أعمدة

شوائب..

من الذي يمارس إسقاط الشوائب على الآخر: الفكر أم النفس؟ ومن الذي يعزز السلوك الناشز ليكون سلوكا مقبولا في اللحظة الحرجة: الفكر أم النفس؟ وهل هي حقيقة أن من يأمر الناس كما يقول الكاتب إريك هوفر: «الفكر الذي يأمر الناس بالصبر على الظلم دون رفضه، والقناعة بالفقر دون مكافحته، والرضى بالواقع المزري دون محاولة تغييره، وعلى أن ذلك هو أفيونٌ للشّعوب»، أم أن هذه المقولة تحتاج إلى ثنائية الفاعلين: الفكر والنفس؟ ومن المجبول دائما على تخطي القوانين، والأعراف، والنظم، وما تعارف عليه الناس، والمهادنة على ممارسات السلوك البشري: النفس أم الفكر؟

يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كما يروى: «إذا وضعت أحدًا فوق قدره فتوقع منه أن يضعك دون قدرك».

لا أسترشد بهذه المقولات لأقرأ فيها تلك التجربة الطويلة التي مر بها أصحابها متيقنا أن لا استثناء في الفصول السنوية التي يمر بها غيرهم؛ فالناس هم الناس، لن تتغير سلوكياتهم تجاه الآخرين من حولهم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. إنما الذي يتغير الأدوات التي يستخدمها الناس في كل عصر، وهي التي تتداخل لتغير شيئا من سلوكيات الناس، فتزيد من عظمة البلاء.

يروى عن العالم محمد الغزالي قوله: «أتدري كيف يسرق عمر المرء منه؟ يذهل عن يومه في ارتقاب غده. ولا يزال كذلك حتى ينقضي أجله، ويده صفر من أي خير»؛ فسوء التقدير الذي يفهم من قول الإمام علي، والغفلة التي وردت في قول الغزالي نتعامل معهما بمنتهى البساطة، وبقليل من المسؤولية الجادة بينما عواقب ذلك ونتائجه كوارث حقيقية في حياتنا.

لماذا نصف ذلك بالشوائب؟ لأن ذلك زائد على ما يصلح حال الناس؛ فما يفسد السلوك هو شائبة، ولا تمثل صفاء أو نقاء يذهب بالبشرية إلى مآلات الرضى، والاطمئنان واتساع رقعة الجمال الإنساني مع أن هذا المعنى الأخير يظل غاية إنسانية، والبشر محكومون بمشاعر وعواطف، وأطماع؛ ولذلك تكثر في ممارساتهم هذه الشوائب التي لا يعيرونها أهمية كبيرة بينما هي تتقصى كل إخفاق يصدر منا، وتراكمه حتى نقع مذهولين في مستنقع شرور أنفسنا؛ هل نحن مجبورون على ذلك؟ لا أبدا، ولكنها الغفلة عن التعامل مع هذه الشوائب.

نردد كثيرا أن البساط أحمدي، وأن كثيرا من هذه السلوكيات لن تعود لنا بكثير من الضرر، والنفس تستمرئ السلوك السهل واللين، وتتساهل معه في كل مرة؛ حتى لا تحمل نفسها مشقة البحث عن مصدات تلجم سلوكياتنا المعوجة؛ لأن المصدات التي تلجم هذه الشوائب من هنا وهناك تحتاج إلى كثير من الجهد المعنوي، وهذا الجهد في حد ذاته مقلق ومربك إذا تبناه الإنسان في كل صغيرة كبيرة في حياته اليومية مع أنه منقذ لكثير من التردي في أوهام الحالة المطمئنة التي ننشدها.

في كل زمن، وعلى استمرار مراحل الأجيال المتعاقبة أرقام حساب مصرفية تحت بنود كثيرة: صدقات، عطاءات، مساعدات، عطف، شراء ذمم، رشاوي، هتك أعراض، استجلاب مشاعر، استرقاق عواطف، وهي محل نزاع مستمر بين عقل يرفض أن يتماهى مع ما تسعى إليه الأنفس «الأمارة بالسوء» وبين نفس تتجاوز المظان التي يذهب إليها العقل.

وخطورة الأمر بين هذين المتصارعين أن في كثير من هذه الحسابات تدار من خلف الستائر، ويرى فيها أصحابها أنها شوائب، وليست أمورا أساسية في مفهوم العلاقات الجادة والقائمة بين الناس.

استطاع الإنسان بحكم تجربته الطويلة في الحياة أن يخترع الكثير من الأدوات لتنقية أكله وشربه، وفي المقابل حتى هذه اللحظة لم يستطع أن يخترع شيئا معنويا لتنقية سلوكياته من شأنه أن يقضي على أوجاعه أو يحل بعضها. قد يحضر الخوف هنا مفلترا لتجاوزات الضمير، ولكن حتى هذا الخوف يجابه حالات المغامرة التي تكون عليها النفس تلبية للطموحات والتطلعات؛ فأنّى لأنّات الضمير أن تقاوم؟