالدين»، وغدى مقرونا باسمه، منذ أن سطع نجمه في سماء الوجود الثقافي في عُمان، فقيهًا كبيرًا وناظمًا ومؤلِّفًا، في حياة قصيرة لم تبلغ خمسين عامًا (1867 - 1914م)، عاش أكثرها ضريرًا، لم يَرَ من مشاهد الحياة، إلا ما يتصوُّره عقله، من خلال مجالسته الناس، وما يقرأ له تلامذته من كتب، فقد كَفَّ بصره بسبب مرض «الرَّمَد»، الذي أكل مقل عيونه وهو طفل صغير.
وكأنما أحسَّ الشيخ السالمي أنه لم يُخلق في الحياة ليعيشها ضَريرًا، فاستجاب لنداء شغفه، أنْ لا يرحل عن الدنيا دون أن يترك بصمة رائعة، فقد شاء له القدر أن يتعلَّم علي يد مجموعة من كبار الفقهاء آنذاك الوقت، في الرُّستاق ونزوى والقابل في الشَّرق العُماني، مدفوعًا بمَلكته في الحفظ وحبه للعلم، ولم يقتصر نبوغه في التدريس، والرد على فتاوى السائلين، بل إنه بدأ التأليف في يفاعة عمره، على غير عادة الفقهاء في ذلك الوقت، الذين أحجموا عن التأليف، واشتغلوا أكثر بنسخ الكتب، وخلال فترة قصيرة أصبح السَّالمي من النوابغ في العلوم الإسلامية، ومَنْ مِنَ العُمانيين لا يعرف الشيخ نورالدين السالمي!، وبالأخص في داخلية عُمان والشَّرقية، فقد ملأهم عِلمًا وشغفوا بكتبه حُبًا، وكأنه وَضَعَ للمتعلمين منهجًا دراسيًا، لا يزال مأخوذًا به حتى اليوم.
إنَّ طالب العلم الشرعي سيقرأ أولًا كتاب «تلقين الصِّبيان»، وحين يسلك طريقه في دراسة الفقه، سيجد منظومة «مدارج الكمال» في انتظاره، وكتاب «جوهر النظام» بنظمه الرائق لا يفارق يد طلاب العلم الشرعي، وكذلك مناظيمه في التوحيد، وألفيته «شمس الأصول» في أصول الفقه، وشرحها «طلعت الشمس»، وكتابه «معارج الآمال شرح مدارج الكمال»، في الفقه المقارن، ودارسوا التاريخ لا يتجاوزون «تُحفة الأعيان»، يسميه العُمانيون كتاب «السِّيرة»، يلخِّص تاريخ الأئمة العمانيين.
وطلبة العلم الشرعي يقرأون الأحاديث النبوية، من «الجامع الصَّحيح، مسند الإمام الرَّبيع بن حبيب» بشرح الشيخ السالمي، المطبوع في ثلاثة أجزاء، ودارسوا علم العقيدة يقرأون منظومة «أنوار العقول»، مع شرحها المختصر «بهجة الأنوار»، وشرحها المُوسَّع «مشارق أنوار العقول»، ويترنَّمون حِفظًا بأبياتها التي تبدأ بهذا الاستهلال الزاهر: (هذه الأنْوارُ لا نَجْمٌ زَهَرْ .. لا ولا إشْراقُ شَمْسٍ أو قَمَرْ)، أما طلبة النحو فلهم كتابه الممتع، «شرح بلوغ الأمَل في المفردات والجُمَل»، وأهل الشعر وعشاق الأدب يقرأون ما يروق لهم من قصائده الكثيرة ذات النزعة السياسية.
مسيرة أثمرت نحو 30 كتابًا، وكانت أيامه الأخيرة من حياته قضاها بين «نزوى» و«قرية بني صُبْح» و«تنوف»، ففي نزوى كان الشيخ السالمي يتردد على تلميذه وصهره، الإمام سالم بن راشد الخروصي، (مات مقتولًا، ليلة الخامس من ذي القعدة، 1338هـ/ 1920م)، وفي نزوى تزوَّج من غثنى بنت علي بن عامر الفرقانية العدوية، من أهل قرية «فَرْق»، (بقيت في عصمته قرابة عشر سنوات، ثم طلَّقها الإمام السالمي)، و(كانت تقرأ له فنون العلم المختلفة، وتنسخ له الكتب، وتدوِّن ما يُملي عليها من أجوبته ومؤلفاته)، وردت لها ترجمة في كتابي «معجم النساء العُمانيات»، لسلطان الشيباني، و«نساء نزوانيات» لمحمد السيفي.
والحديث عن الشيخ السالمي بالتأكيد ذي شجون، وبالتأكيد سينتهي بذكر حادثة وفاته المفجعة، التي وقعت له في «قرية بني صُبْح» التابعة لولاية الحمراء، بتاريخ 18 صفر 1332هـ، تحدَّث عن تفاصيلها ابنه الشيخ محمد بن عبدالله السالمي (ت: 1985م)، والمعروف بلقب «الشَّيْبَة»، في كتابه المهم: «نهضة الأعيان»، يؤرِّخ فيه أن والده نورالدين شَخَصَ إلى «الحَمْرَاء» لمناظرة شيخه ماجد بن خميس العبري (ت: 1927م)، ليفهم منه الحُجَّة شِفاهًا في مسألة «أوقاف القبور».
