الكتابة.. المُسكن والنجاة
الأربعاء / 8 / شعبان / 1447 هـ - 19:51 - الأربعاء 28 يناير 2026 19:51
في وقت احتمى الإنسان فيه بالمغارات والكهوف، بحثا عن النجاة من الوحوش المفترسة التي تتربص به من كل مكان. انبرت طائفة من الناجين والساعين للنجاة، بخط ما استطاعوا خطه في الجدران والصخور بما تأتّى لهم حينها من أدوات بدائية بسيطة. رسموا المفترسات التي لاحقتهم، والمآسي التي حدثت لهم، والهجرات التي هاجروها.
تغيرت الكتابة رأسا مع مرور الزمن، لم تعد أداة توثيق فحسب، أو فعل تنفيس، بل صارت مرتبطة بأجزاء أكبر وأكثر تنوعا واختلافا. فصارت تاريخا يرويه من يملك الكتابة والقلم، وطريقة لنقل العلوم والمعارف من جيل إلى آخر. ثم انتقل الفعل وصار موازيا للسلطة، المقاومة، التوثيق، المعرفة، التأمل، الاعتراف، التعارف، والحياة ككل؛ صار فعلا للحياة.
هذه الحياة لم تسلم نفسها من التغير والتقلبات، لكن فعل الكتابة استمر في الوجود، بل وترسّخ وجوده بفعل عوامل عدة. فقبل ظهور الطابعة وتزامن وجود أحد أبرز المفكرين والفلاسفة عبر التاريخ والذي كان التاريخ بعده مختلفا عما قبله، وهو الفرنسي رينيه ديكارت. فمع ظهور الطابعة واستعمالها عبر القارة الأوروبية، سُحِب البساط من أسفل أقدام رجال الكنيسة الذين احتكروا أوامر وتعليمات الإله، وكانوا الوسيط بين الرب المعبود والمؤمنين به. تجلى ذلك في تغيير اللغة المكتوبة بها التعاليم والشرائع السماوية التي كانت منتشرة في القارة العجوز، فتغيرت لغة تلك الكتب من اللغة اللاتينية النخبوية والمحتكرة من قبل السلطة الكنسية، إلى اللغة العامية التي يتحدثها ويفهمها ويقرأها كل إنسان. فلم يعد الإله محتجبا وراء رجال الكنيسة، بل صار موجودا مع كل مؤمن يريد الحديث إليه، والمغفرة منه، والصلاة له.
لكن هذا التغير لم يكن وليد اللحظة، فقد كانت الكتابة في كثير من الأحيان مدعاة لخسارة الحياة، لذلك كانت فعلا محرما أحيانا. ففي الوقت الذي بدأ فيه الناس النظر إلى الحياة الأرضية، ونزل الإنسان بفكره من النظر في السماء بحثا عن الأجوبة، إلى البحث في الأرض والتأمل في الأسباب والنتائج وفهمها. فكانت القفزة الفكرية والمعرفية مع الإغريق وفلسفتهم، ولكن تلك الفلسفة التي تماست أحيانا مع سلطة الإمبراطور أو أحد القادة الكبار، كانت جديرة بإيراد الكاتب القبر بطرق شتى.
مثلت الكتابة أداة لنقل المعارف والأحداث إذن، لكنها تجاوزت ذلك إلى شيء آخر. فقد غدت فعلا يمنح الطمأنينة لصاحبه، ففيه تنفيس وتفريغ لما لا يستطيع قوله أو التفكير فيه علانية. هذه النجاة المخفيّة عن الأعين والأسماع، تحولت إلى اعترافات وشهادة أخيرة يتركها صاحبها لمن بعده، فعلى الأقل لا يريد التخلي عن لسانه وهو لا يزال قادرا على الكتابة والتحدث بلسانه هو. وهو ما أنتج كتابا بديعا وهو أشهر كتاب في مجاله «اعترافات القديس اغسطينوس» لدرجة أن الناس تكتفي بقول كتاب «الاعترافات» حتى يتبادر هو إلى الذهن، رغم وجود كثير مما يشبه بعد ذلك.
هناك نوعان من الكتابة الذاتية إذن؛ فكتابة تُنقِذ صاحبها إما في حياته وترفع عنه المشانق والعذابات والعقاب، وكتابة تسكّن وتخفف الآلام وتسرّي عن صاحبها همومه وعذاباته. لكن أحد أبرز الأنواع وأهمها، هي الكتابة المقاومة. تتعدى لفظة المقاومة عندي السلاح والقتال، فالمقاومة هي الكفاح. فمن مقاومة المحتل والمستعمر والمعتدي، إلى مقاومة الأمراض والآلام التي تعتري المرء، بل مقاومة المنتصر الدائم؛ الموت.
تتعطل فينا -في كثير من الأحيان- القدرة على التغيير، تغيير الوقائع والأحداث. ونظل ننظر في الفعل ومؤدّاه نظر فاقد الحيلة المحزون، لكن هنالك من البشر من حولوا هذا الأمر إلى فعل مقاومة. فاختاروا الكتابة والتوثيق لا رفاهية ورغبة في الخلود المصطنع، نالوه أم لم يفعلوا؛ بل هي آخر الأسلحة التي بقيت بأيديهم كي لا يفقدوا عقولهم أمام المآسي الصعبة. وقد أنتجت لحظات كهذه كثيرا من الكتب البارزة المختلفة، تلك الكتب التي وإن لم تنقذ أصحابها من النهاية المحتومة، إلا أنها كانت الهادي والسبيل لمن أتى بعدهم.