التعليم ضد القراءة
الأربعاء / 8 / شعبان / 1447 هـ - 10:01 - الأربعاء 28 يناير 2026 10:01
جوان كارلس ميلتش / ترجمة - حسني مليطات -
يَنظر التقليد الفلسفي، الذي هيمن على الثقافة الغربية خلال أكثر من ألفي عام، إلى العلاقة بين الحالة الإنسانية والقراءة وكأنها علاقة مُضرّة. نتذكر أنّ أفلاطون، في محاورته لـ«فيدروس»، رفض الكتابة لصالح المشافهة. فالفيلسوف الأثيني يخشى من أنْ تؤدي القراءة إلى تدمير القوة الأساسية لكل تربية، الممثلة في: الذاكرة. أما تلميذه أرسطو، فعرّف الإنسان بأنّه كائنٌ يمتلك اللوغوس (المنطق، والكلمة، واللغة)، ويعيش في «البوليس» (المدينة أو الثقافة)، من دون الاهتمام بأي فعل قراءة كان. وفي العصر الحديث، شدد ديكارت على قيمة القراءة، ويرى أنّ التعليم يبدأ في المدرسة بحوار مع الأسلاف -دراسات الأعمال الكلاسيكية-، غير أنّ ذلك لا يعدو أن يكون مرحلة أولى مؤقتة، ليصبح من الضروري، فيما بعد، الانتقال إلى مرحلة ثانية، تتمثّل في مغادرة الفضاء المغلق للمكتبة، وبدء رحلة تعليمية لتعليم القراءة في الكتاب العظيم للعالم. وأخيراً، لا يمكن تجاهل جان جاك روسو، أبي التربية الحديثة، المعروف بصراحته وقوله للحقيقة من دون مواربة، الذي منع القراءة عن إميل، بطل روايته المتخصصة بالتربية والتعليم. لم يسمح روسو لابنه بقراءة أي عمل، باستثناء «روبنسون كروزو». وهكذا، أصبح الفيلسوف الجنيفي أبرز دعاة فلسفة التعليم المناهضين للقراءة، التي تُعتبر، وفق وجهة نظره، “آفة الطفولة”، والمناهضين للذاكرة («لن يتعلم إميل شيئاً عن الذاكرة»).
وفي التاريخ الغربي، حظيت الرؤية والنظرية (تشترك النظرية، والفكرة، والمسرح، في أصل دلالي واحد) بالأولوية على السمع والكتابة. وهذا ما يُميّز التعليم المُتجذّر من الميتافيزيقا اليونانية، أما في العالم اليهودي المسيحي فالأمر مختلف. ويُعتبر التوحيد (بصيغه المختلفة) شكلٌ من أشكال الدين القائم على كتاب؛ فمن دونه لا وجود لتوحيد يُعتدُّ به. «في البدء كانت الكلمة» (يوحنا 1)، وكُتبت الكلمة، وجُمعت في كتب (الأناجيل) مُقدّسة. ومن المهم التأكيد على حقيقة أنّ الغرب يتحرك دائماً بين هذا الرابط (غير الناجح) بين أثينا والقدس، ومن المهم ألا ننسى بأنّ المسيحية دينٌ موروث من اليهودية، ولكنه كُتب باللغة اليونانية. وبهذا، فإنّ شخصية يولس الطرسوسي تلعب دوراً محورياً. ومع ذلك، فإنّ وضع القراءة في محور التعليم يُثير، ومن دون شك، العديد من المشاكل، مثل: التأويل/التفسير: كيف نُدرك المعنى الحقيقي للكتاب؟ كيف نتأكد من صحة القراءة؟ كيف نكتشف ما قصده المؤلف؟ أو: ما هي الأعمال التي ينبغي توريثها للأجيال الجديدة؟ وأي النصوص ينبغي قراءتها مراراً وتكراراً، وحفظها؟
واليوم، تُبذل جهود حثيثة لتشجيع القراءة في التعليم (سواء في المنزل، أو في المدرسة)، وكثيراً ما يُقال إنّ الشباب لا يقرأون. ولكن، ربما لا يقتصر السؤال على إنْ كانوا يقرؤون أم لا، بل على كيف يقرؤون، والأهم: ما الذي يقرؤونه. ومن البديهي الاعتراف بأنّ قراءة هوميروس، أو ثربانتس، أو شكسبير، أو ديكنز، أو كافكا، أو فرجينيا وولف، تختلف عن قراءة أعمال ج. ك. رولينغ، أو أعمال ريبيكا ياروس، على سبيل المثال. وعند الحديث عن أرقام مبيعات الكُتب، أو عن مُعدلات القراءة، هل يُؤخذ في الحسبان «النصوص المرموقة» (التي تحدثت عنها ماريا ثامبرانو)؟. في الجامعة، على سبيل المثال، لم يعتد الطلبة على قراءة الكُتب كاملة، بل على قراءة المقالات، أو فصول من كُتب، أو مختارات، ولم تعد هناك مقررات يُدرس فيها عمل ما دراسة حفرية/عميقة، خلال الفصل الأكاديمي الواحد كله.
