عمان الثقافي

شكل الزمن

 

إيميلي توماس / ترجمة: أحمد شافعي -

يرد في موسوعة ستاتفورد للفسلفة أنه «من الطبيعي أن نتصور إمكانية تمثيل الزمن على هيئة خط». فنحن نتخيل الماضي ممتدا وراءنا خطا، والمستقبل خطا خفيا من أمامنا. ونحن ممتطون سهما دائم الحركة هو الحاضر. ولكن هذه الصورة للزمن غير طبيعية. وجذورها لا تتجاوز القرن الثامن عشر، لكن هذه الفكرة رسخت الآن رسوخا عميقا في الفكر الغربي حتى بات يصعب تخيل الزمن على أي نحو آخر؛ إذ تأثر بهذا التمثيل الجديد للزمن كل شيء، من فهمنا للتاريخ حتى السفر عبر الزمن.

ولنرتحل راجعين إلى اليونان القديم. وسط لفائف البردي والتين البنفسجي، كان فلاسفة من أمثال أفلاطون ينظرون في الليل. وقد ربطت أسطورة الخلق عنده، المعروفة بـ «طيماوس»، الزمان بحركة الأجرام السماوية، فتذهب إلى أن الرب «أوجد» الشمس والقمر وبقية النجوم لـ«تلد الزمان». وهي تتبع دوائر في السماء منشئة الأيام والشهور والسنين. و«تجوال» أجرام السماء الأخرى «الكثيرة كثرة مذهلة» تصنع الزمان أيضا. وعندما يكتمل تجوالها جميعا يتحقق كمال العام التام. وفي نهاية هذا «العام العظيم»، تكون جميع أجرام السماء قد أتمت دوائرها، ورجعت إلى حيث بدأت. وفي ألف عام تكتمل دورة الكون. ومع انتشار الفلسفة الإغريقية في أوروبا، انتشرت أيضا هذه الأفكار الخاصة بالزمن. فربط الرواقيون اليونانيون والرومان، على سبيل المثال، الزمن بعقيدة «العود الأبدي» عندهم، وخلاصتها أن الكون يدور في دوائر لا نهائية، فينتهي نارا ليعاود البدء نارا.

رؤى الزمن هذه دائرية: الزمن فيها دورة متكررة، إذ تقع الأحداث، وتمر، وتقع من جديد. ففيها صدى من عمليات الطبيعة، كالليل والنهار، والصيف إلى الشتاء. وفي الغرب، كما يشرح المؤرخ ستيفن جاي جولد في كتاب «سهم الزمن، دورة الزمن» (1987)، سيطرت المفاهيم الدائرية على الفكر العتيق. بل وألمح إليها الكتاب المقدس. فعلى سبيل المثال يرد في سفر الجامعة أن «ما كان سوف يكون...فلا جديد تحت الشمس». ولكن الكتاب المقدس، حسبما يكتب جولد، يحوي أيضا فهما خطيا للزمن يكون فيه الزمان تتابعا أحادي الوجهة من أحداث غير قابلة للتكرار. وانظروا في التاريخ التوراتي: خلق الرب الأرض خلقا واحدا، وأرشد نوحا للنجاة من الطوفان الفريد في فلك واحد، إلى آخر ذلك. ويصف جولد هذا الفهم الخطي للتاريخ بأنه إسهام «مهم ومميز» من الفكر اليهودي. فقد ساعد التاريخ التوراتي في تقوية أفكار الزمن الخطية.

ازدهر المفهومان الدائري والخطي للزمن معا على مدى قرون، وفي بعض الأحيان كان أحدهما يغيم في الآخر. ذلك أننا في نهاية المطاف نعيش في فصول دورية ولكننا نعيش أحداثا غير قابلة للتكرار من قبيل الميلاد والزواج الأول والموت. ومن المهم الانتباه إلى أن الناس في القرون الوسطى والمحدثين لم يكونوا يرون الزمن الدوري في هيئة دائرة بالفعل، أو الزمن الخطي في هيئة خط. أما في عالم المعاطف والتنانير والسترات وحلوى البودنج في القرن التاسع عشر فكان التغير جاريا، وشيئا فشيئا ترسخ نموذج الزمن الخطي وبدأ المفكرون فعليا يرسمون الزمن على هيئة خط. ولإيضاح ذلك أشير إلى أربعة تطورات أساسية.

