مينيابوليس وغزة .. لغة عنف واحدة
ترجمة: أحمد شافعي
الاثنين / 6 / شعبان / 1447 هـ - 20:59 - الاثنين 26 يناير 2026 20:59
أجلس الآن كل يوم إلى جهاز الكمبيوتر، وأسأل نفسي: ما الذي بقي لي فأقوله عن أكثر أمرين يعنياني؟ أحدهما يجري في مدينتي على ضفاف نهر المِسيسيبي، والآخر يجري في الضفة الغربية لنهر الأردن، وعلى كلتا ضفتي وادي غزة.
أي فيديو ينبغي أن أتمهل أمامه أكثر من سواه: صور ريني جود، وقد أصابها ضابط من إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس بطلقة في الوجه بينما تحاول بوضوح أن تخرج من الموقع، أم فيديو إطلاق عملاء فيدراليين يوم السبت الرصاص على جيفري بريتي ممرض العناية المركزة بعد أن حاول مساعدة امرأة كانت تتعرض لرذاذ الفلفل، أم لعله فيديو يوم الأربعاء الذي يظهر فيه ما بعد ضربات إسرائيلية أسفرت عن مقتل ثلاثة صحفيين فلسطينيين ضمن آخرين في غزة يعملون لحساب لجنة توزع المساعدات المصرية وتوثق توزيعها في معسكر للنازحين، أم لعله فيديو لحماس إذ تعدم منافسين وترفض الاستسلام برغم أن الحرب التي بدأتها الجماعة في السابع من أكتوبر سنة 2023 لم تسفر عن شيء إلا الوبال على الفلسطينيين؟
تشترك هذه الأخبار في عناصر أكثر مما قد تتخيلون؛ فكلها في رأيي نتاج قادة بشعين يؤثرون الحلول العنيفة السهلة على العمل الجاد القائم على حل المشكلة من خلال التفاوض. هؤلاء القادة يرون أن القبضة الحديدية هي النهج الأمثل للفوز في انتخاباتهم القادمة: الرئيس ترامب في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي ينتظر أن يدعو للانتخابات في الوقت نفسه تقريبا، وحماس في سعيها اليائس إلى قيادة الحركة الفلسطينية فيما بعد الحرب برغم خسارتها في الحرب.
وتشترك حماس وإدارة الهجرة والجمارك الأمريكية في سمة بارزة لم أحسب قط أن أراها في الولايات المتحدة، وهي أن جميع جنودها تقريبا يرتدون الأقنعة.
وقد علمتني خبرة عملي الصحفي في الشرق الأوسط أن من يرتدون الأقنعة إنما يهمون بعمل أمر قبيح لا يريدون أن تلتقط العدسات وجوههم وهم يقومون به. وقد رأيت ذلك مرارًا في بيروت وفي غزة، ولم أتوقع قط أن أراه في مينيابوليس. فمنذ متى شعرت قوات الشرطة المحلية في أمريكا المسؤولة عن الدفاع عن الدستور وسيادة القانون بأن أفرادها بحاجة إلى إخفاء هوياتهم؟
أفهم سبب ارتداء مقاتلي حماس الأقنعة؛ فأيديهم ملطخة بدماء كل من الإسرائيليين والفلسطينيين، وهم يخشون الثأر، لكنك إن وضعت صورة لضابط في إدارة الهجرة والجمارك بجانب مقاتل من حماس في امتحان أخبار فأتحدى أن تميز بينهما. فهذه رسالة إلى وزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم: هذا الأمر لا يبدو جيدًا. ما الذي تخفينه؟
لقد كان واضحًا أن جود وبريتي حاضران بوصفهما مراقبين ـ يحاولان الدفاع عن غيرهما ـ، فانساق كل منهما إلى الفوضى، وتلقى طلقات من مدى قريب أطلقتها عناصر أمنية ما كان لها أن تضغط الزناد. غير أن فريق ترامب يصر على أن إدارة الهجرة والجمارك لا تلام في شيء. وما هذه بالطريقة التي تقام بها الشرعية لجهود حكومية رامية إلى تعقب المهاجرين غير الشرعيين وترحيلهم.
غير أن غريزة «الإطلاق، والاستعداد، والتصويب» إرث أخلاقي فاسد عن حرب إسرائيل في غزة. لقد عمل أحد الصحفيين الفلسطينيين القتلى في الغارة الإسرائيلية الجوية يوم الأربعاء، ويدعى عبد الرؤوف شعث، لسنين مصورا في شبكة أخبار سي بي إس ومنابر إعلامية أخرى، والآخران كانا صحفيين محليين هما صلاح قشطة وأنس غنيم. ويقال إنهم كانوا مكلفين بتصوير توزيع مساعدات لجنة الإغاثة المصرية عندما تعرضت سيارتهم للاستهداف.
