الناقد وصناعة الوهم الجمالي
الثلاثاء / 7 / شعبان / 1447 هـ - 22:42 - الثلاثاء 27 يناير 2026 22:42
في ظلّ مواكبة المسرح لتحوّلات العصر، ما الخطاب النقدي الذي يصاحبه: كيف يُقرأ؟ وبأي أدوات؟ ومن أي مرجعية ينطلق؟ ففي زمنٍ تتكاثر فيه المصطلحات وتتسارع التسميات الجمالية، من العبث إلى ما بعد الدراما، ومن التجريب إلى ما بعد الحداثة، يواجه المتلقي خطابًا نقديًا متشابهًا في لغته، متكررًا في معجمه، ومربكًا في دلالاته. هنا لا يصبح النقد وسيطًا للفهم، بل قد يتحوّل - من حيث لا يقصد - إلى صانع لوهم جمالي، يُضفي على العروض هالةً مفهومية لا تنبع دائمًا من بنيتها الفنية، بقدر ما تستند إلى سلطة المصطلح وفتنته.
من هذا المنطلق، تحاول هذه المقالة مساءلة دور الناقد المسرحي العربي في علاقته بالمفاهيم الحداثية، والكشف عن المسافة الملتبسة بين القراءة الجمالية الحقيقية، وإعادة إنتاج خطاب نقدي منفصل عن شروطه التاريخية والثقافية. في هذا السياق، يكتب شكري محمد عيّاد في كتابه المذاهب الأدبية والنقدية عند العرب والغربيين (1993) ما يلي:
«لا جديد أيضًا في الجمع بين الأدب والنقد في بحث المذاهب، فالنقد هو الذي يبلور مفهوم المذهب، ويخطّ طريقه، سواء اضطلع المبدع نفسه بعرض ذلك المفهوم والدفاع عنه، أم تولّى ذلك عنه الدارس والمؤرخ».
هل يهتمّ النقد في وجهه الأعمّ بإثارة اهتمام القارئ بالطرح الفلسفي، وتوجيهه إلى التفكير بقضايا وجوده ومصيره في عالم اليوم؟
يفترض الباحثون، ومن بعدهم جمهور القرّاء العاديون، أن يكون الأدب معبّرًا عن زمانهم وعصرهم، -شعرًا وقصًة ومسرحًا ونقدًا- فهل نستطيع القول إن زماننا هو زمان النقد، أم التدريب على أساليبه واتجاهاته واشتباكاته مع الواقع الأدبي؟ ويُطرح هنا سؤال ملتبس طالما دار في الخطاب الثقافي: هل المسرح أكثر صدقًا من النقد، أم أن المفاضلة بينهما ليست سوى وهم آخر؟ فإذا كان المسرح أصدق مثلًا، فما نوع المسرح الذي ننتظر أن يساعدنا على تبيّن مصيرنا ووجودنا في العالم؟ وهل تغيّر مفهوم المسرح كما تغيّرت أشكال الكتابة وظروف الإنتاج بتغيّر أحوال الناس ونضالهم في مجتمعاتهم؟ سأذهب إلى الاعتقاد التالي: إن قضية النقد المسرحي الذي يصاحب العروض المسرحية هي فرع من قضية المسرح نفسه؛ إمّا أن يندمج النقد في العروض ويناصرها، وإمّا أن يعزف عنها، بحيث لا يتخلّق شيء جديد أو مفارق لها.
فإذا اتجه الناقد إلى كتابة تعقيب أو رأي لمناصرة عرض تجريبي، رأينا أن معجمه اللفظي يكرّر بعضه بعضًا في أغلب العروض؛ فالحكاية كلّها تتلخّص في تغيير عنوان العرض، وأسماء الممثلين، والمخرج، والمؤلف! وهذا يعيدنا إلى قضية جدلية لم تُحسم في حضارتنا التقليدية المعاصرة؛ قضية الأصالة أم المعاصرة، التراث أم الحداثة، وكأن المرء يستطيع أن يختار بينهما، إمّا الانتماء إلى ماضيه أو الذهاب إلى حاضره. إن معجم الناقد المتكرر حول تلك العروض جعل المتلقي/المتفرّج عاجزًا عن التقاط الفارق بموضوعية، فيسأل نفسه: ماذا يريد أن يقول هذا الناقد؟ وأي معنى جديد يضيفه خطابه إلى التجربة المسرحية؟
في سياق الجدلية تلك، أرى أن جزءًا كبيرًا من جوهر الإشكال في الاشتغال مع النقد المعاصر ينطلق من زاوية النظر إلى الحداثة وجوهرها. إن أغلب ما يلحق بالحداثة من «ما» المصدرية الزمانية، كقولنا: ما بعد الحداثة، وما بعد التجريب، وما بعد الدراما، وما بعد المسرح، وما بعد الرواية، وما بعد الشعر، لا تعني القطيعة مع ما سبقها، بقدر ما تفيد الامتداد النقدي للمفهوم.