ولفهم أهمية قراءة عمل كلاسيكي ما، لا بُد من تأمل معناه. فعمل من هذا النوع ليس مجرد «أداة» أو «وسيلة»، كالمطرقة مثلاً، بل هو عالمٌ، كما أنه ليس مجرد شيء يبحث فيه القارئ عن معلومات، أو عن دليل يتضمن حلاً لمشكلة ما، بل هو منظور للعالم، إنه عبارة عن «مشهد»/ «فضاء» معرفي. إنّ النص «المرموق» أشبه بجسر فوق مياه مضطربة، يربطُ -بشكل مُتنافر دائماً- بين الفضاءات، والأزمنة، والتواريخ. يُذكّر العملُ الكلاسيكي القارئَ بأنه لن يبدأ، أبداً، وهو خالي الوفاض، فلكل حاضر ماضٍ، ولا يبق شيء على ما هو، وليس كل شيء ممكناً. لا يتحدث النص «المرموق» عن «الحالية»، بل يتحدث عن الحاضر نفسه، وبالتالي، يمكن، بل يجب، إعادة قراءته من منظور الحاضر؛ لأنه في كل مرة يقول «شيئاً جديداً»، و«بطريقة مختلفة». وبعيد عن كونه دليلاً إرشادياً للمساعدة الذاتية، الهادف إلى إسعاد الناس، يُزعزع العمل الكلاسيكي الوجودَ، ويحوّل الحاضر إلى “اللاحالية”، أو إن جاز التعبير، يُنشئ الحاضر “فجوةً” بينه وبين “الحالي”، ولذلك، يبقى الحاضر “معاصراً”. لا يوجد كتابٌ أكثر معاصرةً من الكتاب الكلاسيكي؛ لأنك لا تُدرك أنوار الحاضر فحسب، بل ظلاله. ويكون النص معاصراً إذا استطاع كشف تباين الضوء والظلال في الحياة اليومية، وتُعرّف على ظلامها المكنون. وبسبب اللامبالاة في قراءة الأعمال الكلاسيكية، تُعمى التربية بنور الشمس الساطع خارج الكهف، بدل أن تكون حساسة لضوء آخر، ضوء النار، الذي يومض على «مسرح الوجود».
من الضروري التأكيد على فكرة غُفل عنها إلى حد كبير، لاسيما منذ العصر الحديث: لا يمكن تصوّر التراث الغربي أو تخيّله بعيداً عن العلاقة البنيوية بين الإنسان والكتاب. شئنا أم أبينا، فنحن ورثة المكتبة، وهذا تأكيد على أن البشر كائناتٌ نحوية، كائنات لها كتب، وقصص، وتاريخ. وكما كتب شكسبير في مسرحية “مكبث”، فإنّ الحياة “ظلٌّ يمشي”، ممثل بائس عليه أنْ يُعيدَ بناء حبكة وجوده ارتجالاً، استجابة للأحداث التي تعترض طريقه، دون أن يغيبَ عن ناظريه النص والمكتبة التي ورثها، والتي تركت فيه أثراً، بل ندبة لا تزول أبداً.
ويعني التفكير في الحالة الإنسانية، وعلاقتها مع الكتب والمكتبات، التأكيد على أنّ المسارح، والحبكات، والمواقف، والشخصيات، منقوشة في وجدان الإنسان منذ بدايته. صحيح أنّه لا فكر من دون لغة، ولكن لا فكر أيضاً من دون قراءة، أو نصوص مرموقة. يعتقد أفلاطون أنّ الفكر محاورة النفس مع ذاتها (كما أشار في محاورته مع ثياتيتوس)، ولكن الكتاب المُقدّس صحح هذا الرأي الأثيني. فـبالنسبة للفيلسوف اليهودي إمانويل ليفيناس، يبدأ التفكير من الخارج، من صدمة ما، ويكون الكتاب المكوّن المعرفي الذي يثير التساؤلات والمشاكل التي تفضي إلى التفكير. لعل ما أغفله التعليم الغربي هو أنّ القراءة ليست فك رموز، وإنما هي صدمة، وقطيعة، وتنطوي القراءة على مخاطرة الخروج من الذات نفسها. وعبّر فرانز كافكا عن هذا الأمر، بشكل واضح، في رسالة معروفة إلى أوسكار بولاك، يقول فيها: “الكتاب كالفأس الذي يكسر البحر المتجمد الذي في داخلنا”. ومن الواضح أن ليس كل الكتب تستوفي هذه الخاصية التحويلية؛ لأنّ القراءة تعتمد أيضاً على اللحظة التي يقرأ فيها القارئ الكتب، ومن هنا تبرز أهمية الكلاسيكيات، التي لا تنتهي قراءتها أبداً، ولا تفرغ من قول ما تريد قوله. ولا يمكن لأي تكوين ثقافي أو معرفي أن يتجاهلها أو يستبعدها.
