شميسة النعمانية ويوسف الكمالي يحييان أمسية الشعر الفصيح في ليالي مسقط على مسرح البحيرة
تنويع قرائي بين الوطني والتأملي
الأربعاء / 8 / شعبان / 1447 هـ - 19:38 - الأربعاء 28 يناير 2026 19:38
تصوير : صالح الشرجي
(عمان) أقيمت مساء أمس أمسية للشعر الفصيح ضمن فعاليات 'ليالي مسقط' على مسرح البحيرة بمتنزه القرم الطبيعي، وأدارها الشاعر عقيل اللواتي، وشارك فيها كل من الشاعرة الدكتورة شميسة النعمانية والشاعر يوسف الكمالي، حيث قدّمت الدكتورة شميسة النعمانية مجموعة من نصوصها التي تنوّعت في اشتغالها بين الوطني والذاتي والتأملي، مستهلة مشاركتها بنص “سليل المكارم” الذي جاء نصًا وطنيًا مباشرا احتفى بالمنجز الوطني واستعاد صورة القيادة امتدادا للمجد التاريخي والرمز الجمعي، عبر لغة خطابية ذات إيقاع مرتفع وتكرار دلالي مقصود، وحضور واضح لمعجم الانتماء والوفاء، ثم انتقلت إلى نص “عمان وجه نبي” الذي استحضر صورة الوطن في بعدها الرمزي والأخلاقي، مقدما عمان قيمة ومعنى يتجاوز الجغرافيا إلى المجال الإنساني الأوسع.
وتابعت الشاعرة قراءتها بنص “لا تمت مثلهم” الذي واجه خطاب التلاشي والامتثال واشتغل على مساءلة الاستسلام للنماذج الجاهزة، قبل أن تقدّم نص “سأحب نفسي” الذي اتجه نحو الداخل عبر خطاب تصالحي مع الذات اتسم بالهدوء والتدرج، واختتمت مشاركتها بنص “سأقول لي” الذي جاء أقرب إلى مناجاة داخلية تستكمل مسار الأسئلة الشخصية، وتؤكد حضور الصوت الفردي أداة للوعي والمساءلة ضمن سياق شعري حافظ على تماسكه الدلالي وتدرجه الإيقاعي.
من جانبه شارك الشاعر يوسف الكمالي في الأمسية بمجموعة من النصوص التي اتسمت بتعدد مستوياتها الدلالية، وتنقّلها بين الوطني والتأملي والوجداني، حيث قدّم نص “الخطاب الرئاسي” الذي ارتبط بالوطن والقيادة، وجاء في سياق لغوي مباشر يستند إلى نبرة خطابية واعية تستحضر معنى المسؤولية والالتفاف الجمعي حول الرمز الوطني، ثم ألقى نص “غزالتان” الذي اشتغل على الصورة الشعرية المكثفة، مستثمرا الرمز والانزياح اللغوي في بناء مشهد ذي طابع تأملي مفتوح، وتلاه بنص “الناسِك” الذي اتجه نحو المسار الروحي الداخلي، مقدما تجربة أقرب إلى العزلة الواعية والتأمل الوجودي بلغة هادئة وإيقاع متزن.
وتابع 'الكمالي' قراءته بنص “تاج ممالك البحر” الذي استعاد البعد الحضاري والبحري في تشكيل الذاكرة والهوية، موظفا البحر فضاء دلاليا للاتساع والامتداد والتاريخ، قبل أن ينتقل إلى نص “مقولات عربية” الذي قام على الاشتغال مع الحكمة والمعنى المكثف، عبر مقاطع قصيرة تداخل فيها البعد الثقافي مع التأمل اللغوي، واختتم مشاركته بنص “موكب من دموع” الذي استحضر فيه رحيل السلطان قابوس بن سعيد، وجاء النص محملا بشحنة وجدانية عالية، مستندا إلى خطاب رثائي كثيف استعاد صورة الأب والقائد في الوعي الجمعي، عبر مفردات الفقد والصلاة والغياب، وتحويل لحظة الرحيل إلى مشهد إنساني جامع، حيث حضرت صورة الوطن في لحظة الوداع تجربة شعورية مشتركة، امتزج فيها الحزن بالذاكرة، والدعاء بالوفاء، في نص اتكأ على الإيقاع الداخلي والتصاعد العاطفي، وترك أثره الواضح في تفاعل الجمهور مع لحظة القراءة.
وشكّلت الأمسية لحظة تلاقٍ بين التجربة الشعرية والأسئلة العامة التي يحملها الشعر الفصيح في راهنه، حيث عرضت النصوص مسار قرائي كشف تنوّع المقاربات والأساليب، من الوطني إلى التأملي والوجداني، وأعاد طرح القصيدة في فضاء مفتوح على التفاعل والإنصات، بما يعكس حضور الشعر جزءا حيا من الفعل الثقافي، وقدرته على ملامسة الذاكرة والواقع معًا داخل المشهد الثقافي في سلطنة عمان.
كما حضرت الموسيقى عنصرا مكمّلا للقراءات الشعرية عبر عزف طلال السيابي وفرح جمال، حيث انسابت الجمل اللحنية بين يقاع القصيدة متنفسة مع صوت الإلقاء، مانحة النصوص امتدادا سمعيا يعمّق أثرها الوجداني، ويهيّئ فضاء من الإصغاء المشترك، تداخلت فيه النغمة مع الكلمة كحالة تفاعلية ك بين الشعر والموسيقى والجمهور.