ترجمة

ليس ترامب وحده من يقوّض النظام العالمي

حوار: جون جويدا - ترجمة: أحمد شافعي

 

ما القوى التي تصوغ السياسة العالمية؟ في عام 2026، يبدو أن ما كان يعرف بالنظام الدولي القائم على القواعد قد بدأ يتفكك فجأة.

لكن وفقا لهيلين طومسن أستاذة الاقتصاد السياسي في جامعة كمبريدج ومؤلفة كتاب «الفوضى: أوقات عصيبة في القرن الحادي والعشرين)، بدأت فوضى العالم قبل وصول الرئيس ترامب إلى المكتب البيضاوي سنة 2016 ببعض الوقت.

كل ما في الأمر أن الفوضى احتدمت. وفي حوار إلكتروني مكتوب مع جون جويدا المحرر بقسم الرأي في نيويورك تايمز، تأملت طومسن في القوى التي تصوغ السياسة العالمية الآن وفي المستقبل.

***

كان عنوان كتابك الصادر سنة 2022 هو «الفوضى»، وتذهبين فيه إلى أن العالم يشهد تحولات عميقة في السياسات العالمية، وإنه كذلك حتى من قبل 2016 عندما دخل الرئيس ترامب المكتب البيضاوي للمرة الأولى، هل يمكن أن تفسري السبب؟

أعتقد أن 2005 من أوجه كثيرة كان عاما مفصليا. فبحلول ذلك العام، كانت جملة من المشكلات الواضحة تنذر بما يحدث الآن. فمن الجانب الجيوسياسي، كانت انقسامات عميقة قائمةَ داخل الناتو بشأن حرب العراق، حيث وقفت فرنسا وألمانيا فعليا مع روسيا، وفي الولايات المتحدة كان الحزبان يفرضان ضغوطا في مجلس الشيوخ من أجل اتباع سياسة تجارية أكثر صدامية مع الصين.

ثم إنه كانت من تحت السطح مشاكل عميقة في الطاقة. شهد ذلك العام، أي 2005، ركود إنتاج النفط في الوقت الذي تسارع فيه الطلب الأسيوي وبخاصة من الصين. وداخل أوروبا، كان واضحا في قرار ألمانيا بإقامة أول خط أنابيب نورد أن الساسة الألمان خلصوا إلى أن أوكرانيا لم تعد شريك العبور المضمون وإنهم سوف يفضلون مصالح الطاقة الألمانية على أمن أوكرانيا.

وجاءت أحداث 2008 فتفاقمت من جرائها المشكلات الواضحة والأقل وضوحا، من الأزمة المالية وحتى الفيتو الفرنسي الألماني على ضم أوكرانيا وجورجيا إلى الناتو.

من الآثار المنهجية لأزمة 2008 الاقتصادية ذلك الشقاق الاقتصادي بين الولايات المتحدة وأوروبا، وقد تفاقم ذلك لاحقا مع طفرة النفط الصخري الأمريكي. وحدثت أيضا زيادة حادة في التوترات الأمريكية الصينية. وفي عام 2010، انتاب الفزع الطبقة السياسية الأمريكية بسبب حظر الصين المزعوم للمعادن النادرة على اليابان وما تردد عن قيود تصديرية جديدة. ولعلي أحدد التحول البنيوي في العلاقات الأمريكية الصينية بتلك السنوات: أي في تعامل الصين مع أزمة 2008 المالية، وتعامل الولايات المتحدة مع فزع المعادن النادرة.

لننتقل بهذا إلى الجغرافيا السياسية اليوم. بأي قدر من الجدية تنظرين إلى خطابات الأسبوع الماضي الحادة في دافوس إذ تحدثتْ عن «قطيعة، لا تحول» وعن «نظام احتدام تنافس القوى العظمى» (كما جاء في خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كراني) وكذلك ما وصفه المراقبون بالإحساس العام باحتقار الرئيس ترامب وبعض أفراد إدارته لأوروبا. أين نحن الآن؟

لا أعتقد أنها القطيعة لا التحول. وتنافس القوى العظمى حقيقة منذ ما يزيد على العقد، وإدارة الرئيس بايدن كانت تفكر بهذا المنطق أيضا. فإذا رجعت إلى قانون تقليص التضخم لعام 2022، لوجدت أن الاستراتيجية الوطنية للتصنيع الواردة فيه عوملت في أوروبا باعتبارها فعلا عدوانيا. الفارق مع ترامب هو اللغة وسيل التصريحات المستفزة والمهينة. هو بالفعل يحتقر أوروبا، وهذا هو الجديد، حتى بالمقارنة مع ولايته الأولى.

