القرائية والمستوى الدّلالي والثقافة والعلوم
الخميس / 9 / شعبان / 1447 هـ - 20:17 - الخميس 29 يناير 2026 20:17
مفارقة صادمة: بعد قضاء الطالب 12 عاما، وبالرغم من تحقيقه لتحصيل عالٍ في مبحث اللغة العربية، فإنه في حفلة التخرّج، يجد نفسه غير قادر على إلقاء كلمة في الحفل باسمه وباسم زملائه.
إذن فالمسألة مسألة تعبير، وليست فقط في القراءة والكتابة والفهم، واجتياز الامتحانات بنجاح وتفوّق.
تأتي مداخلتي في مسألة ما صار يطلق عليه تربويا بـ'القرائية'،حيث لا تقف المشكلة عند مجرّد تحقّق مهارة القراءة، وفهم المقروء والمسموع لنصفي مبحث، بل يتعداه إلى ما هو فكريّ وسياسيّ ووجوديّ، الآن ومستقبلا.
ولعلّ المدخل الملائم في نظري هنا، هو استقصاء تجارب الآخرين، بمن فيهم المتعلمون الطلبة، والمعلمون والأساتذة، وكل من له دور في التوجيه والبناء المعرفيّ والثقافي.
في البدء، يكون البصر والسمع والاستماع والإصغاء، أي ممارسة الطفل للحواس الممنوحة له؛ حيث يبدأ التواصل أولا داخل البيت. والغريب هنا هو قدرة الطفل الصغير، الذي لم يتقن الكلام بعد، في الفهم والتواصل.
ثم ليتطور ذلك بينه وبين المقربين، فيكون الحديث والاستماع وسيلة الاتصال الأكثر أهمية. ومنذ التوجه إلى رياض الأطفال، كمجتمع خارجيّ يختلف عن البيت، فإن التواصل يستمر، من خلال نظام المرسل والمستقبل، فيكون التركيز هنا على الفهم المتبادل بين الطفل ابن الأربع سنوات، والمعلمة، والذي يعدّ أكثر أهمية من تركيز 'الروضة' على كتابة الحروف، وإرهاق الطفل بالنسخ.
إن الانتقال إلى الصفّ الدراسي الأول، يجب أن يواكبه تطوير لمهارة التواصل اللغويّ أساسا، ولكن دون إغفال تطوير مهارة البصر الموجودة أصلا لدى الطفل، حيث يشكّل المشهد البصريّ أول مجال للقراءة لديه أصلا.
في المدرسة، نحن إزاء معلم وكتاب وطالب/ة، فكيف يمكن للتواصل بقصد التعليم أن يحقق هدفه المعرفيّ؟ هنا من الممكن ونحن نفكّر تذكّر أنفسنا أطفالا، ومعلمين لمن عمل معلما أو معلمة. هنا تقع عين الطفل على المجتمع المعرفي، على المعلم والكتاب والمتعلمين معه، وفضاء غرفة الصف والمدرسة معا.
ومن المهم والطبيعيّ، وبالرغم من تعدد مصادر التعلّم ووسائله، الانتباه إلى أن الكتاب المدرسيّ هو الذي يشكل العلاقة بين المعلّم والمتعلم؛ فوضوح كلام المعلّم أولا، بحيث يفهمه الطفل حسب عمره، مرتبط بوضوح النصّ الذي يقدّم بشكل جماليّ، بما يحيط به من رسومات وصور وألوان. وهنا يتحقق الانسجام،وضمان فهم الطفل لما يتعلمه من لسان المعلم و'لسان الورق'.
ويواكب تعلّم اللغة الأمّ هنا ليس فقط تعليم لغة ثانية، بل معارف أخرى هي المباحث المدرسية، بمعنى أن تعليم الحساب والعلوم الاجتماعية يرتبط، ويتوازى، مع تعليم اللغة أيضا، بالنسبة للمباحث، التي تزيد من مهارة تعلم اللغة ومضامينها المعرفية معا. ويكون تقييم الطالب مبنيًا على ضمان فهمه، وليس مجرد تقنية اختبار الطالب؛ فالاختبار هنا هو لضمان التعليم، أي هو للمعلم أولا، وبناء على نتيجة الاختبار، يطوّر المعلم تواصله مع الطلبة لغة وتعليما للمعارف.
لذلك، فإن طفلا يفهم المنطوق، وقادرا على الحديث باللغة العربية ولديه مشكلة بالمعلومات، يكون ناجحا، ولا يجوز تقييمه بأقل من علامة النصف، أي 50%، بالمقارنة مع طفل يتعلم لغة أخرى لديه مهارة استظهار المعلومات، لكن غير قادر على الحديث باللغة الأخرى، الإنجليزية مثالا؛ فنحن في سياق تعليم اللغة العربية لأبنائها.
وهنا، فإننا نصل إلى بيت قصيد تعليم اللغة، وهو ضمان تحقق لا قراءة النصّ ولا سماع المعلم، بل فهم مضمون المكتوب والمسموع، لأن أي بناء جديد لن يشكّل التراكم المتوقع، ما لم يهضم الطفل ما سمع وقرأ. وهنا من الضروريّ التذكير أن الطلبة عموما قادرون على القراءة والكتابة؛ فمهارة تعليم الحروف ممكنة التحقق بسهولة، في ظل التدريبات على فعل القراءة المستمرة والكتابة، بل تكرارها. إن فهم دلالة المسموع والمكتوب، هو ما يلزم ليس لتطوير مهارات اللغة، بل التعامل مع المعارف المقدمة في المباحث الأخرى، بمعنى أن زيادة مهارة فهم الطلبة للمكتوب والمقروء والمسموع، سيجعل تعلّم المباحث الأخرى ممكنا، فلا يشعر الطلبة بالاغتراب.
