بعد 140 عاما من اختراع السيارة ... مستقبل صناعة السيارات الألمانية بين معضلة الربحية ومواكبة التطوير
تحقيق
الثلاثاء / 7 / شعبان / 1447 هـ - 15:09 - الثلاثاء 27 يناير 2026 15:09
شتوتجارت, 'د.ب. أ': قبل 140 عاما غير كارل بنز العالم؛ ففي 29 يناير 1886 سجل الألماني براءة اختراع 'مركبة تعمل بمحرك غازي' تحت الرقم 37435 لدى مكتب براءات الاختراع الإمبراطوري في برلين. ويعد ذلك بالنسبة لكثيرين ميلاد السيارة الحديثة، ووضع حجر الأساس لإحدى أكبر قصص النجاح في الاقتصاد الألماني.
وقد دفعت السيارات ألمانيا إلى صدارة الدول الصناعية، ووفرت للألمان مئات الآلاف من فرص العمل وأجورا جيدة. وكانت السيارات رمزا للهندسة المتقنة وأعلى مستويات الجودة. وسواء في نيويورك أو شنغهاي أو كينشاسا، يعرف الناس في كل مكان في العالم علامات 'مرسيدس بنز' و'بي إم دبليو' و'أودي' و'بورشه' و'فولكس فاجن'.
وماذا عن اليوم؟
اليوم تبدو صناعة السيارات الألمانية وكأن أحدهم أحدث بمفتاح خدشا عميقا لهيكل سيارة؛ فقد تراجعت الأرباح بشكل ملحوظ، وتواجه الشركات الوضع عبر برامج تقشف، وذلك في خضم تزايد أهمية التنقل الكهربائي، وتطوير البرمجيات، واشتداد المنافسة، وتخلف القطاع عن الركب في بعض المجالات.
ولا يرى الخبير في شؤون السيارات والمحاضر في كلية إدارة الأعمال المتوسطة في كولونيا، فرانك شفوبه، أن ما تمر به الشركات الألمانية هو أزمة بالمعنى الدقيق، حيث قال: 'الشركات المصنعة تواجه مشكلات كبيرة، لكنها ليست في أزمة'، موضحا أنها لا تزال تحقق أرباحا واضحة وتوزع أرباحا على المساهمين، وأضاف: 'طالما أنها قادرة على توزيع أرباح، فهي ليست في أزمة'، معتبرا أن الأرباح الحالية مرضية على المدى القصير، مؤكدا في المقابل ضرورة أن تصبح الشركات أكثر ربحية من جديد.
وأشار شفوبه إلى أن الأزمة الحقيقية تطال موردي قطع الغيار، الذين يقومون بتقليص الوظائف وإغلاق مواقع إنتاج كاملة وطرح أقسام بأكملها للبيع، موضحا أن عملية التحول إلى السيارات الكهربائية تضرب الموردين بقوة لأن كثيرا من قطع الغيار التي ينتجونها لم تعد مطلوبة، ما يزيد من ضغط التكاليف الذي تنقله شركات السيارات الكبرى إلى موزعيها.
ورغم ذلك، لا تزال الشركات الألمانية تحقق أرباحا بمليارات اليورو؛ ففي عام 2024 - الذي شهد بالفعل تراجعات واضحة - حققت 'مرسيدس' ربحا بلغ 4ر10 مليار يورو، وبلغت أرباح 'بي إم دبليو' نحو 7ر7 مليار يورو، فيما تجاوزت أرباح مجموعة 'فولكس فاجن' 12 مليار يورو. وفي عام 2025 واصلت الأرباح التراجع، لكنها ظلت بمليارات اليورو. ولم تعلن بعد الأرقام النهائية.
