خربة التنُّور.. شاهد على حضارة الأنباط جنوب الأردن
الأربعاء / 8 / شعبان / 1447 هـ - 19:35 - الأربعاء 28 يناير 2026 19:35
عمّان 'العُمانية': يمثل موقع خربة التنُّور في جنوب الأردن شاهداً على حضارة الأنباط التي ازدهرت في الفترة ما بين القرنين الأول قبل الميلاد والأول للميلاد، إذ يجسّد الموقع الذي ينبت في خاصرة جبل مطل على الوديان المحيطة، تصوُّرَ الأنباط لقدسية المكان؛ حيث اختاروا لبناء معابدهم أماكن مرتفعة حيث تتناغم الطقوس الدينية مع الطبيعة.
بُني الموقع على طريق القوافل التجارية، ليعبّر عن المنظومة الدينية والفنية للأنباط، من خلال التماثيل والنقوش المنحوتة بالصخر، ويرجح أنه كان مركزاً للطقوس والشعائر، وربما مقصداً للحج الديني المحلي في ذلك الزمن الذي شهد اتساع رقعة مملكة الأنباط شمالاً وشرقاً.
ويتكون الموقع من بقايا معبد نبطي يختلف في تصميمه عن المعابد الكلاسيكية التي اشتهرت بها العمارة النبطية، إذ لم يتم إنشاؤه فوق بناء ضخم ومتكامل الأركان كما في بعض المواقع الرومانية، بل اعتمد على منصات حجرية ومذابح ونقوش منحوتة بعناية.
واللافت في موقع خربة التنور هو جماليات الزخارف الحجرية التي عُثر عليها فيه، والتي تمثل آلهة نبطية ورموزاً دينية، مثل رؤوس بشرية ذات ملامح صارمة، ووجوه تحمل طابعاً تجريدياً، إضافة إلى نقوش نباتية وهندسية مميزة.
ويشير الباحثون إلى أن اسم 'التنُّور' قد يكون له ارتباط رمزي بطقوس النار أو القرابين، وهو أمر شائع في الديانات القديمة، حيث ارتبطت النار بالتطهير والتقرب من الآلهة، وعلى الرغم من غياب النصوص المكتوبة التي تشرح هذه الطقوس بالتفصيل، إلا أن اللقى الأثرية وطبيعة المكان تسمح ببناء تصوُّر تقريبي لما كان يجري في خربة التنُّور، ويُرجَّح أن الموقع استُخدم لإقامة احتفالات موسمية ذات صلة بالخصب أو المطر أو حماية القوافل التجارية، وأن المنصات المرتفعة كانت مكاناً لتجمُّع الكهنة أو المشاركين في الشعائر.
وتوجهت الأنظار إلى خربة التنور في النصف الثاني من القرن الماضي، حين أُجريت فيها حفريات أثرية كشفت عن عدد كبير من القطع المنحوتة، وقد نُقل جزء من هذه القطع إلى المتاحف، فيما بقي بعضها الآخر في الموقع، وساهمت هذه الاكتشافات في تسليط الضوء على الدور الحضاري للأنباط انطلاقاً من عاصمتهم 'البترا' التي اختيرت ضمن عجائب الدنيا السبع الجديدة.
كما عُثر في موقع الخربة على مجموعة من المنحوتات الحجرية ذات الملامح المجردة نسبياً، حيث لا تميل إلى الواقعية الدقيقة بقدر ما تركز على التعبير الرمزي، وغالباً ما تظهر الوجوه فيها بعيون واسعة وأنوف مستقيمة وملامح صارمة؛ ما يعكس تصور الأنباط عن آلهتهم.
أما المذابح الحجرية فبُنيت بأسطح مستوية أو مجوّفة، بينما تنوعت العناصر الزخرفية المنحوتة في الحجر، مثل الزخارف النباتية والهندسية، لتعكس تأثر الفن النبطي بالبيئة المحيطة وبالتقاليد الهلنستية والرومانية، ولكن من منظور خاص فرضته طبيعة حياة الأنباط وطريقتهم في العيش والتفكير.
وإلى جانب العناصر المعمارية الكبرى، عثرت البعثات الأثرية على لقى صغيرة في الموقع الذي يعد من أكثر المواقع الأثرية غموضاً وثراءً في آن، مثل الشظايا الفخارية، والأدوات الحجرية البسيطة، التي يرجَّح أنها استُخدمت خلال الطقوس الشعائرية أو من قِبل القائمين على خدمة المعبد، وقد نُقلت أهم القطع المكتشفة في خربة التنور إلى المتاحف الأردنية للحفاظ عليها ومواصلة دراستها.