ما العناصر الأساسية في تنافس القوى العظمى اليوم؟ في كتابتك، كثيرا ما تتجاوزين الخطابات والأشخاص وتنظرين إلى الأنظمة والعناصر الأساسية من قبيل موارد الطاقة بل والدَّيْن. هل هذا ما ترينه اليوم؟

التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين مركزي، لكن روسيا تبقى شديدة الأهمية أيضا. الولايات المتحدة والصين تتنافسان في التكنولوجيا. والولايات المتحدة وروسيا تتنافسان في الطاقة. ثم إن كلا منها يتنافس على النفوذ في مناطق العالم الثرية بالطاقة، من الشرق الأوسط إلى القطب الشمالي.

أعتقد فعلا أن التنافس من أجل موارد الطاقة والسيطرة عليها مركزي في السياسة الدولية. إن من الممكن تفسير قدر كبير من التاريخ الجيوسياسي في القرن العشرين في ضوء هذا، ولا أعتقد أن القرن الحادي والعشرين يختلف اختلافا بنيويا كبيرا، حتى لو اختلفت النتائج حتى الآن اختلافا كبيرا. وليس من الممكن أن نفهم نوع قوة الولايات المتحدة الجيوسياسية اليوم دون أن نرى كيف غيرت طفرته النفطية الصخرية في موقفها المتعلق بالطاقة.

ما الذي فعلته طفرة النفط الصخري الأمريكي لقوة الولايات المتحدة العالمية؟

أصبحت الولايات المتحدة أشد حزما في أوربا منذ منتصف العقد الثاني في القرن الحالي حينما أمكن للغاز الصخري الأمريكي أن ينافس غاز بروم على أسواق الغاز الأوروبية. باتت أقل استعدادا للتسامح مع علاقات الغاز الألمانية الروسية، وأثبتت، في ظل حكم ترامب على الأقل، استعدادها لفرض ضغط كبير على الدول الأوروبية لشراء الواردات الأمريكية.

والنتيجة، عندما تزامنت مع غزو روسيا لأوكرانيا، هي أن أغلب البلاد الأوروبية باتت أشد اعتمادا على الولايات المتحدة في الطاقة مما كانت عليه قبل سنوات قليلة. ويفضي هذا إلى أن يكون استقلال الاتحاد الأوروبي واستقلال دول أوروبية منفردة أصعب مما كان عليه حينما كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث في 2019 عن وجوب أن يكون هذا هو هدف أوروبا.

تعملين منطلقة من افتراض بأن العالم لا يزال يطلب الموارد النفطية من أجل النشاط الاقتصادي، أليس كذلك؟ برغم أن موارد الطاقة الخضراء تتطور بين البلاد وفيها، في الصين، وداخل الولايات المتحدة حيث طاقة الرياح في أماكن من قبيل تكساس. الفكرة هي أن الطلب على النفط يبقى قويا، فحينما يرتفع الطلب على الكهرباء (كحاله مع طفرة الذكاء الاصطناعي)، يرتفع أيضا الطلب على موارد مضمونة للطاقة

نعم، في ظل السياسات الراهنة في العالم، تتنبأ وكالة الدولية للطاقة بأن يظل استهلاك النفط في صعود حتى عام 2050. ويزداد استهلاك الكهرباء لتحقيق كل من التحول إلى الطاقة الكهربائية وتشغيل الذكاء الاصطناعي. وحتى في وجود المركبات الكهربائية التي تقلل استهلاك النفط في قطاع النقل، هناك زيادة ملحوظة في استهلاك النفط في قطاع التصنيع، لأن البتروكيماويات أهم في السيارات الكهربائية منها في السيارات ذات محركات الاحتراق الداخلي.

يبدو أن واقع الطاقة في أوروبا يفرض مزيدا من الضغوط على ما كان يوصف بالترتيب القائم على القيم - وهو الأساس، أو الأساس المنشود على الأقل، للنظام الدولي القائم على القواعد. ولقد طرح كراني رؤية لترتيب مختلف لـ»القوى المتوسطة». فهل لا تزال إمكانية إقامة التحالفات قائمة، أم الأمر كله تنافس على الموارد؟

ثمة مجال لأن تتحالف القوى المتوسطة. تاريخيا، تشكلت أسلاف الاتحاد الأوروبي بقصد واضح هو محاولة إنهاء التنافس على الموارد بين دول أوروبا الغربية. فليس من قبيل المصادفة أن مشروع الاتحاد الأوروبي الأول كان (الجماعة الأوروبية للفحم والصلب) وأنه انتهى بصراعات بين فرنسا وألمانيا على الفحم الذي كان مركزيا في العداوات على الأرض بين الدولتين منذ الحرب الفرنسية البروسية.

