ما يجب أن تفكر فيه الشركات بعد دافوس
الأربعاء / 8 / شعبان / 1447 هـ - 21:43 - الأربعاء 28 يناير 2026 21:43
ترجمة: قاسم مكي
قبل قرن ذكر الاقتصادي فرانك نايت في كتاب بعنوان «المخاطرة وعدم اليقين والربح» أن بعض الحقب التاريخية تتشكل بمخاطر يمكن قياسها بينما تعاني حقب أخرى من عدم يقين لا يمكن سبر غوره. (الفكرة التي جادل نايت بشأنها في كتابه المذكور هي أن الربح الحقيقي والوفير للمستثمر يتحقق بالمجازفة في أوضاع عدم اليقين المطلق وليس بالدخول في المخاطر المحسوبة- المترجم.)
هذا التمييز (بين بيئتَي استثمار مختلفتين) شكل هاجسًا في منتدى دافوس الاقتصادي هذا الشهر. نُخَب دافوس عموما ماهرة في قياس المخاطر الاقتصادية والمالية. والبعض منها يبني أيضا النماذجَ البيئية كنموذج التنبؤ بالطقس المتطرف. لكن قليلين من يشعرون أنهم على استعداد التعامل مع عدم اليقين المحلي والجيوسياسي الحالي والذي يفاقمه تغير تكنولوجي غير مسبوق.
فقط فكروا فيما حدث خلال الأيام القليلة الفائتة. بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتهديد بغزو جرينلاند وفرضِ رسوم جمركية، ثم بدا إنه يتراجع. والآن كشف عن «مجلس سلام» محيِّر.
شكا مسؤول عن المخاطر بشركة منتجات صيدلانية كبرى من أنهم لا يرون «أية نهاية لهذا الاضطراب.» وأضاف «في الحقيقة نحن نتوقع أن يزداد.»
إذن كيف يمكن لرؤساء الشركات أو المستثمرين تفكيك كلَّ «عدم اليقين» هذا؟ قياسا بالثرثرة الجانبية في دافوس (والتي كثيرا ما كانت تبدو أشبه بجلسة تشاورية لكبار التنفيذيين في احدى الشركات) هنالك أربعة دروس أساسية يمكن الاستفادة منها.
أولها، وهي الأكثر وضوحا، أخذُ ما قاله رئيس الوزراء الكندي مارك كارني على محمل الجد. فقد أعلن أننا نواجه «تصدُّعا» جيوسياسيا. عمليا يعني ذلك انبعاثَ الشعبوية والحمائية والنزعة الوطنية المتطرفة (أو القومية) بطرائق تذكِّر بالسنوات المضطربة بين الحربين العالميتين، كما ذكرت كريستين لاجارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
قاد ذلك الى إعادة ترتيب سلاسل التوريد بالنظر الى التأثير المهم للحمائية على السلع المتداولة. لكن القومية يمكن أن تؤثر على التمويل أيضا. فالتاريخ يُظهِر أن الحروب التجارية كثيرا ما تتحول الى حروب رأس المال، كما أشار راي داليو مؤسس صندوق التحوط «بريدْجواتر» قبل أيام.
والأسواق الاستهلاكية قد تتحوّل أيضا. مثلا، يوضح استطلاع جديد من مجموعة «ايدلمان» للعلاقات العامة أن المستهلكين العالميين تتزايد ثقتهم بالعلامات التجارية المحلية مقارنة بالعلامات التجارية الأجنبية.
الدرس الثاني المستفاد هو أننا يلزمنا أيضا أن نهيِّئ أنفسنا لتصاعد التدخل الحكومي والذي يتم تأطيره كرأسمالية وطنية النزعة وشعبوية. ترامب مثال على ذلك. فعلى الرغم من أن قضية جرينلاند حازت على معظم الاهتمام من خطابه في دافوس لكن ما كان لافتا احتفاؤه بخطط فرض ضوابط جديدة على الاستثمار في العقارات الأمريكية ورسوم بطاقات الائتمان.
هذا أعقب تحركاتٍ مؤخرا من البيت الأبيض للتدخل في سوق الأوراق المالية المدعومة بالرهونات العقارية وكذلك قطاعات التعدين والطاقة والدفاع لأسباب شعبوية وقومية وأمنية على التوالي.
