عمان الثقافي

من القاهرة إلى الشام.. بداية مشهد الترحل في الآفاق

 

سيف الرحبي -

حين وجدت نفسي في دمشق قادما من بغداد، وقبلها بعد انفصالي القاسي عن القاهرة، ذهبت إلى أبوظبي مفلسا تماما، ولولا تلك العائلة العُمانية التي كنتُ أعرف بعض أبنائها طلبة في القاهرة لكانت الأمور بالغة المحنة والشتات. وفرّ لي ربُّ الأسرة وهو ضابط في جيش الإمارات بأخلاقه الرفيعة وظيفةَ مدرسٍ مدني في مدرسة عسكرية. بقيتُ ستة أشهر كي أرتب أموري الأولية ماديا، وأستطيع التحليق من جديد؛ إذ لا دعم ولو رمزيًا من أي جهة مثل تلك المنحة للإعدادية والثانوية التي تصل إلى عشرين جنيها، لكنها في ذلك الزمن تكفي لحياة غير مُتطلبة. وهكذا كانت وجهتي الأولى بغداد بُغية الإقامة في ربوعها الثقافية التي تؤثث الذاكرة والوعي منذ الطفولة. وصلتُ بغداد. كان الصيف في ذروته والطقس مغبر وحار وفي أعماقي طقس عاصف أكثر حرارة وغبارا. اتجهت إلى العنوان الذي كان في حوزتي. عنوان منزل الأخ خالد القاسمي. ورغم ضيق المنزل استقبلني بترحاب وكرم، وتلك صفات من سمات تلك المرحلة عبر الوجهة السياسية المشتركة أو خارجها بنسبية أكبر مع زوجته نبيلة الغساني ابنة أبوصلاح الغساني المعروف لدى جزء من العُمانيين آنذاك. ومن ثم انتقلت إلى زملاء طلبة عُمانيين ومن الإمارات. كانوا تلك الفترة ضمن إطار طلابي واحد أتذكر منهم المرحوم عبيد طويرش بلطفه وكرمه غير المحدودين، الذي صار بعد سنين وسنين رئيسا لتحرير جريدة الاتحاد. وصرت ألتقيه بين الفترة والأخرى في أكثر من مكان في العالم، لكن حلم الإقامة في بغداد - ولو لعام وفق نظام العادة ونمط العيش المترحل عندي، والذي سينكسر لاحقاً على نحو جميل وفاجع- لم يتحقق. كانت قسوة فراق القاهرة ومن أُحِب ثقيلة ومدمرة ولم تعطني انطباعاتي الأولية في المناخ الاجتماعي الذي أعرف قليلا جدا منه ملامح البديل الحياتي الذي أحس إزاءه بالاطمئنان، ويهدأ قلقي العاصف.. هكذا رحلت إلى دمشق.

ها أنا في دمشق. بدأت بالتعرف والانسجام مع الأجواء الدمشقية من سوريين ووافدين إلى سوريا وهم كثر. وكان الاهتمام الذي بدأ يتضح بجانب الشعر والثقافة عامة مواصلة الاهتمام تجاه السينما. تعرفت على سينما الكندي التي كانت تعرض أكثر من غيرها أفلاما نوعية، ومن ثم نادي السينما الواقع من شارع الصالحية صُعُدا إلى ما بعد المستشفى الطلياني. وكان رئيس النادي آنذاك المخرج والناقد العراقي قيس الزبيدي. صارت السينما ضمن برنامج اهتماماتي اليومية والأسبوعية. كان النادي وعلى طريقة جمعية الفيلم في القاهرة يأتي بأفلام طليعية متفاوتة من أنحاء كثيرة في العالم شرقا وغربا، ومن دول المنظومة الاشتراكية ولمخرجين كبار من داخلها أو الذين يعيشون في المنافي مثل: (انجيه فايدا) من بولندا و(خريستو خريستو) من بلغاريا وآخرين كثر، وتعقد الندوات إثر العرض؛ حيث يتحدث مختصون ونقاد ومخرجون وهواة، ويتسع أفق النقاش ليربط السينما بفضاء الشعر والفلسفة والمعارف الأخرى. ولأول مرة أسمع اسم الفيلسوف (جيل دولوز) ورؤيته العميقة للسينما والصورة والزمن عبر نقاد وكتاب درسوا في فرنسا. وقد ترجم لاحقا في وزارة الثقافة. وتنبثق أحيانا جمعيات ومبادرات فردية تعرض أفلاما في هذا السياق مثل تلك العروض التي غالبا ما تكون في سينما الصالحية خلف مقهى (اللاتيرنا) الذي نرتاده مع مطعم (الريس) في الميدان. يتقدم هذه المبادرة (جهاد) ولا أتذكر اسمه الآخر بالتقديم والنقاش. مرة عرض فيلم (انجيه فايدا) وهو من أكبر مخرجي العالم (كل شيء للبيع) الذي يتناول فيه ضمن فضائه المركب الشاسع موت ممثله البولندي الأثير لديه. (فايدا) الذي ظل يخرج الأفلام العظيمة على طريقته حتى في العهد الشيوعي الواحدي الرؤية والتفكير. ولم يفضل الانتقال أسوة بزملاء له إلى الغرب وأمريكا مثل (ميلوش فورمان) من تشيكوسلوفاكيا أو (رومان بولانسكي) من بولندا وكثير غيرهم.. لاحقا أخرج فيلما إشكاليا في باريس عن أحد زعماء الثورة الفرنسية (دانتون) أثار جدلا واسعا، واعتبره بعضهم تصفية حساب مع الثورات: الثورة البلشفية خاصة التي هيمنت على بولندا وشرق أوروبا وغيرها ساحقة كل شيء يقف في طريقها أو يختلف معها.