مشكلة أوروبا، مقارنة بكندا، هي أنها فقيرة نفطيا ولديها من ثم مشكلات في الاعتماد على النفط الأجنبي لا تواجهها كندا. ومهما يكن موضوع الطاقة، فإن الصعوبة التي تواجه أي قوة متوسطة تكمن في أن الولايات المتحدة والصين، بطرق مختلفة، تسيطران عليه، ولذلك فلكي يصل كراني إلى ما وصل إليه الآن، كان عليه أن ينقلب على الموقف الذي اتخذه من الصين في العام الماضي ويعيد بناء العلاقات.

يثير هذا مسألة الاعتماد المتبادل. لقد سبق أن قلت إن الرئيس ترامب بدا في عام 2025 متوترا من حظر الصين للمعادن النادرة خلال مواجهة تجارية. أصبحت الولايات المتحدة مصدرة للنفط، لكن لديها دينا ضخما، والصين دولة تصنيع كبرى لكنها تعتمد على النفط الأجنبي لدفع الصناعة، والاقتصادات الأوروبية تحوز بعض الدين الأمريكي، لكنها تعتمد على النفط الأجنبي إما من الولايات المتحدة أو من روسيا. يبدو أن نقاط الضعف هذه تبقي دول العالم في حالة معقدة من توتر الاعتماد المتبادل. هل يمكن أن يصفو هذا إلى ترتيب أكثر استقرارا؟

هذا سؤال جيد. أعتقد أن هذا ممكن. لقد كانت ألمانيا والاتحاد السوفييتي/روسيا في حالة هادئة نسبيا من الاعتماد المتبادل خلال العقد ونصف العقد الأخيرين من الحرب الباردة وحتى مطلع حقبة ما بعد الحرب الباردة. وتدبرت بريطانيا أمر فترة طويلة من الاعتماد على الشرق الأوسط، لكنها أقحمته في سلسلة مستمرة من المشكلات الجيوسياسية التي بلغت درجة الخطورة في بعض الأوقات، كما حدث في أزمة السويس سنة 1956.

هل يوجد أي شيء خاص يسم فترات تبادل الاعتماد السلمي على الموارد دون الفترات التي يتحول فيها إلى صراعات سافرة؟

أي وضع تكون فيه قوة عظمى متعددة، وهي مستوردة عظيمة الحجم للطاقة، وما من قوة مهيمنة قادرة على كبحها، فيمكن أن يفضي هذا الوضع إلى صراع شنيع. هذه هي قصة أوروبا واليابان في النصف الأول من القرن العشرين.

جزء مما نراه الآن هو أن دولا ذات قوى عظمى وطاقة تصديرية في مجال واحد على الأقل ـ فالولايات المتحدة في الغاز الطبيعي والصين في المعادن النادرة ـ مستعدة لاستعمال الموارد استعمال الأسلحة الجيوسياسية. وهذا أيضا يزعزع الاستقرار.

لنلتفت إلى النصف الغربي من الكرة الأرضي: في مقالة لك سنة 2024 قلت إن أعين العالم سوف تلتفت عما قريب إلى هناك، وأشرت في ذلك الوقت إلى معلومة هامة: وهي أن الصين أكبر شريك تجاري لأمريكا الجنوبية. استغرق الأمر سنتين، لكن ها نحن فجأة هناك. ما دلالة ذلك التحول بالنسبة للولايات المتحدة، والصين، والجغرافيا السياسية؟ وهل لديك أي فكرة عما أو عمن يدفعها في ظل حكم الرئيس ترامب ومستشاريه؟

ـ بالنسبة للولايات المتحدة، المشكلة بأبسط أشكالها هي هذه: صعود الصين التجاري في أمريكا اللاتينية خطر على مبدأ مونرو، والولايات المتحدة لم تواجه خطرا كهذا منذ أن كانت شركات النفط الأوروبية تحاول العمل هناك في مطلع القرن العشرين.

ثم إن الأمر يزداد تعقيدا بحضور الصين الاقتصادي في المكسيك وكندا والفرص التي سنحت للصين من خلال علاقات البلدين الاقتصادية بالولايات المتحدة لتفادي خطوات حمائية أمريكية اتخذت ضد الصين.