تمرّدت الكتابة الإبداعية التجريبية على التقليدية في مظاهر متعددة، واتجه البحث النقدي بفضلها نحو مسارات متجددة لنحت مفاهيمه وبلورة مشكلاته وتوجيه المناهج. في هذا السياق، يمكن النظر إلى الترجمات الخاصة بمسرح اللامعقول، أو المسمّى بالعبث. هل يمكن القول إن أنواع الكتابة التجريبية في عالمنا العربي اليوم هي امتداد للترجمات المشوّهة التي أدارت ظهرها، عند نقل المصطلح، للسياق الثقافي والاجتماعي والسياسي للحضارة الغربية؟
نقلًا عن معجم المسرح (2015م) لباتريس بافي:
«إن الشكل المفضّل للدراماتورجيا العبثية هو شكل المسرحية الخالية من الحبكة ومن الشخصيات الواضحة المعالم، فالمصادفة والابتكار هما سيّدا الموقف «...» وعدّة استراتيجيات العبث هي: العدمي، والعبث كمبدأ بنيوي يعكس الخواء الكوني وتهافت اللغة، والعبث الهجائي، والعبث كتاريخ أدبي...».
ونستخلص من ذلك، نقلًا عن معجم المصطلحات المسرحية (2024) لأحمد بلخيري، أن «العبث مرادف للامعقول، وسبب عبثيته أو لامعقوليته ينحصر في الانعدام الشامل للمعنى أو العلاقة المنطقية بين أجزاء النص أو المشهد. وفي الفلسفة الوجودية، العبث هو كل ما لا يمكن شرحه بواسطة العقل، وما يمتنع على الإنسان أن يبرهن عليه برهنة فلسفية أو سياسية. ومن الواجب تمييز العناصر العبثية في مسرح العبث المعاصر».
وإذا كان مفهوم اللامعقول يأتي مرادفًا للعبث، فإن أحمد العشري هو أول من قدّم المفهوم في المشهد الثقافي الخليجي عندما نشر دراسة له في مجلة البيان الكويتية، العدد 308 (1996)، بعنوان «الاغتراب في مسرح العبث»، مستعملًا مصطلحات العبث، والاغتراب، والقلق، واللامعقول، بمعنى متقارب، موضحًا أن ظهور هذا التيار جاء «نتيجة حالتين مزّقتا وعي الإنسان المعاصر في أوروبا وأمريكا، هما الفراغ الروحي أو الخواء بعد أن عجزت المسيحية عن مسايرته في تقدّمه الحضاري المادي، ثم الحربان العالميتان اللتان أوقفتا هذا الإنسان على مفترق طرق يظنّ أنه لا يوصله إلى أي هدف. وفي ظلّ الخواء الروحي المفزع، أيقن أن لا معنى للحياة». وهي من الدراسات القيّمة التي أظهرت جوانب كثيرة؛ «فظاهرة تدهور شخصية الإنسان في العصر الحديث بوصفه إنسانًا كانت السبب وراء الانهيار الذي أصاب اللغة البشرية، أو لغة الكلام التي لم تعد وسيلة اتصال، فحينما يخلو الفكر من جوهره، لا يكون هناك حوار، لأنه ليس هناك ما يُقال».