***

أولا: الكرونوجرافيا [chronography]، وهو فن تمثيل الأحداث التاريخية. يكدح المؤرخون دائما بحثا عن الطريقة المثلى لعرض الأحداث على الورق، ومنذ العصور القديمة كان الحل الشائع هو «الجداول الزمنية»: أي شبكات عرض التواريخ.

وتمثل ابتكار مهم في اختراع «الخطوط الزمنية». ومثلما يشرح دانيال روزنبرج وأنطوني جرافون بالتفصيل في كتابهما الضخم الرائع «خرائط الزمن» (2010) فإن الشكل الحديث للخط الزمني «ذي المحور الأحادي والتوزيع المنتظم المنضبط للتواريخ» قد ظهر في قرابة منتصف القرن الثامن عشر. ففي عام 1765 اخترع العالم والفيلسوف جوزيف بريستلي ـ الشهير بمشاركته في اكتشاف الأوكسجين ـ ما يعد أول خط زمني حديث في العالم.

في كتابه «مخطط السيرة الذاتية» (1765)، يتدفق الزمن من اليسار إلى اليمين، منذ عام 1200 ق. م حتى الوقت الراهن (آنذاك). ثمة أكثر من ألفي خط صغير للغاية ترسم بدقة مضنية مدد حياة بشر منهم أمثال شيشرو والملكة إليزابث الأولى وإسحاق نيوتن. ولأن طريقته في تمثيل الزمن باستعمال الخطوط كانت جديدة للغاية، وجد بريستلي أنه يجب أن يبررها:

«لا بد أن في الرسم المصمم على هذا النحو ميزة فريدة سوف أسعى إلى إظهارها...

يسمح الزمن بالتمثل على نحو طبيعي يسير في أذهاننا بفكرة الحيز القابل للقياس، وبخاصة الخط الذي قد يمتد ـ شأن الزمن ـ طولا، دون أن يعطي أي فكرة عن السعة أو السمك. وبهذا فإن حيزا من الزمن أطول أو أقصر يكون قابلا للتمثيل على نحو أنفع وأنسب من خلال خط أطول أو أقصر».

يصف روزنبرج وجرافتون كتاب «مخطط السيرة الذاتية» بـ«الكتاب الرائد وبنقطة التحول» فـ«في غضون سنوات قليلة، بدأت تنويعات من مخططات بريستلي تظهر في كل مكان تقريبا...وعلى مدار القرن التاسع عشر، بات تصور التاريخ على هيئة خط زمني أقرب إلى البديهة». شاع تأثير بريستلي. فعلى سبيل المثال، أشار وليم بلايفير، مخترع الرسوم البيانية الخطية والشريطية، إلى خط بريستلي الزمني باعتباره من مقدمات عمله. ويوضح روزنبرج وجرافتون أنه في غضون خمسين سنة كان رسم بلايفير البياني الذي استعمل محورا للزمن ومحورا للمؤشرات الاقتصادية من قبيل الصادرات «من أكثر الأشكال الزمنية شيوعا». وبحلول عصر تشارلز ديكنز كانت الخطوط الزمنية شائعة في الكتب والملصقات والصحف.

ويتعلق التطور الأساسي الثاني بـ «التطور». خلال القرن التاسع عشر، ابتكر العلماء النموذجين الدوري والخطي للعمليات التطورية. فعلى سبيل المثال، افترض عالم الجيولوجيا تشارلز لايل أن تطور الأنواع قد يتبع أنماطا قابلة للتكرار على وجه الأرض. وأدى هذا إلى زعمه العصي على النسيان بأنه اتباعا «لدورة المناخ» قد «يرجع التيروصور المجنح للتحليق من جديد في الهواء». غير أنه سرعان ما تلاشت النماذج الدورية مع ظهور عمل تشارلز دارون. فكتابه «أصل الأنواع» (1859) يتصور التطور خطيا. وفيه بالفعل مخططات تصور تطور الأنواع مع مرور الزمن باستعمال خطوط متفرعة ومتشعبة. وتفترض هذه الخطوط للزمن نموذجا خطيا، أي أن الزمن يسري خطيا، على نحو رأسي، من الماضي في أسفل الصفحة إلى الحاضر في أعلاها. ويصف جولد التطور الدارويني بـ«السهم الخطي» بـ«المعنى الأتم»: فـ«هو سلسلة خاصة من الأحداث المعقدة الفريدة غير القابلة للتكرار».

