الاقتصادية

حرفة النسيج للمرأة بمحافظة الظاهرة: هويةٌ متجددةٌ في زمن الحداثة

 

الظاهرة العُمانية: تنفذ الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة حاليًا برنامجًا تدريبيًّا متخصصًا في حرفة النسيج بمحافظة الظاهرة، باعتبارها ركيزة من ركائز الهوية الوطنية ورافدًا اقتصاديًّا واعدًا، بمشاركة 12 متدربة. ويهدف البرنامج إلى تمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا، وإعادة تقديم هذه الحرفة برؤية متجددة تجمع بين الأصالة والابتكار. ويؤكد البرنامج أن النسيج العُماني لم يعد مجرد نشاط تراثي، بل أصبح مجالاً يتبنى أساليب حديثة في التصميم والإنتاج والتسويق، بما يواكب متطلبات العصر ويعزز حضور المنتج العُماني في الأسواق المحلية والدولية.
وفي هذا السياق، قالت إيمان بنت سيف الغسانية إخصائي مسؤولية اجتماعية ومشرفة على برنامج التدريب على حرفة النسيج المنفذ بمحافظة الظاهرة: إن رؤية الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة لدعم الحرف التقليدية ضمن خطط التنمية الاقتصادية تنطلق من قناعة راسخة بأن هذه الحرف تمثل قيمة اقتصادية وثقافية يمكن البناء عليها في مسارات التنمية الوطنية. وأوضحت أن الهيئة تدعم المبادرات التي تسهم في تحويل الحرف إلى أنشطة إنتاجية مستدامة تواكب متطلبات السوق، وتتكامل مع خطط التنمية الاقتصادية، وتدمج البعد الاجتماعي والثقافي في آن واحد. وذكرت أن برنامج التدريب على النسيج بولاية عبري كان جزءًا من جهود المسؤولية الاجتماعية لشركات سيركا وبلادكو وجونوك المنفذة لمشروع الطرق الرئيسة ونظام تصريف المياه السطحية للمنطقة الاقتصادية الخاصة في محافظة الظاهرة (EZAD – المرحلة الأولى)، بما يعكس أهمية الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تمكين المجتمع المحلي، وتوفير فرص دخل مستدامة، وضمان استمرارية الحرف التقليدية في المناطق المرتبطة بالمشروعات التنموية.
وفيما يتعلق بالاستدامة الاقتصادية وإمكانية تحويل حرفة النسيج من نشاط تراثي إلى مشروع اقتصادي مستدام، أوضحت الغسانية أن هذا التحول يتحقق عندما يُبنى التدريب على مخرجات إنتاجية واضحة وموجهة للسوق، كما هو الحال في برنامج تدريب النسيج المنفذ في ولاية عبري. فقد ركز البرنامج على تمكين المشاركات من تطوير مهاراتهن الحرفية وتحويلها إلى منتجات تراثية معاصرة ذات طابع فخم يعكس الهوية الثقافية العُمانية، مع مراعاة معايير الجودة والتصميم وتلبية متطلبات الاستخدام المؤسسي.
ويعتمد البرنامج على نموذج تشغيلي متكامل يشمل إدارة مراحل الإنتاج، وتوفير المواد الخام، والتغليف، وتسليم الطلبات، وذلك بالتعاون مع المدربة أنوار الشبلي في صناعة النسيج اليدوي وصاحبة مؤسسة 'سداء'.
وأشارت إلى أن برنامج التدريب على النسيج يمثل خطوة تأسيسية مهمة لفتح آفاق جديدة أمام منتجات النسيج العُماني والحرف التقليدية الأخرى، وذلك من خلال تطويرها ضمن إطار واضح لإنتاج هدايا تراثية معاصرة وفاخرة تتميز بجودة عالية وهوية تصميمية متناسقة. وذكرت أن المرحلة الحالية من البرنامج تركز على تعزيز جاهزية هذه المنتجات للاستخدامات المؤسسية والأسواق المحلية، عبر الاهتمام بعناصر الجودة والتصميم والتغليف بما ينسجم مع متطلبات السوق. ومع اكتمال التجربة وتقييم مخرجاتها، تبرز فرص مستقبلية للتوسع وربط منتجات النسيج العُماني بقنوات تسويق أوسع، بما في ذلك الأسواق الخارجية، وذلك من خلال الشراكات مع القطاع الخاص ووفق معايير تنافسية تراعي خصوصية كل سوق.
وأوضحت أن التدريب يمثل أداة استراتيجية لتمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا، إذ يمنحها المهارات والمعرفة اللازمة للمشاركة الفاعلة في المجتمع، ولا يقتصر دور التدريب على تطوير القدرات المهنية فحسب، بل يمتد ليعزز ثقة المرأة بنفسها ويفتح أمامها فرصًا لإنشاء مشروعات صغيرة أو الانخراط في برامج ريادة الأعمال، ما يسهم في رفع استقلاليتها المالية.