في دمشق هكذا صرت أمارس شغف السينما بين النادي السينمائي، وسينما الكندي ودور أخرى أحيانا ودائما في منطقة الصالحية. كنت أذهب وحدي أو مع أصدقاء مثل إبراهيم الجرادي، خليل صويلح، الذي مازال متجددا ويضيف الجديد إلى السرد العربي مع كل رواية تصدر له، ومحمد البخاري، عبدالله الطرشي، فيحا الناظر، بندر عبدالحميد، الذي كان يدير تحرير مجلة (السينما) ويسكن في ذلك (البدروم) قريبا من (الفريدي)، وفي الأعلى ساحة عرنوس. وكانت الغرفة الوحيدة التي يسكنها أو الاستوديو يستقبل فيه ضيوفا باستمرار، دائما مغطى جدرانه بالكامل ببوسترات الأفلام والممثلات والمخرجين والممثلين.

سينما الكندي تحاول غالبا اختيار الأفلام النوعية المتنوعة وأيضا تلك التي تندرج في سياق الموجة النضالية اليسارية وفق شعارات المرحلة السوفييتية وتنقد التوحش الرأسمالي الغربي، أفلام منحازة إلى معسكر بعينه كان ما يزال يقين نضال المرحلة الذي لم يغرب إغراؤه وبريقه بعد. وفي مثل هذه الأفلام يحتشد أتباع الأحزاب اليسارية المختلفة، وتغص قاعة السينما بالحشود، حتى لتجد البعض واقفا طوال عرض الفيلم. غالبا تكون هذه الأفلام ذات الوجهة الأيديولوجية والنوايا الحسنة إزاء سطوع الخير والمستقبل المشرق في هذه الجهة، والشر والوحشية في الجهة الأخرى من غير غوص في الشخوص والوقائع ومسار التاريخ الأكثر تعقيدا. بالطبع من هذه (المانوية) المبسطة مثل كتاب (المادية الجدلية) والكتب الأخرى التي يروجها المعسكر السوفييتي والصيني على ما بينهما من عداء. في تبسيطها لماركسية ماركس وأنجيلز ورفاقهم؛ إذ تتحول إلى قناع وتبشير تمجد آلة السلطة القمعية الضخمة. بعض ذلك التبشير الذي يحتكر الخير والعدالة والمساواة ويحتكر السوية بمعناها المثالي الذي يجرد الآخر منها أيما تجريد. لكن سينما الكندي ليست تلك الوجهة بل كانت تعرض من مختلف التيارات والموجات والوجهات المتناقضة الفنية بجمالياتها العالية وغوصها العميق في ظلمات النفس البشرية وهوامّها. مرة عرضت فيلم (وجها لوجه) للسويدي الكبير (انجمار برجمان) وبطولة (ليف اولمان)، وحين تحدثت مع بعض الأصدقاء اليوميين في (اللاتيرنا) ومطعم (الريس) وكان هناك (أبو الوليد) يوسف سامي اليوسف الذي كان بمثابة أستاذٍ للمجموعة من ناحية العمر وأساسًا بموسوعيته الثقافية الأدبية والفكرية، وذلك الحضور الكارزمي رغم حزنه الوجودي والوطني العميق وربما بسببه.

