مقام وموسيقى.. برنامج يؤسس ثقافة الاستماع ويعبر بالجمهور إلى جوهر المقامات
كل سبت عبر إذاعة الشباب
الأربعاء / 8 / شعبان / 1447 هـ - 19:31 - الأربعاء 28 يناير 2026 19:31
يعيد برنامج 'مقام وموسيقى' المستمعين عبر إذاعة الشباب إلى جوهر المقام بوصفه ذاكرة ثقافية وهوية متوارثة عبر الأجيال، في سهرة أسبوعية كل سبت من الثامنة حتى العاشرة مساء، مؤسسا ثقافة الاستماع، وفاتحا أبوابا على جديد الساحة الفنية الغنائية والموسيقية، وأحاديثا مع شخصيات فنية عمانية وعربية، ورحلات سمعية عبر الموسيقى العالمية والفنون الموسيقية العمانية، وسفر فيما وراء الأغنية عمانية كانت أو عربية في حكاية نشأتها من الكلمة الأولى إلى اللحن ثم إلى الشكل النهائي للعمل الغنائي.
يقدم البرنامج الإعلامي هيثم الزدجالي، بصحبة الضيف الدائم الفنان والموسيقي فتحي محسن، والمخرج محمد الشملي في رحلةً عبر المقامات الشرقية يشارك فيها المستعمين بالأغنية التي ربطتهم بذكرى، أو المقام الذي شكل لحظة خاصة في حياتهم بعد الارتحال المكثف في بنية الموسيقية للمقام والطابع الشعوري والنفسي له وأصله التاريخي وفروعه واستخدامه في الموسيقى والغناء وقيمته الفنية والتاريخية.
في إحدى حلقاته، يختار البرنامج مقام النهاوند بوصفه نموذجا لما يسميه الموسيقيون 'جسرا بين الشرق والغرب'، نظرا لقربه من السلم الصغير الغربي، واتساعه التعبيري الذي جعله حاضرا في الغناء العربي الكلاسيكي والمعاصر، وفي الإنشاد والموسيقى التصويرية على حد سواء. حلقة فككت مقام النهاوند على الهواء من بنيته الموسيقية، إلى طابعه النفسي، إلى جذوره التاريخية، وصولا إلى أمثلة حية تعزف مباشرة أمام المستمع.
ويمضي البرنامج أبعد من الشرح الأكاديمي، ليحول الأغنية إلى قصة، ففي فقرة 'حكاية الأغنية'، لا يُكتفى ببث العمل الغنائي، بل يعاد اكتشافه عبر سياقه الإنساني والتاريخي، كما في التوقف عند قصيدة 'المعازيم' للشاعر الكويتي فائق عبد الجليل، وربط النص الغنائي بسيرة صاحبه، وتحولات المعنى بين التجربة الشخصية والذاكرة الجمعية.
وفي مساحة أخرى بعنوان 'عبق من عُمان'، يحتفي البرنامج برواد الأغنية العُمانية، مستعيدا سيرهم الفنية والإنسانية، وموقعهم في تشكيل الذائقة المحلية والخليجية، كما في تسليط الضوء على الفنان الراحل محمد بن سلطان المقيمي، بوصفه أحد الأصوات التي حملت الأغنية العُمانية إلى آفاق أوسع، من الساحل إلى الخليج.
ولا يكتفي'مقام وموسيقى' بالمحيط العربي، بل يفتح نافذة على الموسيقى العالمية، متتبعا كيف تتحول الأغنية من تعبير محلي إلى رمز إنساني كوني، كما في 'بيلا تشاو'، التي عبرت من حقول الأرز في إيطاليا إلى ذاكرة العالم، فتوقف عندها 'مقام وموسيقى' بوصفها أغنية للحرية والمقاومة.