أعتقد أن ترامب قد اطمأن إلى مبدأ مونرو. لكن آخرين في الإدارة ممن يفكرون في نصف الكرة الأرضي الغربي يفكرون بطريقة أخرى. أظن مثلا أن وزير الخارجية ماركو روبيو لا يفكر في موارد هذا النصف الغربي بقدر غيره، لكن ثمة رؤية منتشرة إلى حد ما في الإدارة بأنه ينبغي طرد الصين قدر الإمكان من كل مكان ممكن.

يفرض الرئيس ترامب كثيرا من الضغط على الاحتياطي الفيدرالي لتخفيض معدلات الفائدة. والولايات المتحدة لديها دين داخلي هائل الضخامة. وبالطبع، هي ليست البلد الوحيد الذي يعاني مشكلات الدين والعجز. كيف ترين ضغوط الميزانية الداخلية هذه، وبخاصة ما يتعلق منها بالدين، في الولايات المتحدة وغيرها، من حيث صياغتها للسياسات العالمية؟

قضايا الدين مهمة. ففي الولايات المتحدة تربط مشكلات الدين بين بضعة أشياء تحاول إدارة ترامب القيام بها، ومنها فرض مزيد من تكاليف الدفاع على أوروبا. ويتبين من الفشل الذريع لإيلون ماسك في ما يعرف بوزارة الكفاءة الحكومية مدى صعوبة التعامل مع الدين من خلال تقليص الإنفاق. في أوروبا، هناك مشكلة كبيرة أخرى أمام أي محاولة للاستقلال الذاتي الاستراتيجي، وبخاصة في فرنسا وبريطانيا، البلدين الذين أظهرت أحداث السنة الماضية أو نحوها مرة أخرى مدى صعوبة تقليل الإنفاق في مجالات أخرى من قبيل ميزانية الرفاه أو رواتب التقاعد. وقد ساد إحساس في مطلع هذا العام بأن ألمانيا قد قامت بتحول كبير في ما يتعلق بالدين، لكن ذلك لم يتجسد في أي حيز مالي جماعي أكبر بالنسبة لأوروبا كي تنفصل على الولايات المتحدة في ما يتعلق بالأمن.

هل الدين سلاح جيوسياسي محتمل؟

الأهم هنا هو قدرة الولايات المتحدة على توفير مقايضات الدولار ـ أي المعاملات المعقدة التي يتم فيها استبدال التدفقات النقدية أو الأصول المالية للتحوط من المخاطر ـ من خلال الاحتياطي الفيدرالي. لقد ورد تهديد صريح في ورقة «اتفاقية مارالاجو» لستيفن ميران بأن الولايات المتحدة في ظل حكم ترامب سوف تمتنع عن تقديم مقايضات الدولار، بمعنى أنها تهدد بعدم توفيرها في الأزمات، لكي تفرض مطالبها في مجالات سياسية أخرى، منها الدين نفسه. يمكن أيضا أن نرى أن إدارة ترامب قد أعطت خط ائتمان للرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي خلال انتخابات الخريف الماضي. قد تكون هذه التكتيكات وسيلة تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى ضبط العلاقات وكسب الحلفاء في آن واحد.

ماذا عن حملة سندات الدين الأمريكي؟

من حيث المبدأ، نعم - وإذا رجعنا إلى عام 2008، نجد أن بيع البنوك المركزية الصينية واليابانية لديون فاني ماي وفريدي ماك قد لعب دورا هاما في الانهيار. لكن إذا كانت الدول الأوروبية ستبيع سندات الدين الأمريكية التي تحتفظ بها رسميا، فإنها بذلك تخاطر مخاطرة جسيمة، لأن الامتناع عن تقديم مقايضات الدولار في الأزمات سوف يلحق ضررا أكبر، وقد يؤدي هذا البيع إلى تفاقم الأزمة.

كيف ترين تأثير المخاطرة في السياسة العالمية؟ في البيئة التنظيمية للأسواق المالية، وفي ظل قيادة الرئيس الأمريكي، يبدو أن الرغبة متزايدة في خوض المخاطر. ما دور ذلك في فهم السياسة العالمية؟

بمعنى من المعاني، يزداد الإقبال على المخاطرة الآن لأن الخيارات المتاحة، خاصة على الصعيد الجيوسياسي، محصورة في المخاطر العالية. وهذا ما ينشئه الانقسام الجيوسياسي. لكن المثير في ترامب بوصفه ظاهرة سياسية هو أنه يبدو، من الناحية النفسية، كمن تطيب أموره بالمخاطرة، ويسعى إلى إحداث تغيير من خلال قدرته الفائقة على إحداث اضطراب، بغض النظر عن الموضع الذي يحل فيه هذا التغيير.