أما على الصعيد الاجتماعي، يلعب التدريب دورًا محوريًا في تعزيز مشاركة المرأة في صنع القرار وتحسين قدرتها على الإسهام في تنمية مجتمعها المحلي، لذلك يُنظر إلى الاستثمار في تدريب المرأة كركيزة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة والشمول الاجتماعي، وهو ما يجعل تمكين المرأة من خلال التدريب هدفًا وطنيًا ومجتمعيًا في آن واحد. وقالت أنوار بنت سليمان الشبلية مدربة معتمدة في مجال حرفة النسيج وصاحبة مؤسسة السِداء، لوكالة الأنباء العُمانية: 'إن حرفة النسيج ليست مجرد حرفة تقليدية، بل لغة فنية وهوية ثقافية قادرة على التطور والاستمرار. فمنذ بداياتي شدّني هذا المجال لأنه يجمع بين الإبداع، والصبر، والارتباط بالتراث، وفي الوقت نفسه يفتح آفاقًا واسعة للابتكار المعاصر'.
وأضافت: 'واخترت أن يكون هذا المجال مسارًا تدريبيًا لأنني لاحظت حاجة حقيقية لنقل هذه المهارة بشكل منهجي ومدروس؛ لتمكين المتدربات من تحويلها من هواية إلى مصدر دخل وفرصة مهنية حقيقية، مع الحفاظ على روح الحرفة وأصالتها'.
وبيّنت أن هناك مجموعة متكاملة من المهارات التي تحاول نقلها إلى المتدربات، إذا تبدأ بالأساسيات التي يمر بها النسيج اليدوي مثل فهم الخامات، وضبط النول، والتراكيب النسجية بشكل صحيح. مع الاهتمام بتنمية الحس الفني لدى المشاركات، من خلال التدريب على اختيار الألوان، وبناء التصميم، وتحويل الفكرة إلى قطعة نسيج متكاملة مع الحرص على نقل المهارات المتعلقة بالجودة والدقة والصبر، فضلاً عن توعية المشاركات بكيفية تطوير أعمالهن بشكل احترافي، سواء لعرضها فنيًا أو تسويقها كمشروعات صغيرة مستدامة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أوضحت أن التدريب يسهم في تحويل الحرفة من نشاط تقليدي محدود إلى مشروع إنتاجي قابل للتطوير، من خلال تزويد المشاركات بالمهارات الفنية والاحترافية التي تمكنهن من تسويق منتجاتهن، وتحسين جودتها، ورفع قيمتها الفنية والمادية. وهذا يفتح المجال أمام المرأة العُمانية للدخول إلى سوق العمل بمرونة، سواء من خلال العمل الحر أو المشروعات الصغيرة، بما يتناسب مع ظروفها الأسرية والاجتماعية.
أما اجتماعيًا، فقد رأت الشبلية أن التدريب يعزز ثقة المرأة بنفسها، ويمنحها مساحة للتعبير عن قدراتها الإبداعية، ويشجعها على المشاركة الفاعلة في المجتمع. ويسهم في الحفاظ على الحرف التقليدية ونقلها للأجيال الجديدة بروح متجددة، مما يعزز الشعور بالانتماء والاعتزاز بالهوية الوطنية.
من جهتها قالت حليمة بنت سعيد العبرية، إحدى المتدربات في البرنامج التدريبي لحرفة النسيج إن سبب انضمامها يعود إلى رغبتها في التعرف عن قرب على هذه الحرفة وأهميتها باعتبارها جزءاً أصيلاً من التراث العُماني، إضافةً إلى شغفها بالتعلم، خاصة بعد زيارتها لمصنع النسيج في ولاية سمائل، مؤكدة أن الحرفة تعكس الهوية الوطنية وتمنح الفرد فرصة للإبداع.
وأضافت أنها اكتسبت من خلال البرنامج عددًا من المهارات منها أساسيات النسيج اليدوي، والحساب والقياس مثل طول القطعة وعدد الخيوط، فضلاً عن كيفية اختيار الألوان المناسبة والتعرف على أجزاء النول وطريقة استخدامها. وتمكنت من التمييز بين النسيج السادة والنقشة الزخرفية، مشيرةً إلى أن هذه الحرفة تغرس في المتدرب قيم الصبر والإتقان في العمل مع اكتسابها لمفردات خاصة بالحرفة مثل: التطريح، والطي، واللقي، وربط الخيوط.
أما عن رؤيتها لمستقبل حرفة النسيج، ترى حليمة العبرية أن حرفة النسيج هي جوهر الهوية الوطنية، مؤكدةً على مستقبلها الواعد الذي يرتكز على الاستدامة والابتكار، داعية إلى ضرورة إحياء الحرفة عبر دمجها بتصاميم عصرية تربط عراقة الماضي بتطلعات الحاضر، مشيرةً إلى تنامي دورها الاقتصادي المتنامي محلياً ودولياً، وهو ما جسّدته بوضوح خلال مشاركتها في ملتقى 'ريادة' الدولي الأول للصناعات الحرفية الذي أقيم بمسقط.