رأي عُمان

السياحة والصناعات الإبداعية.. ثنائية الاستدامة والنجاح

 

تظهر المؤشرات الاقتصادية في سلطنة عمان خلال السنوات الأخيرة تحوّلا في هيكل الناتج المحلي الإجمالي، يعكسه ارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية وزيادة جاذبيتها للاستثمارات وكفاءتها في توسيع القاعدة الإنتاجية.

ويبرز في سباق التحول والتنويع قطاع السياحة بوصفه أحد القطاعات التي شهدت نموا وتطورا لافتا، إذ ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي من 1.6% في عام 2020 إلى 2.7% بنهاية 2024؛ فآفاق السياحة في عُمان واعدة بشكل كبير، وليس في الأمر مبالغة القول: إن هذا البلد العريق يتمتع بمقومات متفردة ترتبط بإرثه الحضاري وثقافاته وتنوع جغرافيته ما يجعله إحدى الوجهات المثالية.

ويعول على قطاع السياحة في سلطنة عمان الكثير للارتقاء بالاقتصاد الوطني، فقد وضعته الخطة الخمسية الحادية عشرة ضمن القطاعات الأساسية الداعمة للتنويع لما يملكه من إمكانات وقابلية للتوسع وتحفيز القطاعات الأخرى، وقدرته على توليد فرص عمل مستدامة للشباب العماني.

إن وصول عدد السياح عام 2025 إلى قرابة أربعة ملايين زائر، ترجمة واضحة لجهود الترويج المدعومة بعوامل الجذب في القطاع، وتركيزها على إبراز المنتجات والأنماط التي تختص بها عُمان؛ فينتقل الزائر بين إرث وحداثة بتوازن رشيق، ويدعم ذلك المشروعات النوعية، حيث بلغت جملة استثمارات القطاع خلال الخطة الخمسية العاشرة 2.6 مليار ريال، إلى جانب استثمارات يجري تنفيذها في أكثر من 12 مجمعًا سياحيًا متكاملًا.

وكلها مؤشرات مبشرة بمستقبل واعد لقطاع السياحة في سلطنة عمان وأنه ماضٍ في درب التطور ورفع مساهمته في الاقتصاد، مع تكريس الجهود التي يشترك فيها إلى جانب الحكومة المجتمع والفرد.. فالسياحة وإن ارتبطت بالمكان وما يختزنه من مقومات طبيعية وتاريخية، إلا أنها تعتمد في جوهرها على الإنسان وقدرته على تحويل هذه المقومات إلى قيمة مضافة بإبداعاته وابتكاراته؛ من خلال توظيف التراث والثقافة ليكونا رافدا للنمو والازدهار، حيث تزخر عُمان بالكثير من المعالم التاريخية والفنون والصناعات الحرفية التقليدية، التي تمتلك القدرة على خلق تجربة سياحية مثرية.

ولقد أثبتت النماذج التي ظهرت في بعض الولايات قدرة الشباب العماني على الإبداع والابتكار، فأعادوا الحياة إلى أروقة الحارات القديمة وحولوا بيوت الطين إلى نزل تراثية، ونجحوا في الحفاظ على الصناعات الحرفية، وأضافوا لمساتهم على بعضها بما يتواءم مع روح العصر؛ لتكتسي بطابع الاستدامة والتجدد..

إن الابتكار وكسر القوالب المعتادة ونقل التجارب والبناء عليها من أهم أسس الجذب في القطاعات الترفيهية؛ فخريطة السياحة العالمية تضج بالمنافسة وكلها تصطدم بتحدي القدرة على الاستقطاب والثبات في سوق واسع ؛ إنها صناعة حقيقية يجب أن تحاط بالدراسات والتجديد كونه قطاعًا حساسًا يتكئ بكل ثقله على التصورات التي تتشكل سريعا في فضاء تهيمن على توجهاته خوارزميات وسائل التواصل، إذ تمثل الانطباعات والآراء محركًا محوريًا للسياحة، وهذا ما لم يغفله القائمون على القطاع فوضعوا الهوية والسمت العماني على رأس عوامل الجذب، منطلقين منها إلى فضاءات الجغرافيا والطبيعة المتفردة.