يقول الاقتصادي نورييل روبيني شاكيا «هذه رأسمالية دولة مرفوعة للقوة اثنين. نحن نتحول الى بلد مثل الصين.» ويرى أن ذلك يفوق أي شيء وعد به زهران مامداني عمدة نيويورك الذي نعت نفسه بأنه «اشتراكي.»
البلدان الأوروبية لم تتجه الى تقليد ترامب حتى الآن. لكن هذا النوع من الرأسمالية ذات النزعة الوطنية والشعبوية يمكن أن تنتشر بسهولة. والشركات يلزمها على وجه السرعة أن تعرف كيف تحصل على «رخصة حكومية وشعبية» لكي تعمل، كما أخبرتني نايري وودز رئيسة مدرسة «بلافاتنك» للحكم بجامعة أكسفورد.
الدرس الثالث للرؤساء التنفيذيين هو أن لا أحد يمكنه الاكتفاء بالأفكار المألوفة والمريحة والتي يتكرر تداولها.
لننظر كمثال واحد لذلك الى حكاية توربينات الرياح. ففي عام 2021 أعد الإعلامي الأمريكي تكر كارلسون فيلما وثائقيا يهاجم التوربينات معتبرا إياها اختراعا أوروبيا شريرا. قلة من النخب الليبرالية اهتمت بذلك أو حتى علمت به. فأنظمتنا الإعلامية اليوم تتسم بانغلاق «قَبلِي» ضيّق يحدّ من تداول المعلومات.
لكن يوم الأربعاء 22 يناير ترامب نفسه صدم الحضور بحديثه الحاد عن تلك التوربينات. الدرس المستفاد من ذلك؟ لا تتجاهل أي شيء تقوله الشخصيات السياسية مهما بدا حديثها غريبا أو غير لائق.
أو إذا استشهدنا بما قالته وودز مرة أخرى «في حين من الطبيعي أن يتشبث البشر بمن يشبهونهم في الأوقات التي ينعدم فيها اليقين نحن نحتاج أن نفعل العكس والقبول بالمزيد من التنوع الفكري. «
الدرس الرابع المستفاد هو أننا يجب ألا يسيطر علينا التشاؤم حتى إذا كان ذلك ردَّ فعل بشري آخر لانعدام اليقين. بالنسبة لمسؤولي الشركات أو المستثمرين تجاهل المخاطر (الاحتمالات) الايجابية لا يقل خطورة عن إهمال المخاطر (الاحتمالات) السلبية.
لننظر في الولايات المتحدة مرة أخرى. عندما «قطع» ترامب مع السياسات القائمة قبل عام استثار بذلك توقعاتٍ اقتصادية كئيبة. لكن وكما تباهَي في دافوس، الاقتصاد الأمريكي يزدهر في عام 2026 ويعود ذلك الى مزيج من الحوافز النقدية والمالية والإجرائية.
ما هو لافت بقدر أكبر إبلاغُ المسئولين الأمريكيين الحضورَ في دافوس بأن النمو السنوي سيصل قريبا إلى معدل 5%. قد يكون هذا شططا في التفاؤل. فرؤساء شركات عديدون يتهامسون الآن حول تباطؤ النمو لاحقا في هذا العام. لكن هذا الاتجاه يظهر مخاطر تجاهل السيناريوهات الإيجابية.
وهذا هو السبب في أن كل الرؤساء التنفيذيين تقريبا الذين تحدثت معهم مؤخرا لا يخططون لتجنب الاستثمار في الولايات المتحدة مهما كان رأيهم في السياسة، ولماذا يقول لي كبار المستثمرين إنهم لن يتخلصوا من الدولار حتى إذا تحوَّطوا بالذهب.
بعبارة أخرى، الرد العقلاني الوحيد على الاضطراب الذي أثاره ترامب في دافوس هو التنويع بشدة والخروج من فقاعة الأفكار المألوفة والمريحة واللجوء الى الخيال عند التفكير في المستقبل. ثم بعد ذلك قراءة كتاب «المخاطرة وعدم اليقين والربح» لمعرفة أنها ليست المرة الأولى التي واجهت فيها البشرية مثل هذا التحدي وتخطته وتمكنت من النجاة.
جيليان تيت كاتبة رأي وعضو هيئة التحرير بصحيفة الفاينانشال تايمز