وفيما يتعلق بالكلاسيكيات، فيبدو أنّ المشهد الراهن في المجتمع التكنولوجي مُحبط. فثمة حاجة ملحة وضرورية إلى تعليم يكفّ عن الهوس في استخدام -بل إساءة استخدام- التقنيات الجديدة، وقواعدها: الكفاءات، والأدلة، والابتكار، وأن يبدأ، بدلاً من ذلك، بالتفكير في المكتبة، وقيمتها، وأهميتها. تكمن المأساة اليوم في أننا لا نقرأ، ونبحث عن المعلومة، لا نكتب، ونحرر النصوص، لا ندرس، وننجز البحوث. لقد حلّ البحث، وتحرير النصوص، وجمع المعلومات، محلّ القراءة والكتابة، والدراسة.
في المجتمع التكنولوجي لا يوجد «علاقات هرمية»، ولا «علاقات تقديرية»، مبنية على الإعجاب، والاحترام، والتبجيل. ومع ذلك، فمن دون احترام، وسلطة، لا يوجد تعليم. فالسلطة، اليوم، تُعتبر قوةً، ومن هنا، تكمن صعوبة العثور على مُدرسين. وبذلك، تبدو قضايا مثل: احترام العظماء، والشخصيات المعروفة من المستبعدات. وهذا ما يجعلنا نتذكر ما قاله إف. إكس. كابوس في «رسائل راينر ماريا ريلكه إلى شاعر شاب»: عندما يتحدث شخص عظيم ومعروف، على الصغار أن يسكتوا.
إنّ قراءة عمل كلاسيكي ما يضعنا في المكتبة، في تراث لغوي، كما يخرجنا، في الوقت نفسه من منطقة الأمان. وهذا يعني أنّ الإنسانية لها شروطها، لكن ليست محددة بمكان ميلادها، وإنما بعلاقتها مع زمن، ومكان، وتاريخ، يتجاوز، ويتخطى نطاق المألوف. تُتيح قراءة عمل كلاسيكي ما الانتقال من أنثروبولوجيا المكان، إلى أنثروبولوجيا العالم، وتمكننا من الانفصال عمّا هو ملكنا، وعمّا هو مألوف، والعيش في الآخر، وفيما هو غريب جذرياً. إنّ السماح للكتب المرموقة بتشكيل شخصياتنا، يعني التفكير في التعليم كمغامرة غير متوقعة، وكرحلة إلى المجهول. المغامرات مقلقة، ولكنها ضرورية، كتب فالتر بنيامين في مستهل كتابه «طفولة برلينية في مطلع القرن العشرين»: «التعلّم على الضياع في المدينة، مثل الضياع في الغابة». وما يُميّز التكوين المعرفي التعليمي الحقيقي هو الغموض واللا يقين؛ فهذا هو الفرق الوحيد بين التعليم والتلقين.
القراءة رحلة إلى وجهة غير معروفة. ولذلك، فإنّ التكوين المعرفي والتعليمي الذي يُعطي القراءة أولوية يضع بيداغوجيا الكفاءات السائدة موضع تساؤل. لا يمكن أن نعرف المدة الفعلية لكل قراءة، ربما لأنّ فعل القراءة نفسه لا نهاية له، وبالتالي لا يمكننا أن نعرف النتيجة النهائية؛ لأنّ غاية الوصول إلى معرفة الأعمال الكلاسيكية غير محددة مُسبقاً. وبما أنّ ثمرة القراءة غير يقينية، فإنّ معرفة الأعمال الكلاسيكية ستكون تعليماً يتمحور حول حكمة نابعة من اللا يقين. اليوم، نعيش في زمن تُقلّل فيه المدارس من شأن النصوص المرموقة، وبذلك، فهي تتجاهل الحكمة.