جملة «ليس هناك ما يُقال» ظاهرة شكّلت جوهر العديد من نصوص عروض بعض المهرجانات المسرحية (نحن من وجهة نظر قط - بيت أبو عبد الله) تأليفًا وإخراجًا: أنس عبد الصمد، و(نُقَط - إخراج وليد المعمري، والمؤسسة إخراج محمد الصفّار)، مع فروق ظاهرية في العناوين وآلية اشتغال المخرجين. وأغلبها عروض، في ظاهرها، لا تتكئ على عناصر اللامعقول، بل تَدرج اشتغالها - حسب النقّاد والمخرجين - في باب ما بعد الدراما. لا بأس من العودة ثانية إلى معجم المصطلحات المسرحية، حيث يُخصَّص لمصطلح مسرح ما بعد الحداثة فقرة لا بأس بها، متتبّعًا أو راصدًا بعض الخصائص العامة التي تُربط عمومًا بمصطلح الإخراج المسرحي الما بعد حداثي، ومن أبرزها: خضوع الإخراج بشكل متواتر لمجموعة من المبادئ المتناقضة، والجمع بين أساليب متباينة، كذلك التضحية بقصة مفهوم الشخصية التي كانت عليه في المسرح التقليدي، إلى اعتبار الممثل كالمخرج المسؤولين عن البنية، يقدّمان أداءً من مدٍّ متدفّق من الثرثرة وعدم الاستقرار، وأيضًا الابتعاد عن عنونة الإخراج من حيث هو كذلك إلى تفضيلات أخرى مركّبة، وأخيرًا تفلّت الزمن والمكان للأثر الفني على المتلقي من المرجعية، فالمتفرّج يشاهد عرضًا متحرّرًا تنتظمه علامات كثيرة ومتغيّرة على الخشبة.
هناك قاعدة تقول: إن محاولة نفي النفي هي إثبات. يدور هذا في حقول كلامية متعددة مع اختلاف الخطابات والمؤسسات المنتجة لها. فإذا كان سعي هؤلاء المخرجين فتح التجريب على مدى واسع وغير مغلق ومتحرّر من قيود المرجعيات، فإنهم نجحوا في تحريك التقليدي. أمّا إن كان سعيهم نفي الدراما لتثبيت ما بعد الدراما، فهذا اشتغال آخر يستند في عناصره الإخراجية إلى تأكيد الشعور بالعزلة والاغتراب، وتحلّل المجتمعات، وفشل السياسات الاجتماعية ومؤسسة العائلة، لأن الرب قد قُتل أو مات - بتعبير الطليعيين-. وإذا لوحظ في العديد من العروض استناد السينوغرافيا وتأثيثها إلى جملة من العناصر المتطوّرة في الإضاءة ومحاولات توظيف الرقميات والذكاء الاصطناعي، فإن تكرار توظيف المرايا العاكسة، والشاشات، وأجهزة السينما، وآلة الميكروفون كوسيلة للتعبير عن البوح الداخلي بين الممثلين أفرادًا أو جماعات، ملحظٌ ذو دلالة كبيرة يشير إلى بحث جاد في خلق مقاربة وسائطية لقراءة العرض؛ فالميكروفون في عرض دموع بالكحل هو في نهاية الأمر - بحسب خالد أمين- في كتابه مسرح ما بعد الدراما وتحديات الكتابة الركحية المعاصرة (2020) - «جهاز يحوّل الموجات الصوتية إلى طاقة كهربائية، وبالتالي فهو يخلق قناعًا صوتيًا إلكترونيًا يحجب الصوت الحقيقي للمؤدّي. وهنا تحديدًا نكون إزاء قطيعة مع التمثيل الطبيعي والاندماج».
لا يمكن تحميل النقد وحده مسؤولية هذا الالتباس الجمالي، كما لا يمكن تبرئة العروض المسرحية من مسؤولية توظيف المصطلح بوصفه قناعًا جماليًا جاهزًا. فالإشكال أعمق من ممارسة فردية، وأشدّ اتصالًا بعلاقة الثقافة العربية الحديثة بالحداثة ذاتها، بوصفها مفهومًا لم يُستوعَب تاريخيًا بقدر ما جرى استهلاكه لغويًا. إن ما نشهده اليوم من تضخّم في التسميات، وتكرار في الخطاب النقدي، وتماهٍ بين العروض المختلفة، لا يعكس بالضرورة فقر التجربة المسرحية، بقدر ما يكشف حاجةً ملحّة إلى مراجعة أدوات القراءة، واستعادة شجاعة السؤال، والتمييز بين التجريب بوصفه بحثًا جماليًا حيًّا، وبين الوهم الجمالي الذي تصنعه اللغة حين تنفصل عن معناها. فالنقد، حين يفقد قدرته على الإنصات للاختلاف، لا يضيء العرض، بل يُعتمه ويشارك، من حيث لا يدري، في إنتاج وهمٍ يُقنع الجميع بأنه جمال.