ظهر التطور الثالث في سبعينيات القرن التاسع عشر: وهو التصوير الفوتوغرافي الزمني [chronophotography]. إذ اقتنص هذا الفن الجديد الحركة من خلال صور متتابعة فيبدو وكأن التصوير الفوتوغرافي الزمني يضفي بعدا مكانيا على الزمن من خلال تصويره لعملية زمنية من قبيل جري الخيل منشورة على الصفحة. وفي كتابه الفارق «الحركة» (1894) Le Mouvement، يستهل المصور إتيان جول ماري بعبارة يمكن استلالها رأسا من بريستلي: «يمكن تمثيل الزمن في شكل بياني بخطوط مستقيمة متنوعة الأطوال».

والتطور الرابع والأخير نشأ من الرياضيات، ويتمثل في نظريات البعد الرابع. يدرك البشر الأبعاد المكانية الثلاثة: أي الطول والعرض والارتفاع. أما علماء الرياضيات فطالما افترضوا وجود المزيد. وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر أشاع عالم الرياضيات تشارلز هينتون هذه الأفكار، ومضى إلى أبعد من ذلك. فلم يذهب فقط إلى أن للمكان بعدا رابعا، بل قال إن الزمن هو البعد الرابع. ذهب هينتون إلى أنه بسبب الحدود المفروضة على الوعي البشري، نتصور الأجسام رباعية الأبعاد باعتبارها أجساما ثلاثية الأبعاد تتعرض للتغير. في حين أن الواقع بالفعل هو فضاء رباعي الأبعاد لا يتغير. وما نراه باعتباره الزمن إن هو إلا مكان لا ندركه على النحو الواجب. فالعالم «كلٌ هائل، يتجاور فيه كل ما كان وكل ما سيكون». ولا يصف هنتون الزمن بالخط لكنه يصفه ضمنيا بأنه بعد مكاني، بما يعني أنه عند النظر إلى الزمان منفردا فإنه سيكون على هيئة خط. وسرعان ما تم استيعاب عمل هينتون في القرن التاسع عشر، وسرعان ما بدأ مفكرون آخرون في تسعينيات القرن التاسع عشر يعرفون البعد المكاني الرابع بالزمن.

***

بحلول أواخر القرن التاسع عشر، لم يعد تمثيل الزمن على هيئة خط شائعا وحسب، بل صار طبيعيا. وصار من الصعب، كشأننا اليوم، أن نتخيل طريقة أخرى لتمثيل الزمن. وكان لهذا أثره على فهم البشر للعالم.

في التاريخ، ساعد فهم الزمن بوصفه خطا على تعزيز فكرة أن الإنسانية تحقق تقدما. وجوزيف بريستلي الذي اخترع لنا الخط الزمني مسئول جزئيا عن هذا. فقد أعد الرجل يوما قائمة بالاختراعات التي جعلت البشر أسعد، فمنها طواحين الدقيق والكتان والساعات وزجاج الشبابيك. ودلل كتابه «مخطط السير» على هذا المنحى الإيجابي للتقدم البشري، إذ صنف البشر في مجاميع من قبيل «الفنانون والشعراء» و«علماء الرياضيات والفيزياء» و«الدينيون والميتافيزيقون». ولو أنكم رجعتم إلى مخططه لرأيتم أنه بتقدم الزمن تظهر أعداد متزايدة من أولئك. فأكد هذا اعتقاد بريستلي بأن الإنسانية ماضية إلى الأفضل.

في العصر الفكتوري، ازداد الاعتقاد بالتقدم، وعززه التطور العلمي والتكنولوجي السريع. فقد شهد العصر اختراع أنظمة السكة الحديدية والمصابيح الكهربائية والتلغراف والآلة الكاتبة والثلاجة والهاتف. وزعم المؤرخ توماس ماكولاي أن «تاريخ إنجلترا هو تاريخ التقدم بامتياز». وحظيت هذه السرديات بمزيد من الدعم من خلال أفكار التطور الدارويني.

