أحمد عبد الملك... الكتابة حتى الرمق الأخير
الأربعاء / 8 / شعبان / 1447 هـ - 19:52 - الأربعاء 28 يناير 2026 19:52
اعتدنا في السنوات الخمس الأخيرة لقاء الدكتور أحمد عبد الملك الأكاديمي والإعلامي القطري، في معرض مسقط الدولي للكتاب، للتوقيع على كتبه، ولقاء الأصدقاء، لاسيّما أنّ الراحل كان يحرص على إصدار أكثر من مطبوع في العام، وكثيرا ما كنتُ أراه يتجوّل بين أجنحة المعرض برفقة الدكتور سعيد السيّابي، والابتسامة لا تفارق وجهه، يسلّم على هذا، ويتحدّث مع ذاك، ويجيب أحد القرّاء عن سؤال ما، ويلتقط صورة مع آخر، فهو معروف خليجيّا، ليس فقط لكونه كاتبا له حضوره في المشهد السردي الخليجي، والعربي، بل لكونه من الوجوه الإعلامية، فقد عمل سنوات طويلة مذيعا في تلفزيون قطر للنشرات الرئيسة، وكنت أعجب لحيويّته وتعدّد الأنشطة التي يزاولها، فإلى جانب عمله الأكاديمي، كان يحرص على إلقاء محاضرات في المؤسسات الثقافيّة والملتقيات، والمشاركة في الندوات، وفي لجان تحكيم المسابقات، ورغم مشاغله الكثيرة، كان غزير الكتابة، فأنجز 15 رواية من أبرزها: (أحضان المنافي)، (القنبلة)، (فازع)، (الأقنعة)، (شو)، (الموتى يرفضون القبور)، (غصن أعوج)، (باها)، (ميهود والجنية)، (دخان)، (انكسار)، (زلزال حنان)، (مليورا، مذكرات مضيفة طيران)، (أنا الكلم) وقد فازت روايتان له بجائزة كتارا للرواية العربية وهما: (ميهود والجنيّة) (2019)، و(دخان: مذكرات دبلوماسي سابق) مثلما نال (جائزة فودافون للرواية) عام 2014، و(جائزة فودافون للقصة القصيرة) عام 2016.
ويكفيه فخرا أنّه من المشاركين بكتابة أول مائة حلقة من برنامج (افتح يا سمسم) ابتداء من عام 1977م الذي أنتجته مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك في دول مجلس التعاون الخليجي، وكان من إخراج: فيصل الياسري.
إضافة إلى ذلك، كتب القصّة القصيرة، وله عدّة إصدارات، لكن حصّة الأسد في إصداراته استأثر بها الإعلام، فله، في هذا المجال، أكثر من أربعين كتاباً، وقد سكب عصارة تجاربه في كتابه ( بوح السبعين)، الصادر عام 2024م وفيه تحدّث عن سيرته الذاتية وتوقّف عند محطّات من حياته، وتأمّلاته في الكتابة، والحياة، وكشف في هذا الكتاب أنه لم يولد، وفي فمه ملعقة من ذهب، فقد نشأ في أسرة فقيرة، وعانى الأمرّين في طفولته، ومع ذلك حرص على مواصلة دراسته، ولكي يغطّي نفقاتها، ومساعدة أسرته، عمل موظفاً في البنك البريطاني، وفي أوقات فراغه نمّى هواياته، فشارك في فرقة الأضواء الموسيقية، لتقديم عروض فنية، ولم تستمر علاقته بالفرقة طويلا، فقد وجد ضالّته في عام 1969 بالكتابة الدرامية، فكتب مسلسلات إذاعية، وقد مثّل في بعضها، وحقّق نجاحا لافتا في ذلك، وحين أعلن تلفزيون قطر عن حاجته لمذيعين، تقدّم للاختبار، وسرعان ما لفت أنظار اللجنة المشكّلة لاختيار المذيع الذي تنطبق عليه المواصفات المطلوبة، فوقع عليه الاختيار، وتمّ قبوله مذيعا في تلفزيون قطر عام 1974 لسنوات، ثم شغل موقع مسؤول الأخبار، ولم تتوقّف طموحاته عند هذا الحدّ، فنجاحاته المهنية لم تقف حجرة عثرة أمام تلك الطموحات، ووجد أن من الضروري أن يصقل مواهبه بتكملة دراسته، فاختار دراسة اللغة العربية في جامعة بيروت العربية، حتى نال شهادة ليسانس الآداب عام 1976، ولم يكتفِ بذلك، فواصل دراسته العليا حتى نال درجة الماجستير في الإعلام التربوي من جامعة ولاية نيويورك في بافالو عام 1983، ثم الدكتوراه في الصحافة من جامعة ويلز في المملكة المتحدة عام 1989، ليفتح صفحة جديدة في كتاب عمله المهني، فانخرط في التدريس الأكاديمي بجامعة قطر، وفعّل الأنشطة الثقافية فيها، ومن ثمّ انتقل إلى العمل في إدارة إعلام مجلس التعاون الخليجي، كما عمل أستاذاً مشاركاً في كلية المجتمع القطرية، ولم ينقطع عن التلفزيون، بيته الأوّل، الذي بقيّ يحنّ إليه، دائما، وبقي يعمل متعاوناً، فيما استمرّ في الكتابة الصحفية بجريدة (الشرق) التي رأس تحريرها، وظل يزاول عمله فيها حتى سنة 2020م.
على المستوى الاجتماعي، كان ودودا، يتمتّع بشخصيّة محبّبة ودفء إنساني، حاضر الابتسامة، نشيطا، لا يكفّ عن الحديث عن مشاريعه في الكتابة، فما أن ينتهي من مشروع حتى يدخل في مشروع كتابي جديد، وأحيانا يشتغل بأكثر من كتاب بوقت واحد، كأنه يسابق الزمن، شاعرا بدنوّ أجله، وحتى عندما علم بإصابته بالمرض الخبيث لم تضعف عزيمته، فقد واجه المرض بشجاعة، وواصل العمل، والتخطيط لمشاريع جديدة، والاشتغال على مشاريع كانت مؤجّلة، وبعضها لم يكتمل، حتى عاجله الموت الذي وإن سرقه من أحبائه، إلّا أنّه لم يتمكّن من إطفاء الشعلة التي أوقدها على امتداد أكثر من نصف قرن من الكتابة الإبداعيّة التي ستبقى شاهدا على عطائه الأدبي والإنساني طويلا.