وخلال سنوات أزمة جائحة كورونا حققت شركات السيارات الألمانية أرباحا استثنائية. وقال شفوبه: 'لكن هذه مقارنة غير دقيقة'، مشيرا إلى أن نقص أشباه الموصلات الإلكترونية وقلة الخصومات آنذاك أديا إلى أرباح مرتفعة للغاية، وهو ما بدأ الآن في العودة إلى الوضع الطبيعي، موضحا أن الشركات ركزت في تلك الفترة على استخدام أشباه الموصلات في تصنيع السيارات الأغلى ثمنا ذات هوامش الربح الأعلى.
وتظهر دراسة أجرتها شركة الاستشارات 'برايس ووترهاوس كوبرز' حول أرباح 'مرسيدس' و'بي إم دبليو' ومجموعة 'فولكس فاجن' بين عامي 1990 و2024 أن الأرباح المجمعة ظلت حتى نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة في حدود مليارات قليلة، قبل أن ترتفع بقوة خلال الخمسة عشر عاما الماضية لتتجاوز 50 مليار يورو في عام 2021، ثم تنخفض مجددا إلى نحو 30 مليار يورو.
وأثرت التطورات الأخيرة على العاملين في القطاع، إذ أظهر بيان صادر عن مكتب الإحصاء الألماني الاتحادي في نوفمبر الماضي أن عدد العاملين في القطاع تراجع بنهاية الربع الثالث من عام 2025 بنحو 48 ألفا و700 موظف مقارنة بعام 2024، ليصل إلى 721 ألفا و400 موظف، وهو أدنى مستوى منذ الربع الثاني من عام .2011
وبشأن مستقبل القطاع، قال شفوبه إن صناعة السيارات الألمانية ستظل 'في كل الأحوال' موجودة بعد عشر سنوات، ولن تختفي أيضا العلامات التجارية، مرجحا استمرار وجود الشركات الثلاث الكبرى 'فولكس فاجن' و'مرسيدس بنز' و'بي إم دبليو'، مع سعيها للحفاظ على استقلالها.
في المقابل أشار شفوبه إلى أن الهيمنة الألمانية ستتراجع، لأن التحول إلى السيارات الكهربائية يسقط محرك الاحتراق كميزة تنافسية، موضحا أن 'الإرث الصناعي والصورة الذهنية' للسيارات الألمانية لا تزال قائمة، لكن التحدي هو مواكبة المنافسين الجدد من الناحية التكنولوجية، متوقعا ألا تكون ألمانيا في المستقبل على مستوى الريادة نفسه كما كان الحال في السابق، وقال: 'بالطبع يعتبر ذلك خسارة'.
وأكد شفوبه أن التحول سيتجه بقوة نحو التنقل الكهربائي، وأن التميز لن يكون في تصنيع المحركات، بل في تصنيع البطاريات، مشيرا إلى أن المحركات الكهربائية يمكن للجميع تصنيعها، لكن التحدي الحقيقي هو إنتاج بطاريات قوية وعالية الأداء.
من جانبه، قال مدير معهد اقتصاد السيارات في مدينة جايسلينجن، شتيفان رايندل، إن ألمانيا ستحتفظ على الأرجح بدورها كسوق رائدة في التطوير والتصنيع والإنتاج الفاخر ودمج الأنظمة المعقدة، فيما سيجرى توزيع الإنتاج القياسي بكميات كبيرة على المستوى الدولي، معتبرا أن ذلك ليس دليلا على تراجع صناعي بل تعبيرا عن عولمة قائمة على توزيع الأعمال.
وأضاف رايندل: 'صناعة السيارات الألمانية لا تقف على حافة النهاية، بل أمام إعادة تفاوض حول دورها الدولي'، مؤكدا أن قدرتها على الاستمرار ستعتمد على الجمع بين العمق التكنولوجي والجودة الصناعية والقدرة التنافسية الدولية في عالم تكون فيه للسرعة والبرمجيات والأطر الجيوسياسية دور أكبر من أي وقت مضى.
وبعد 140 عاما من تسجيل براءة اختراع رائد السيارات كارل بنز، قد تكون فكرة مبتكرة جديدة من عقل ألماني مبدع هي ما تحتاجه صناعة السيارات الألمانية اليوم.