وأكد مارك فومارولي في كتابه الموجز “تعليم الحرية”، على أنّ قراءة الأعمال الكلاسيكية ينبغي أنْ تُزوِّدَ الشباب بمراجع توجه أحكامهم الشخصية من دون أن تُقيّدها. وتكمن أهمية قراءة تلك الأعمال ومؤلفيها في تقديم إطار واضح، وصور قوية للأجيال القادمة. ونضيف إلى ذلك حكمة اللايقين عند ميلان كونديرا. إنّ قراءة الأعمال الكلاسيكية ومعرفتها، جزء لا يتجزأ من تعليم يتمحور حول اللايقين والغموض.
في محاضرته الافتتاحية لـ“كرسي الأدب الفرنسي الحديث والمعاصر”، التي ألقاها يوم الخميس، الموافق 30 نوفمبر 2006، وعنوانها “لم يصلح الأدب؟” تحدث أنطوان كومبانيون عن أنّ الأدب -كما يقول- يُثير الحيرة، والاضطراب، والتضليل، والضياع، أكثر من الخطابات الفلسفية، والاجتماعية، والنفسية؛ لأنّ الأدب يميل إلى المشاعر والتعاطف. وبذلك، يكتشف الأدب جوانب من التجربة، تتجاهلها الخطابات الأخرى، بينما يُدركها الخيال بأدق تفاصيلها. يُحررنا الأدب من نظرتنا التقليدية للحياة، ويُفكك حسن ضمائرنا. في قراءة النصوص المرموقة، لا نجد حقائق كونية، ولا قواعد عامة، ولا أمثلة قاطعة. يتصرف الأدب بطريقة تختلف عن الوصايا والأمثال. فهو لا يُقدّمُ معرفة محددة، ولا إحساساً بالواجب. القراءة عبارة عن تمرين فكري، وتجربة للإمكانات.
العزلة، الصمت، الذاكرة
إنّ الضعف في قراءة النصوص المرموقة ضعفٌ في التفكير. فالتفكير ليس حديثاً مع النفس، في عالمها الداخلي، وإنما هو حوار مع الأعمال الكلاسيكية، والقراءة، مثل التفكير، تتطلب الصمت، والعزلة، والذاكرة، وهي أمور يصعب إدراكها. فالعزلة، والصمت، والذاكرة، تُهيء الجو المناسب لدراسة إرث النص المرموق، الذي يحمل في طياته ما ينبغي أن يقوله؛ لأنّ معناه لا يعتمد على نفسه فحسب، ولا على السياق الذي كُتب فيه، وإنما يعتمد أيضاً على حياة القارئ. إنّ العمل الكلاسيكي كتابٌ يُقرأ، ولكنه، قبل كل شيء، يُعاد قراءته.
لا يمكن فهم الحاضر إلا من منظور الماضي، لكن الخطر الفعلي يكمن في أن الحاضر اليوم استبدل واختلط بـ الآنية، فالآنية هي الانقطاع، بينما الحاضر هو تسلسل زمني، وبالتالي، فهو مرتبط بالماضي. لا يُبنى التكوين المعرفي للأعمال الكلاسيكية على الماضي، وإنما على الزمن. وسواء كان ذلك خيراً أم شراً، فنحن أبناء الزمن، حتى وإن انتهى بنا المطاف، كما في لوحات غويا، عندما ابتلع ساتورن ابنه. ولا شك أنّ هذا خطر، لا بُدّ للتعليم أن يواجهه.
علينا أن نتذكر بأنّ قراءة الأعمال الكلاسيكية ليست سهلة، فهي تتطلب منا وقتاً ومكاناً مناسبين. إنّ صعوبة قراءة نص مرموق ما هو الذي يسبب الملل والضجر عند الطلبة وبعض الأساتذة على حد سواء. يبدي النص المرموق مقاومةً، ولذلك، من الضروري قراءته ببطء، مع التوقف، بين حين وآخر عند نهاية كل فقرة، وأحياناً، قد يتطلب الأمر، العودة إلى القراءة من البداية مرة أخرى. وخلافاً لإحدى أكثر المُسلّمات شيوعاً في المناهج التعليمية المعاصرة، فإنّ العنصر الأهم في العلاقة التعليمية ليس الطالب، ولا المعلم، وإنما الكتاب نفسه، الذي قد يكون صعب القراءة أحياناً، ولكن هذه الصعوبة هي التي تجعله كتاباً مرموقاً.
جوان كارلس ميلتش مفكر وأكاديمي إسباني، أستاذ الدراسات الفلسفية في جامعة أوتونوما في برشلونة.
حسني مليطات أستاذ النقد والأدب المقارن في جامعة صحار