تماثل مخططات التطور الدارويني الشجر بفروعه المنشعبة. ومثلما يوضح مؤرخ العلوم بيتر باولر، فإن هذا يشير عن حق إلى أن «التطور ليس له خط أساسي ولا غاية معينة بالتبعية»: «فالسلالة البشرية ليست نتاجا حتميا للتطور الحيواني، ولكنها سلالة استثنائية تشكلت بفعل مزيج فريد من الظروف التي فرضت على أسلافنا فرضا». ومع ذلك، أكد داروين أن «أصل الأنواع» يمكن تأويله باعتباره قائلا بالتقدم progressivist. فالكتاب على سبيل المثال ينص صراحة على أن أشكال الحياة «تنزع إلى التقدم صوب الكمال». وقد قبل أهل العصر الفكتوري هذا عن طيب خاطر فأدرجوا التطور في قصة التقدم الكبيرة عندهم. وباتوا يصورون التطور الدارويني لا شجرة كثيرة الغصون ولكن سهما، وبمرور الوقت تطورت الأنواع خطيا من الأقل كمالا إلى الأكمل.

وفي الفلسفة، أدى تصور الزمن خطا إلى جدل بين المفكرين على حقيقة الماضي والمستقبل. ولتتصوروا خطا: جميع أجزائه، أي جزيئات الحبر التي تؤلفه، موجودة. حينما نتصور الزمن خطا، يفضي بنا هذا إلى الظن بأن جميع أجزائه أيضا موجودة. في سبعينيات القرن التاسع عشر، انشغل الفيلسوف الألماني هيرمان لوتزه بهذا إذ يكتب «إننا نتكلم عن الزمن بوصفه خطا، لكن مفهوم الخط يتعلق بواقع ينتمي بالتساوي إلى جميع عناصره. في حين أن الزمن لا يوافق هذا». ولو أن الزمن خط، في رأي لوتزه، لما حقَ أن يكون فيه إلا نقطة واحدة: هي الحاضر.

شهدت الفلسفة في أوائل القرن العشرين نشوء جدالات كبيرة على حقيقة الماضي والمستقبل. وفي رأيي أن هذه الجدالات نجمت عن فكرة الزمن الجديدة بوصفه خطا. في جانب وقف أمثال لوتزه الذي ذهب إلى أنه لا وجود إلا للحاضر. وذهب هنري برجسون إلى أنه لا حقيقة للمستقبل، طاعنا في المفهوم الخطي للزمن. ويذهب بحماس في كتابه الأول «الزمن والإرادة الحرة» (1889) إلى أن «الزمن ليس خطا»، وإبراز النفي من عندي. ومن الطريف أن البحث عن كلمة «خط» في ترجمة كتابه الإنجليزية يفضي إلى الصفحة التي يرد فيها أن «الزمن ليس...». ولاحقا يهاجم كتاب «التطور الخلاق» (1907) لبرجسون فنون الفوتوغرافيا الزمنية والسينماتوجرافيا الجديدة لعجزها عن قنص طبيعة الزمن الحقيقية. ويكتب الفيلسوف الفرنسي أن «ما تتلقاه أعيننا من جري الحصان في الأساس إن هو إلا...قالب فريد متميز». وعلى النقيض «يعرض التصوير الفوتوغرافي الفوري» جري الحصان مكانيًّا فلا يصوره إلا بوصفه محض «تنويعات كمية». فالعين المجردة ترى في جري الحصان قالبا تعجز عن رؤيته الفوتوغرافيا.

***

في الجانب الآخر من هذا الجدال أمثال الفيلسوفة البريطانية فكتوريا ويلبي التي اعتمدت على التصوير الفوتوغرافي الزمني والبعد الرابع لتحتج بأن الزمن مكانيٌّ فعلا. فالماضي حقيقي بقدر ما أن قطعة الأرض التي رحلنا عليها حقيقية، والمستقبل حقيقي بقدر البلد الذي ينتظرنا «تحت أفق معين». وبالمثل، ذهب برتراند راسل إلى أنه «لا بد من الاعتراف بحقيقة الماضي والمستقبل بمثل حقيقة الحاضر». ويستند راسل إلى قوالب فنية جديدة إذ يصف رؤيته في اعتزاز بأنها «سينماتوجرافية». وذهب زميله صمويل ألكسندر أيضا إلى القول بحقيقة الماضي والحاضر والمستقبل عارضا نظرة سينماتوجرافية مماثلة. ويذهب ألكسندر إلى أننا إن استطعنا أن نرى العالم على النحو الصحيح لرأينا أن الأحداث الماضية لا «تتلاشى» ولكن غايتها أنها «تتراجع على الفيلم» وأن حاضرنا لا يعدو تقدما إلى الأمام على شريط فيلم هو الحقيقة.