وكما ينصح خبراء تعليم اللغة، بتعريض الأطفال من عامهم الأول للغة، من خلال قراءة القصص لهم يوميا، فإن الاستمرار بتعريض المتعلمين للنصوص، سيقويهم، وذلك هو سحر القراءة والكتابة. وسيحقق ذلك هدفنا إن اخترنا نصوصا من عالم الطفل ومفرداته، حيث تجذبه إنسانيا أولا قبل الجذب المعرفي، والذي يتطور باتجاه المعرفة مع تقدّم المتعلم في العمر.
وهنا، وبالرغم من احترامنا لمن علمنا ولمن كتب المناهج خلال قرن، فإن التركيز يجب أن ينصب على المستوى الأهم وهو المستوى الدلاليّ، حتى نضمن ألا تتم برمجة الطفل شكلانيا، في توريطه بمستويات النحو والصرف والصوت.
إن التعبير الكتابي هو قطف ثمار تعلم الطفل، لا تفاصيل يتم تقديمها مبكّرا للأطفال، حيث يمكن تأخيرها لضمان النمو اللغويّ للطفل.
من ناحية أخرى، فإن اللغة تقدّم المعرفة الشاملة، ولا يجب حصرها بالأدب من شعر وخطابة ورسائل، الذي يذكرّ بتطور الأدب العربي القديم؛ حيث ما زال خبراء اللغة يزهدون باللغة المعرفية العلمية، والتي أصلا تطورت في أدبيات العرب منذ القرن الثاني للهجرة. وهكذا فإن من المهم هنا أيضا 'علمنة تعليم اللغة في سياق علمنة المناهج'، بعيدا عن مضمون تقديس المحاكاة، وإعلاء شأن النصوص التقليدية أو الكلاسيكية، وذلك ما سيمنح الطفل أريحية التعلم، والتواصل حديثا شفويا وكتابة. ولعلنا نذكر هنا ما دعا إليه متنورون عرب كطه حسين وتوفيق الحكيم، كذلك إسحاق موسى الحسيني. ويمكن تتبع ما كتبوه وآخرون حول اختيار لغة العصر الواضحة، التي تهتم بالجانب المعرفيّ لا الجماليّ فقط.
حين نشخّص حال المعلّم كمخرج تقليدي جامعيّ، يتعامل مع كتب مدرسية لم تحقق هدف فهم المقروء باتجاه الغاية السامية، وهي بذر بذور التفكير، من خلال تشجيع 'ومأسسة' التفكير النقدي، فهذا يعني ضرورة وجود علماء اجتماع وعلوم طبيعيّة في فريق كتابة مناهج اللغة العربية، أو بالأصحّ عند اختيار النصوص، مع ضرورة هضم الطلبة لنصوص مكتوبة حتى وإن قلّت، لأنّ ذلك أهمّ من تعليم نصوص كثيرة لا يتم هضمها؛ فالفهم مفتاح التفكير، لذلك فوجود نظام تعليميّ يهتم بهذا الفهم ومحاورته، سيجعل المتعلّم لا متقنا للمقروء والمكتوب، بل والمحاججة فيما يقدمه النصّ من أفكار، ليتسنى للطالب الخريج مستقبلا داخل المسار الأكاديمي ومسار الحياة الاجتماعية والعملية والسياسية أن يكون ما يؤول له فكره، لا ما يتم برمجته به.
لقد تطورت بنية تعليم اللغة والأدب في كليات الآداب العربية، لكن النظام التربوي ظل يعاني التكلّس، من خلال الميل للتناصّ والتقليد وإعادة إنتاج الأساليب القديمة. ولعنا، ونحن نركّز على الجانب الدلالي للغة، وما يتعلق بفهم ألفاظ اللغة، نشير إلى الجهد العربي الحديث في 'معجم الدوحة التاريخي للغة العربية' الحديث الذي استغرق العمل فيه عقدا من السنوات، 'حيث ولى وجهه شطر تاريخية اللغة العربية، ورصد المسار التطوري لألفاظها عبر الحقب، بانيا ذاكرتها المكتنزة بالمعاني والمباني، حسب الأقدم فالأقدم، عبر حوالي عشرين قرنا، من أول نصّ عربيّ في الجاهلية ترتضيه مدونته، إلى اليوم. وهو يهدف بذلك إلى توثيق شامل لتاريخ الألفاظ العربية، برصد تطور معانيها وسياقات استعماله، مستنداً إلى نصوص مكتوبة ونقوش تاريخية ليكون سجلاً حياً لحياة الكلمة العربية وتطور الفكر والحضارة من خلالها'.
وأخيرا، فإن هناك فرقا بين أن تكون اللغة هي الوعاء المعين لتعلّم المعارف، وبين أن يكون أسلوب تعليمها، منفرا للإقبال عليها وعلى تلك المعارف.
Ytahseen2001@yahoo.com