افتتاحية.. الذاكرة الوطنية
الأربعاء / 8 / شعبان / 1447 هـ - 10:03 - الأربعاء 28 يناير 2026 10:03
الذاكرة الوطنية لا تُورث تلقائيا، ولا تنتقل في الدم كما نتوهم. الذاكرة الوطنية تُصنع في البيت، وفي المدرسة، وفي الشارع، وفي اللغة التي نصف بها أنفسنا. ولهذا فإن بناء ذاكرة وطنية لدى الناشئة هو شرط من شروط تماسك المجتمع وقدرته على فهم نفسه عندما تتبدل الأزمنة وتتسارع الضغوط.
أكثر الطرق شيوعا لإنتاج «ذاكرة» لدى الأطفال هي أقلها فاعلية: التلقين، والإنشاد، وتكرار قصص مصقولة بلا أسئلة. هذه أدوات تمنح شعورا سريعا بالانتماء، لكنها تترك فراغا معرفيا يتضح لاحقا حين يواجه الشاب روايات منافسة على منصات التواصل الاجتماعي، أو حين يكتشف أن ما قُدّم له بوصفه «حقيقة كاملة» كان انتقاء جزئيا. في تلك اللحظة يخسر الشاب تاريخه ويخسر الثقة في اللغة التي خاطبته.
الأسلوب الأمثل يبدأ من تحويل الذاكرة إلى خبرة قابلة للفهم. أن يُعرَّف الناشئة بالوطن عبر «الأثر»: وثائق وصور ورسائل قديمة، حكايات من الأسرة ومن المهنة ومن البحر ومن السوق، خرائط تتغير عبر الزمن، وأسماء أماكن تُقرأ بوصفها طبقات من تاريخ الشعب. وحين يصبح الماضي مادة محسوسة، يخرج من دائرة الأسطرة إلى دائرة الإدراك.
ثم يأتي دور المدرسة بوصفها مختبرا للوعي: تعليم القراءة النقدية للمصادر، والتمييز بين الرواية والدعاية، وإتاحة مساحة لأسئلة محرجة دون خوف. الذاكرة القوية لا تخشى السؤال؛ لأنها تعرف أن السؤال لا يهدم الانتماء بل ينقّيه. ومن هنا يصبح إدراج التعدد ضرورة: أن يرى الطالب وطنه في أكثر من مرآة ـ في السواحل والداخل، في المدن والقرى، في قصص النساء كما الرجال، وفي تجارب العمل والهجرة والتعليم لا في الحروب والقرارات فقط.
أما الإعلام والثقافة فمهمتهما أن يحميا الذاكرة من الاستهلاك، فلا تتحول إلى «محتوى» موسمي، وأن تُروى بحسّ إنساني لا بلغة انتصار دائم. عندما تُبنى الذاكرة بهذه الأدوات ـ الأثر، السؤال، التعدد، والصدق ـ تصير وطنا داخليا لا ينهار مع أول اختبار، بل يشتدّ كلما تعلّم أبناؤه كيف يفكرون فيه، لا كيف يرددونه.