بريد القراء

خلف ستار الممنوع

 

عندما خلق الله سيدنا آدم استوحش، فخلق له حواء من ضلعه لتسكن إليه وتؤنس وحدته، وعاشا معًا في الفردوس الأعلى من الجنة، وأباح الله لآدم وزوجته كل ما في الجنة إلا شجرة واحدة:
«وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ»، سورة البقرة، الآية: 35.


ولكن الشيطان وسوس لهما وقاسمهما أنه من الناصحين، وأكد لهما أن الله لم ينهما عن تلك الشجرة، كي لا يكونا ملكين أو يكونا من الخالدين، ولكن عندما ذاقا الشجرة تجلّت الحقيقة وانكشف المستور:(فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ)، سورة الأعراف، الآية: 22.
فناداهم ربنا معاتبًا:(أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ)، سورة الأعراف، الآية: 22، وعندما أدركا ما فعلاه:(قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، سورة الأعراف، الآية: 23.


لماذا الممنوع مرغوب؟ هناك من يجازف بأكل الحلوى مع علمه بأن مستوى السكر مرتفع والبنكرياس لا يحتمل المزيد، وعلى الرغم من ذلك ما زال يأكله بشراهة. ومن أخبره الطبيب أن رئته متعبة وأن الموت يطرق بابه، ولكنه ما زال يدخن اللفافة تلو الأخرى. ومن نصيحة أباه عن رفقة السوء؛ الذين زجوا به في متاعب كثيرة، فلا يأبه لما يقال له، ويصر على مرافقتهم.
حتى إن الإنسان قد يتمادى إلى ما هو أسوأ من ذلك؛ كشرب المسكرات، وتعاطي المخدرات، وارتكاب المحرمات، وفعل الفواحش. لماذا يجازف الإنسان مع علمه بالمخاطر؟ لماذا يسعى إلى ما منع عنه؟ ولماذا يختار أحيانًا أن يهلك نفسه؟


يقول علماء النفس: إن النفس ميالة للفضول وحب التجارب، وأن لديها من التوقعات الوهمية ما يساندها كي تلج إلى الممنوع، ويسهم في ذلك رتابة الروتين اليومي والملل الذي كثيرًا ما ينادي به أصحابها، والرغبة في خوض غمار التحديات واكتشاف المجهول، والتحرر من القيود والتمرد عليها، سواء كانت تابوهات اجتماعية أو داخلية نفسية.
وهذا ما أثبتته نظرية جاك دبليو بريم، والتي طرحها في عام 1966، حيث يقول فيها: «عندما يشعر الفرد بأن حريته مهددة أو مسيطر عليها بنصيحة ما، فإن ردة فعله هي الاندفاع لحماية استقلاليته».


إن الشيء الممنوع أكثر جاذبية، فيحاول المرء بأي وسيلة الحصول عليه، فتجده يسعى بشتى الوسائل للحصول على تلك اللذة أو السعادة الفورية ويغفل لحظتها عما ستورثه له من ألم وشعور بالضياع.
لذا علينا دائمًا التفكير في مآلات الأمور، وما ستؤول إليه أحوالنا على المدى البعيد. يقول ابن القيم رحمه الله:
«مخالفة الهوى تقيم العبد في مقام من لو أقسم على الله لأبرّه؛ فيقضي له من الحوائج أضعاف أضعاف ما فاته من هواه، فهو كمن رغب عن بعرة فأُعطي عوضها دُرّة، ومتبع الهوى يفوته من مصالحه العاجلة والآجلة والعيش الهنيء ما لا نسبة لما ظفر به من هواه ألبتة».
إن من خالف هواه أراح قلبه، وهدأت نفسه، وسكنت جوارحه. يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إذا احترت بين أمرين، خالف هواك، فالصواب أقرب إلى مخالفة الهوى». فالهوى يتلف النفس، بينما يأتي الصبر ليرمّمها. جميعنا يعلم أن الصبر مُرّ المذاق، ولكن عواقبه أجمل من الشهد.


لهذا نحن بحاجة إلى مجاهدة النفس كي نهذبها، فالناس تهوى ما خُفِيَ عنها، والشيطان يزين لنا ما خلف الستار الممنوع، فيغوينا ببريقه ويحفزنا للوقوع فيه. ولكن علينا أن نقف قليلًا ونفكر: إلى أين نحن ذاهبون؟ أحيانًا يرسل لنا الله من ينبهنا، ولكن نجد أن العناد هو من يتحكم بالدفة فتأبى أنفسنا أن تخضع له.


هناك صراع أزلي بين الغرائز التي تشتهي اللذة العابرة، والروح التي تريد القرب من خالقها ليمدها بالهدوء والسكينة، والعقل الذي يضع ميزان النتائج والعواقب، لذا ليس كل نداء للنفس يُستجاب، حتى لا نهلك أنفسنا، فكما يُقال: «كم من لذة عابرة أورثت هلاكًا عظيمًا».
أتعلم أن القرب من الله هو ما يجعل بيننا وبينه هوى النفس سياجًا، فركعتان في جوف الليل تمكنك في مواجهة مغريات الحياة، وقراءة ورد من القرآن؛ بوصلة تضبط لك الاتجاه إذا ما غلبتك الأهواء، ودعاء من قلب خاشع متذلل؛ طوق نجاة من هلاك محتوم.


عزيزي القارئ: في نهاية هذا كله، ألا تود أن تكون من أولئك الذين قال فيهم ربنا:(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) سورة النازعات، الآية: 40-41.