وعن قدرة الإذاعة في إعادة تشكيل علاقة الجيل الجديد بالمقام، في زمن تهيمن فيه الأغنية السريعة والاستهلاك اللحظي؟، رأى هيثم الزدجالي -مقدم البرنامج- أن ذلك ممكن إذا تم التعامل مع المقام بوصفه تجربة إنسانية لا مادة تراثية جامدة. وأضاف: 'الجيل الجديد لا يرفض العمق، لكنه يحتاج مدخلا مختلفا إليه. حين نقدم المقام عبر قصته، شعوره، ارتباطه بالحياة اليومية، وتأثيره في المزاج والذاكرة، يصبح أقرب وأدفأ. وفي برنامج مقام وموسيقى نحاول أن نربط المقام بلحظة معاصرة، بمشهد، بذكرى، أوحتى بأغنية حديثة مستلهمة منه. الإذاعة هنا تتحول من ناقل للصوت إلى وسيط للمعنى، ومن أرشيف إلى مساحة حوار حي بين الماضي والحاضر.'
وأضاف: 'الإعلام الموسيقي يمتلك قدرة كبيرة على أن يكون جسرا معرفيا إذا خرج من إطار 'التشغيل فقط'، فالموسيقى تحمل تاريخا، علما، فلسفة، وهوية ثقافية. وعندما نشرح لماذا يُشعرنا مقام معين بالحنين، أو كيف تشكل هذا السلم عبر الجغرافيا، نحن لا نقدم أغنية، بل معرفة. الإعلام الموسيقي يمكنه أن يثقف الأذن كما يثقف العقل، ويخلق مستمعا واعيا لا مستهلكا عابرا، وهذا دور أراه أساسيا اليوم.'
وتحدث الفنان فتحي محسن –الضيف الدائم للبرنامج- عن الإعلام الموسيقي كأداة معرفية، واصفا إياه بالأداة متعددة الأغراض
وقال: 'الإعلام الموسيقي رسالة ثقافية هامة في كل بلد، ويعكس المسؤولية المنوطة به، ومن ضمن أهم أدواره نشر المعرفة السليمة وتثقيف المتلقي وتحسين ذوقه، وتسريع وصول المعلومة إليه من خلال القنوات الإعلامية الهادفه قبل أن تصل إليه معلومات مشوهة، خاصة أن الموسيقى بكل ألوانها سواء كانت آلية أو غنائية او إنشادية دينية أو حتى تربوية أو شعبية
أو نخبوية أواجتماعية فهي بحد ذاتها تحمل معها أسلوب مجتمع وطرق حياة وثقافة جيل وتنافس فنانين وشعراء ومبدعين، فالموسيقى مرآة حقيقية لثقافة المجتمع وأسلوب حياته وأدواته الثقافية التي تقدم بحرص ودقة مع معلومة واضحة وسليمة فنيا.
وعن شرح المقام علميا على الهواء، وموازنة الأمر بين التبسيط والعمق، أشار الفنان إلى أن اختلاف فئات المستعمين للبرنامج أمر مهم لذلك عرض المعلومة يتطلب الوسطية وصياغة المعلومة بطرق تتناسب مع جميع الأذواق والمستويات حتى لا يضيع المتلقي البسيط ولا يمل المستمع المحترف والمتابع المثقف، وقال: 'تلك مسؤولية نأخذها نحن المختصين على عاتقنا في أدوارنا التثقيفية، وفي النهاية نسعى إلى تقديم مادة موسيقية وثقافية ممتعة ومشوقة ومفيدة بنفس الوقت، ويتجلى من خلال طرح الأمثلة من الواقع المباشر من الأغاني الحديثة والقديمة وبعد تقديم الشرح نستعرض أعمال موسيقية تؤدي المعنى الفني نفسه مع توضيح بعض الأماكن المرتبطة بالموضوع، ثم إمتاع الناس بإدخالها في صميم المقام الموسيقي من خلال تناول بعض الأمثلة الحياتية اليومية والمتعارف عليها والممارسة في موسيقانا العمانية أو العربية والشرقية'.
وحول إشراك المستمع في البرنامج وجعله جزء من الحلقات قال: 'منذ بداية إعداد الحلقة ونحن نشعر أن المستمع هو شريك في الحلقة لأنها تعد من أجله معرفة وامتاعا وخلق ساعات ولحظات مفيدة وجميلة للمستمع، وبمعية هيثم الزدجالي خطننا لكل حلقة والمستمع شريك أساسي وفيما بعد تجاوب المستمع بالمشاركة وطرح الأسئلة، وإرسال الرسائل وردود الفعل بعد كل حلقة'.