يقول الشيخ «الشيبة»: (كان من قضاء الله وقدره، أنه لما وصل ومن معه من الأعيان، إلى «قرية بني صُبْح» عند غروب الشمس، عزموا على المبيت بها، فتوجهوا إلى المحلة السُّفلى منها، فصدعه غصن شجرة أمْبَا، مُعترِضًا على الطريق، وهو على راحلته، ولم يبصره لكونه ضَريرًا، ولم ينبهه أحد من أصحابه لأمر أراده الله، فألقاه على ظهره واهي القوى)، يبدو أنه تعرَّض لكسْر في إحدى فقراته العُنُقية، (ولبث فيها مريضًا إلى اليوم السادس والعشرين من شهر صفر).
ذهبْتُ مرَّة إلى «القرية» كما يسميها الأهالي، «قرية بني صُبْح»، واحة زراعية بين تنوف والحمراء، تتوارى بين الجبال كعش طائر الباز، وتخيَّلتُ موكب الشيخ السالمي وهو يسير باتجاهها، ليستريح فيها ليلة من وعثاء السَّفر، حتى يصل إلى الحمراء، وتخيلت القرية تخرج مرحِّبة به، وأغصان «الأمبا» تدنو من شموخها العالي، لتهدي الشيخ ثمرة نضيجة، لكن الأقدار كانت ترسم مشهدًا آخر، يدنو الغصن من الشيخ، وتدنو راحلته منه، وكأنما أراد غصن «الأمبا» تقبيل يد الشيخ والسَّلام عليه، لينتهي الحدث بوقوعه عن ظهر الرَّاحلة، ويبقى في القرية ثمانية أيام، يئن فيها مَوجُوعًا أو كما يصف ابنه: (ولبِثَ فيها مَريضًا إلى اليوم السادس والعشرين من شهر صفر، لا يستطيع الحَرَكة)، حتى عاد إلى «تنوف» محمولًا على الأكتاف، ولعل نقله بتلك الطريقة ضاعف من حدة الألم، وبقي فيها عشرة أيام، وكان الوجع يستبد بالشيخ وكأنه يعجِّل بأنفاسه، حتى فارقت الرُّوحُ البدن، والجثمان لم يغادر المكان، بقي بين القبور بعيدًا عن القصور، مستظِلًا بأشجاره البريَّة، ليصبح السفح شاهدًا على الدفين الشَّهيد.
فهل كانت مسألة (وقف قراءة القرآن على المقابر)، تستحق كل هذه التضحية، التي نُكِبَ بها الشيخ؟ أم هي الأقدار تكتب فصلها الأخير في سيرة عالم مصلح كبير؟، علَّامة كالشيخ نورالدين السَّالمي لا يمشي وَحيدًا، ومثله يكون تلامذته على مقربة منه، ضرير يسير على راحلة، وهذا ما ألمح له حفيده سعود بن حمد السالمي (ت: 2014م)، في تقديمه لكتاب جده «إيضاح البيان في أحكام نكاح الصِّبيان»، كتب أنَّ جدَّه مات (في ظلِّ ظرف غامض، عبَّر عنه المؤرخون بأنَّ «ركنة أمبا» صدعته مِنْ على راحلته)، هل كان يلمح إلى أنه مات غِيْلة؟، أو تعرَّض للحادثة عنوة بتجفيل راحلته؟، أم فتَكَتْ به «غارة شعواء»، على وجه الحقيقة لا المجاز، يعبِّر عنها صَريحًا أبو مسلم في رثائه للشيخ بقوله: (فَتَكَتْ بالسَّالمِيِّ المُرْتَضَى .. غَارَةٌ شَعْوَاءُ ما عَنْها حَوَلْ)؟!، أسئلة حائرة والإجابة عنها محض تخريص، خاصة وأن الحادثة وقعت بعد مرور ثمانية أشهر، من عقد الإمامة للإمام سالم بن راشد الخروصي، في مسجد «الشَّرْع» بتنوف، (عُقِدَت في الساعة الثانية عشر من يوم الاثنين، 12 جمادى الثانية، 1331هـ/ 1913م).
مرات كثيرة وقفت على قبر الشيخ السالمي، تحت ظلال شجرة خضراء، وكأنني في حضرته العلمية، ورحت أتأمل أغضان الشجرة، وكأنها استمدت اخضرارها منه، وها هو يثوي تحتها في نومة أبدية، بعد أن تَنقَّل في حياته من قرية «الحُوقين» بالرُّستاق حيث ولد ونشأ، إلى أن تنطفئ شمعة الحياة، وينتهي طواف العمر، في مدينة «تنوف» بنزوى، ولم يخرج من عُمان مسافرًا إلا مرَّة واحدة، في رحلة الحج عام (1323هـ/ 1906م)، عاش حياته مخلصًا للعلم، وجاءت منيَّته من أجله، عالم لم يبصر الدنيا بل أبصرت به، ونابغة لم يتكرر مثله، ينير بفكره العقول، وأثره الثقافي ممتد بين الأجيال كنور لا ينطفئ، حتى تلامذته الكبار لم يبلغوا شأوَه، ولم ينجزوا من المؤلفات في حياتهم المديدة، ما أنجز هو في حياته القصيرة.
أخيرًا: مُنِحَ النور السالمي في عام 2015م، اعترافًا من منظمة اليونسكو، أنه «موسوعي ومصلح اجتماعي»، ضمن برنامج الذكرى المئوية، للأحداث التاريخية المهمة، والشخصيات المؤثرة عالميًا.