بالطبع، كان أفضل تطور نجم عن تصور الزمن خطا هو السفر عبر الزمن. وقد تخيل الناس أنهم يزورون الماضي أو المستقبل بطريقة أو بأخرى عبر القرون ـ بواسطة الأحلام أو الرؤى ـ لكن إتش جي ويلز منح الأمر منحى جديدا كليا وعلميا. ففي روايته «آلة الزمن» (الصادرة سنة 1895) اعتمد مباشرة على بُعد هينتون الرابع ليشرح إمكانية السفر في الزمن. وعلى حد قول مسافره الخيالي عبر الزمن:

«ثمة في الواقع أربعة أبعاد، ثلاثة نسميها مستويات المكان الثلاثة، والرابع الزمن. غير أن لدينا نزوعا إلى الفصل غير الواقعي بين الأبعاد الثلاثة سالفة الذكر والأخير، لأن وعينا يتحرك بشكل متقطع في اتجاه واحد مع البعد الأخير حتى نهاية حياتنا».

«وهذا في الواقع هو المقصود بالبعد الرابع...إنه طريقة أخرى للنظر إلى الزمن».

بعد عقود، وصف ويلز جوهر روايته فقال إنها «الفكرة القائلة بأن الزمن هو البعد الرابع وبأن الحاضر الطبيعي هو قطاع ثلاثي الأبعاد من عالم رباعي الأبعاد». وهذا هو كلام هنتون المحض وقد صيغ صوغا آخر.

وعن طيب خاطر تتصور «آلة الزمن» الزمن خطا:

«أهل العلم...يعلمون تمام العلم أن الزمان محض مكان من نوع ما. إليكم مخططا علميا شائعا، هو سجل الطقس. هذا الخط الذي أمر عليه بإصبعي يبين حركة البارومتر. بالأمس كان عاليا للغاية، وليلة أمس انخفض...مؤكد أن الزئبق لم يتبع هذا الخط في أي من أبعاد المكان المعروفة بصفة عامة؟ لكنه يقينا اتبع هذا الخط، وهذا الخط من ثم، وكما ينبغي أن نستنتج، كان قائما في البعد الزمني».

لقد تشكل خط البارومتر عبر الزمن، بما يجعله بعدا آخر من أبعاد المكان. وبالطبع، في قصة ويلز، فإن تصور الزمن بوصفه رابع أبعاد المكان ييسِّر السفر عبر الزمن. فمن شخصياته من يذهب إلى أنه «بالإقرار بأن الزمن بعد مكاني...يصبح السفر في الزمن ممكنا». وبعد ويلز، انفجرت قصص السفر في الزمن حتى أن أحد النقاد لقّبه بـ«رائد أدب السفر عبر الزمن».

واليوم يبقى تصور الزمن بوصفه خطا أمرا شائعا فينا. فالخطوط الزمنية حاضرة في كل مكان: في تاريخ التطور، وفي تاريخ ألعاب الفيديو، وفي تاريخ الشوكولاته. بل إن ثمة خطا زمنيا للخط الزمني. ولا تزال آثار هذه الخط الفكري (والاستعارة مقصودة) حاضرة فينا. فلا يزال الفلاسفة يتجادلون حول حقيقة الماضي والمستقبل: وحسبكم النظر في مقالة موسوعية وافية عن الحاضرية Presentism أي «الرؤية القائلة بأن الأشياء الحاضرة هي الموجودة فقط». وقصص السفر في الزمن وفيرة. منها «الرجوع إلى المستقبل» و«عيد جراوندهوج» و«زوجة المسافر عبر الزمن». وإذا كان المؤرخون قد أسقطوا إلى حد كبير من حساباتهم اعتقاد العصر الفكتوري بتقدم الإنسانية، تبقى بعض قصص التقدم في مجالات معينة حاضرة، ومنها مثلا هذا الخط الزمني الذي يصور التقدم التكنولوجي الواضح عبر الزمن، وكل هذه الأفكار تدفعها فكرة بأن الزمن خط. ولو كان لنا أن نعيد صياغة فكرتنا عن الزمن، فلعل هذه الأفكار الأخرى تجد نفسها وقد تشكلت في قوالب جديدة.

إيميلي توماس أستاذة الفلسفة بجامعة دورهام بالمملكة المتحدة.

نشر المقال في مجلة آيون بتاريخ 16 يناير 2026