فعلا؛ أكانت تلك هي الطريقة الوحيدة للتعامل مع الموقف خلال وقف إطلاق النار؟ إطلاق غارة جوية فورية، ثم طرح الأسئلة لاحقا؟ هل بوسع إسرائيل أن تغتال علماء نوويين في إيران في جنح الليل على بعد ألف ومائتي ميل، لكنها لا تستطيع أن تميز في جوارها بين صحفي ومقاتل وفي وضح النهار؟ إنه لعار. ويأتي هذا بعد شهور فقط من قتل القوات الإسرائيلية صحفيًا في رويترز يدعى حسام المصري على درج مستشفى ناصر في غزة في شهر أغسطس.
لقد اعتذر نتنياهو عن واقعة القتل الأسبق. أما في ما يخص الصحفيين القتلى في الأسبوع الماضي؛ فأصدر الجيش الإسرائيلي بيانًا مكرورًا يقول: إن القوات تعرفت على «العديد من المشتبهين الذين قاموا بتشغيل طائرة مسيرة مع حماس»، ووجهت «ضربة للمشتبهين الذين قاموا بتشغيل المسيرة»، وأضاف البيان أنه تجري مراجعة التفاصيل، وهذا ما يقولونه دائما، وهكذا تفقد أمة وجيش روحهما.
ولكن هذا هو ما يحدث بالفعل: نتنياهو يعمل على إعادة انتخابه، وإسرائيل في الوقت الراهن تحتل قرابة 53% من قطاع غزة مع سيطرة حماس على الـ47% الباقية.
وترامب ـ بمساعدة مصر وقطر وتركيا ـ يدفع حماس إلى نزع السلاح، ورحيل قادتها، وتحويل المنظمة إلى كيان سياسي محض. وفي المقابل يتوقع ترامب من إسرائيل أن تبدأ الانسحاب إلى حدودها.
يعلم نتنياهو أنه في حال خوضه الانتخابات في ظل احتفاظ حماس بنفوذ سياسي في غزة وانسحاب الجيش الإسرائيلي فإنه سوف يتعرض لهجوم وحشي من متطرفي أقصى اليمين من أعضاء ائتلافه؛ فهؤلاء الحلفاء لا يريدون فقط البقاء في غزة، وإنما يريدون ضم الضفة الغربية.
ولذلك يريد بيبي أن تستمر الحرب، ويريد أن يستفز حماس فتقاتل؛ لكي لا يضطر إلى الانسحاب.
في الوقت نفسه تتشبث حماس بالسلاح لتحافظ على سيطرتها القائمة على الأرض. وحتى في حال اضطرارها إلى التحول إلى كيان سياسي فسوف تفعل أي شيء في طاقتها لاختطاف حكومة التكنوقراط الفلسطينية التي يحاول ترامب تنصيبها.
ولنرجع إلى الوطن حيث يبدو أن ترامب يعتقد أن فوضى مينيابوليس سوف تفيده في نوفمبر برغم أن استطلاعات الرأي تبين سخط الأمريكيين على أساليب إدارة الجمارك والهجرة. وهو يراهن على أن بوسعه خوض الانتخابات ببرنامج «القانون والنظام» الذي تغذيه المشاعر المعادية للهجرة.
غير أن هناك رؤية أخرى في البيت الأبيض؛ فقد زار نائب الرئيس جيه دي فانس مينيابوليس الأسبوع الماضي؛ لحث المسؤولين هناك على التعاون مع العملاء الفيدراليين من أجل «تخفيف السخونة، وتقليل الفوضى».
ففجأة كان فانس المخاتل بالذات هو الصوت الداعي للتهدئة والعقل. وأعتقد أنه كان يستغل مخاوف النواب الجمهوريين الذين يخشون أن تفضي أفعال إدارة الجمارك والهجرة إلى كارثة انتخابية في التجديد النصفي.
رسالة إلى أصدقائي وأهلي في مينيابوليس: لا تفقدوا اعتزازكم بتوثيقكم للانتهاكات، ووقوفكم بجانب جيرانكم من حملة جوازات السفر الشرعية ومن غير حملتها ممن يلتزمون بالقانون، ويجتهدون في العمل من أجل إثراء مدينتنا.
لكن من المهم أن تكون هذه الحملة مصحوبة بالتزام معلن بإصلاح الهجرة بما يحقق السيطرة على الحدود، ويقيم مسارًا شرعيًا للحصول على المواطنة.
وتبقى هذه هي الرسالة الرابحة: جدار عال وبوابة ضخمة. سيطروا على الحدود، وأفسحوا مجالا أكبر للهجرة الشرعية. لا يجب أن ينسى الديمقراطيون أن سببًا أساسيًا لرجوع ترامب إلى السلطة هو عجز الإدارة السابقة عن السيطرة على الهجرة غير الشرعية؛ فلا يزال الناخبون الشرعيون مهتمين بهذا الأمر.
وتبقى أعين ترامب وبيبي وحماس معلقة بالجائزة: أي انتخابات 2026. ويجب ألا تغفل شعوب مينيابوليس وإسرائيل وغزة عن هذا؛ فإن استمر ترامب في السيطرة على الكونجرس، وفاز بيبي بإعادة الانتخاب، وتمكنت حماس من السيطرة على الحركة الفلسطينية فإن المجتمعات الثلاثة كلها سوف تمضي إلى ظلمة سيكون التعافي منها أمرا شاقا ومضنيا.