لكنه كان في مجال السينما دائم النقاش والأطروحات حول عقم السينما أمام الأدب المكتوب بكل تجلياته وبأن السينما أو هذه الأشرطة من الصور والظلال والألوان والشخصيات أقرب إلى المزاج العامي السريع القابل للتلف بسرعة. حتى الأشرطة لن تبقى مثل الكتب ومصيرها الاندثار السريع. تلك بضاعة بالنسبة له موجهة للعوام فرجة وتنفيسا على عكس الأدب العالي. كان يتحدث بهذا الجزم والازدراء للسينما في سبيل إعلاء الأدب والفلسفة. هكذا من غير تفريق ولا تمايز كل شيء سينمائي في سلة المهملات وفق مزاجه الحاد والمنصب جهة الأدب والذي يجعله نقيضاً للسينما... ومثلما أخرج أبو الوليد ماركيز ونجيب محفوظ من عالم الرواية الحقيقية (لا صلة لهما بالرواية) هكذا يكتب في كتابه (مقال حول الرواية) ممجدا روايات القرن التاسع عشر التي كان يقرأها بلغة إنجليزية غالبا، ويترجم الكثير من الأدب الانجليزي، أما القرن العشرين مرذول الرواية بالنسبة له؛ إذ يستثني (دي اتش لورانس).

كان بورخيس يعتبر القرن التاسع عشر قرن الأدب الكبير والأحلام الكبيرة، لكنه لم يطلق أحكاما قطعية من هذا النوع ولا أقل منها، كان كل شيء لديه موضع جدل وسؤال وقراءة.

أبوالوليد يذهب بعيدا في النفي والإقصاء الانتقائي، ونحن كشلة أصدقاء يوميين نحبه بكل شطحاته وأحواله؛ فهو رفيع الثقافة والأخلاق والذوق ونتيجة لرابطة الألفة هذه اقترحنا على أبي الوليد الذهاب معنا لمشاهدة فيلم برجمان (وجها لوجه). بعد المشاهد الأولى لمحناه غارقا في الأقاصي المأساوية لتداعي الصور والشخصيات، الشخصية الرئيسية خاصة المبدعة في هكذا أدوار (ليف أولمان) وهذيان أعماقها الدامي، أسئلتها الوجودية وانهياراتها المتلاحقة. لمحنا أبا الوليد غارقا حتى الثمالة كأنما في عوالم شكسبير وهاردي أو محيي الدين ابن عربي الذي لا يفتأ يتحدث عنه وربما أكثر؛ لأن السينما عبر أدواتها وتقنيتها المتعددة قادرة على تكثيف المآسي والأحزان الكثيرة للبشرية وأفراحها القليلة، خاصة لدى مخرجين من طينة برجمان الذي يقول (إن الأمل لا يأتي إلا من جهة اليأس).

بعد خروجنا وذهابنا إلى منزل طاهر رياض القريب من الصالحية استرخى (أبوالوليد) يوسف سامي اليوسف بقامته الفارعة المتعالية على الأريكة الوثيرة وقال: إن هذا الفيلم عمل تراجيدي بالمعنى البعيد والعميق للكلمة. بداية تصالحٍ مع فن السينما بعد إهمال وقطيعة ونظرة مسبقة. وهناك أدباء عرب كبار عرفتهم لم تكن السينما جزءا من ثقافتهم ووعيهم بأي مستوى وشكل كان.

بعد فيلم برجمان التراجيدي دخلت مع أبي الوليد في سينما الكندي إياها فيلما فرنسيا يحمل عنوان (لكل جحيمه) من تمثيل (ايف مونتان)، (آنا جيراردو) وهو فيلم مأساوي متقن، لكن بالطبع ليس من طبقة أفلام المخرج السويدي الآنف الذكر. أبوالوليد الذي كان يأتي في الإجازات لزيارتي من مخيم اليرموك إلى حي ركن الدين نذهب أحيانا إلى زيارة قبر الفيلسوف (محيي الدين ابن عربي) غير البعيد على سفح قاسيون بعد سوق الجمعة بقليل، ويقف أمام قبر الشيخ الأكبر الأندلسي الولادة والنشأة، السوري الإقامة الأخيرة في حياته المترحلة في آفاق المعرفة والأمكنة، ومن ثم الوفاة تاركاً مئات المؤلفات إرثا خالدا للبشرية. يقف خاشعا مرددا يا شيخي الأكبر يكفيني أنك قلت في الفتوحات المكية (الحمد لله الذي خلق الكون ناقصا وجعل كماله في نقصانه).

