تمكين الفرق الخيرية يسهم في توسيع العمل التطوعي
الأربعاء / 8 / شعبان / 1447 هـ - 21:31 - الأربعاء 28 يناير 2026 21:31
الهيكلة الجديدة لوزارة التنمية الاجتماعية التي تضمنت ـ لأول مرة ـ استحداث مديرية للعمل التطوعي ومؤسسات المجتمع المدني تعتبر خطوة لها دلالات عميقة في رغبة الحكومة نحو توسيع قاعدة العمل التطوعي على مستوى التوزيع الجغرافي لتشمل جميع الولايات والنيابات، والتوسع أيضا في الخدمات التطوعية الذي يعتبر من دعامات العمل الاجتماعي.
تلك الهيكلة سوف تساعد في تكوين دوائر أو أقسام للعمل التطوعي مهمتها الأساسية الإشراف المباشر لتسهيل نشاطه لاستدامته في تقديم الخدمات والأنشطة والفعاليات التي يحتاجها أفراد المجتمع بالولايات والمحافظات.
هذا الاهتمام في التمكين الحكومي للعمل التطوعي ينبغي أن يتوافق مع رؤية ورسالة واضحة من جهات الاختصاص نحو إعادة رسم منظومة العمل التطوعي لترسيخ مبدأ الشراكة بين مؤسسات المجتمع المدني والحكومة والقطاع الخاص.
عليه، هذا المقال يحاول رسم العلاقة بين تمكين الفرق الخيرية وتأثير ذلك في توسيع قاعدة العمل التطوعي.
أيضا لدعم العمل التطوعي، فإن نقطة البداية تكون في تفعيل الشراكة بين الفرق الخيرية ـ التي تعتبر من مؤسسات المجتمع المدني ـ التابعة للجان التنمية الاجتماعية بالولايات التي تقوم بأدوار سامية في تطبيق مفهوم العمل التطوعي، من حيث تذليل كافة أشكال التحديات التي تعترض رفع كفاءة الخدمات التي تقدمها لأفراد المجتمع.
تلك الفرق الخيرية تعمل في الميدان وتكتشف بشكل يومي احتياجات الفئات المجتمعية الأكثر إلحاحًا للدعم المادي والعيني، وبالتالي يجب الاستماع إلى أفكارها وتطلعاتها للنهوض بالعمل الخيري والتطوعي.
هناك من فئات المجتمع من يواجه مشاكل اجتماعية ناتجة عن فقد معيل الأسرة أو تكون من ذات الدخل المحدود أو أن المعيل أصبح من المسرحين أو الباحثين عن العمل؛ وإن كانت المؤسسات الحكومية تقوم بأدوار أساسية في تلبية احتياجات تلك الفئات ولكن أصبحت متطلبات الحياة المعيشية في تزايد مستمر.
توسيع قاعدة العمل التطوعي يستدعي معه النظر بشكل مباشر في ظاهرة استقالات مجالس إدارات الفرق الخيرية.
تلك الاستقالات الجماعية ـ على سبيل المثال ما حدث للفرق الخيرية في ولايتي نزوى وعبري ـ تنم عن حجم التحديات المستمرة التي تواجه أنشطتها المجتمعية والتطوعية، وأيضا تباين الرؤى والأهداف والأفكار بينها وبين الجهات التنظيمية.
هذه الفرق الخيرية تقوم بأعمال جليلة تخدم شريحة كبيرة من أفراد المجتمع التي هي أكثر هشاشة من ناحية احتياجها للدعم المالي والعيني، وأيضا التوعية والتثقيف في مجالات العمل الاجتماعي بأشكاله المختلفة. وبالتالي، يتطلب من الجهات الحكومية المختصة أن تكون أكثر تفهما لمطالب الفرق الخيرية والعمل على التدخل السريع نحو إيجاد الحلول ـ ليست الوقتية وإنما المستدامة ـ للحد من تداعيات تلك الاستقالات وتأثيراتها السلبية في توسيع قاعدة العمل التطوعي الذي تنشده الحكومة.
ظاهرة الاستقالات الجماعية ظاهرة غير صحية ولها تداعيات مجتمعية تتسبب في تدني عامل الثقة بين الفرق الخيرية وبين الأفراد والقطاع الخاص الذين يقدمون الدعم المادي والمعنوي للأنشطة والخدمات التي تقدمها تلك الفرق؛ وبالتالي، من شأن ذلك التأثير السلبي انحسار الموارد المالية التي تحصل عليها تلك الفرق والتي أغلبها تأتي من أفراد المجتمع والقطاع الخاص.
إحدى تلك الفرق الخيرية ـ حسب تصريحها ـ أصبحت تعتمد على الدعم العيني وليس المادي للإيفاء باحتياجات متطلبات الأسرة المحتاجة والأسرة المتعففة.
الفرق الخيرية المنتشرة في الولايات والتي يصل عددها إلى أكثر من ستين فريقًا لديها إحصاءات من أرض الواقع للأسر والأفراد الذين هم في أشد الحاجة للحصول على الدعم المالي والعيني؛ وبالتالي، تلك الإحصاءات من شأنها أن توجد قاعدة بيانات لمعدلات الحالات الأسرية في كل ولاية ومحافظة، وأيضا الحالات الأسرية التي تحتاج إلى تدخل سريع من الجهات الحكومية؛ لأنه من غير المناسب أن نرى مناشدات من الأسر المحتاجة عبر وسائل التواصل الاجتماعي في ظل الدعم الحكومي الذي يقدم لجميع فئات المجتمع، وفي ظل أعداد الفرق الخيرية والتطوعية وأيضا الجمعيات الخيرية المستقلة التي ينتشر عملها في جميع الولايات.
تلك المناشدات تعطى مؤشرًا لمدى الحاجة نحو توسيع قاعدة العمل التطوعي الذي تقوم به الفرق والجمعيات الخيرية التي أنشأها أصحاب الخير من رجال الأعمال للإيفاء بما يحتاجه الأفراد والأسرة من الاحتياجات المعيشية.
لكن في المقابل، قد تكون هناك حاجة لإيجاد تنوع في أعضاء مجالس الإدارة من الخبرات والكفاءات في مجالات الإدارة وقيادة فرق العمل والاستثمار وإدارة الميزانيات، حتى وإن كانت الفرق الخيرية لديها أعضاء يتمتعون بالخبرة والكفاءة ويقدمون أعمالهم دون مقابل لخدمة الصالح العام.
هذا التوجه أساسه بأن تلك الفرق الخيرية أصبحت تمارس أنشطة الاستثمار ولديها أصول متنوعة، وهناك توجهات لزيادة محافظ الاستثمار والأوقاف.
أيضا ينبغي للفرق الخيرية أن تكون أكثر انفتاحا لأفراد المجتمع، تتقبل ما يرد منهم من الملاحظات والمقترحات، وهذا من الممكن تطبيقه عن طريق توزيع الاستبيانات التقييمية لأعمال وأنشطة الفرق الخيرية يتم الإجابة عليها من الفئات المستفيدة والفئات الداعمة للفرق الخيرية، الأمر الذي يعزز من مبادئ الشفافية عند استعراض أنشطتها السنوية وحساباتها المالية.
كما تستطيع تلك الفرق الخيرية الحصول على التغذية الراجعة من المستفيدين من خدماتها والعمل على رفع مستوى الجودة.
عندما يتم تمكين الفرق الخيرية من قبل الجهات الحكومية والقطاع الخاص من شأن ذلك أن يعزز الجوانب الاجتماعية عبر قيام تلك الفرق بشكل أكثر مهنية بمعالجة القضايا أو العادات الدخيلة التي تؤرق المجتمع، وأيضا زيادة مساهمتها من الناحية المالية في إيجاد مصادر أخرى لتحسين المستوى المعيشي للأفراد والأسر المحتاجة بالإضافة إلى ما تتلقاه من المنافع الحكومية.
أيضا تلك الفرق عملها ليس محصورًا في جوانب الدعم المالي والعيني وإنما تعتبر مظلة اجتماعية وثقافية تشمل الجوانب الصحية وتقديم المحاضرات التوعوية وإدارة الفعاليات في المناسبات الدينية. عليه، فإن استحداث مديرية عامة للعمل التطوعي، يتوقع منه توسيع نطاق العمل التطوعي ووضع الأدوات التنظيمية لإدارته بشكل منظم وأيضا تفعيل جوانب الحوكمة.
العمل التطوعي في سلطنة عُمان يعتبر أحد أعمدة التكافل والتعاضد بين أفراد المجتمع الذي يشد بعضه بعضًا في أوقات الرخاء والأزمات والمحن والكوارث؛ وبالتالي، التساؤل حول الهيكلة الجديدة ومدى قدرة المديرية المستحدثة المتعلقة بالعمل التطوعي في حلحلة التحديات التي تواجه مسارات العمل التطوعي، وخاصة الفرق الخيرية التي تعتبر الشعلة التي ينبغي أن تنير العمل الخيري والتطوعي دون توقف.
عليه، الجميع يحدوه الأمل في رفع مستوى الشراكة بين الجهات التنظيمية الحكومية وبين مؤسسات المجتمع المدني وبالأخص الفرق الخيرية المنتشرة في جميع الولايات لتسهيل عملها وزيادة مستوى الدعم الذي تقدمها الجهات الحكومية والقطاع الخاص لتلك الفرق الخيرية لكي تستطيع المساهمة في توسيع مجالات العمل التطوعي بجودة وكفاءة أفضل.
نختم بالقول بأن العمل التطوعي في سلطنة عمان في مفترق طرق؛ من حيث إن هناك اهتمامًا حكوميًا في الرغبة نحو توسيع قاعدة انتشاره وتمكينه من خلال الاختصاصات الواردة في الهيكلة الجديدة لوزارة التنمية الاجتماعية. وبالتالي، الأمل أن يتغير دور الجهات الحكومية من الرقابة إلى التمكين الحقيقي للعمل التطوعي ومنح مزيد من الصلاحيات مع الحوكمة الفاعلة لأنشطة الفرق الخيرية والجمعيات الأهلية، بحيث لا يكون العمل التطوعي مجرد جهود مستنزفة، وإنما طاقة وطنية متجددة تسهم في التنمية الاجتماعية ورفع المستوى المعيشي للأفراد المستفيدين من الخدمات والأنشطة التطوعية التي تقدمها الفرق الخيرية.