***

ذلك الصباح قال لي إبراهيم الجرادي الذي لا يتقادم عليه الزمن في الذاكرة والمحبة والفقد، ثمة فيلم جديد يعرض للمخرج الذي تميل إلى أفلامه أكثر (فريدريكو فيلليني) ذهبت معه إلى سينما لا أتذكر اسمها، لكن ما أتذكره إنها كانت لصق مسرح (الأخوة قنوع). كان الفيلم هو الأخير لمخرجه آنذاك، ربما كان بعده فيلم (صوت القمر). كان الفيلم بعنوان (قائد الأوركسترا) أقصر أفلامه، لكنه يحمل بصمات المخرج الكبير، حول قائد الأوركسترا الذي يمارس عمله ويديره بشكل ديكتاتوري يشبه أي ديكتاتور على رأس دولة من دول العالم. الفيلم ذو طبيعة رمزية وإسقاطات تتجاوز الفرقة وقائدها، وأقرب إلى استراحة في مسار الأفلام الكبيرة المرهقة والمكلفة على كل الأصعدة.

إبراهيم الجرادي لم يعجبه الفيلم وقال: لا يليق بمخرج بلغت شهرته حد الأسطورة أن يطلع بمثل هذا (التهريج)، فيلم مسلوق بسرعة ولا يمت للأفلام العظيمة بصلة. الجرادي خريج الأدب في معهد (جوركي) بموسكو يحتفي كثيرا بأفلام بلدان الشرق الاشتراكي والسوفييتي، ولكن طبعا من خارج المركب الرسمي، تلك التي تذهب أبعد من البروبجاندا للامبراطورية التي تقود البشرية إلى خلاصها ومستقبلها المشرق. بل كان يحتفي بأولئك الخارجين والمارقين على خط الإكراه الرسمي والحزبي لمختلف تجليات الثقافة والفنون وهم كثر سواء ما زالوا يناضلون بشراسة داخل بلدانهم أو أجبرهم القمع الى خارجها، مثل (تراكوفسكي) قبل أن يغادر شاعر السينما و(خريستو خريستوف) و(انجي فايدا) وغيرهم. تراكوفسكي في معظم أفلامه خاصة (نوستالجيا) تلك القصيدة البصرية الشعرية التي تحمل سمو الشعر ونبله كما تغوص في فضاءات التأمل الفلسفي البعيد الغور والدلالات بحواره القليل ومشهديته المدهشة. وكل السينما العظيمة تحمل بعضا من هذه الصفات، ولكل أسلوبه وطريقته في رؤية الوجود والتعبير.

فهي مصدر إغناء للسينما العالمية تلك الأسماء؛ أسماء كثيرة في هذا السياق والجرادي أكثر اطلاعا من غيره. حتى أن سينما الكندي حين تأتي أحيانا بتلك الأفلام المقنعة بقناع العدالة والسياسة يحتشد لمشاهدتها الحزبيون، وهي لا تخرج عن الأطر الدعوية للدولة وطليعتها الحزب القائد ينتقدها الجرادي شفاهة وكتابة، ويقول: إن هذه السينما ليست هي الوجه الحقيقي المعبر لسينما تلك البلدان الثرية.

في هذا السياق أتذكر المركز الثقافي السوفييتي بمنطقة (الدقي) في القاهرة حين كان مشرفا على قاعة السينما العزيز حلمي سالم، ونأتي كل أسبوع لحضور فيلم من أفلامه التي غالبا ما تكون في هذا المسار الرسمي. حين نصل القاعة نسأل حلمي: كيف فيلم الليلة؟ يجيبنا أحيانا: أفضل من الأسبوع الفائت على الأقل فيه سينما. أي أنه يحقق بعض شروط الفن جماليا وإبداعيا، وليس محض بروباجاندا.

آخر مرة أرى فيها العزيز إبراهيم الجرادي كانت في صنعاء أستاذا في جامعتها إبان الدكتور عبدالعزيز المقالح -رحمه الله- الذي سهل للكثيرين المجيء إلى اليمن والتدريس والعمل هروبا من أوضاعهم الخانقة.

سيف الرحبي شاعر وكاتب عماني