ثقافة

الأعمال الفنية لسامر الطباع.. حوار عميق بين الإنسان والمادة

 

عمّان 'العُمانية': يعدّ التشكيلي الأردني سامر الطباع أحد أبرز الأصوات الفنية التي عكست حواراً عميقاً بين الإنسان والمادة، بالاعتماد على التجربة الشخصية والبيئة الثقافية التي ينتمي إليها، فهو صاحب رؤية نضجت على مدار أكثر من خمسة عقود من العمل المتواصل في مجالات النحت والرسم وتقنيات الفن المختلطة.


نشأ الفنان في محيط ثقافي عمادُه بيئة الصحراء والمشهد الطبيعي الواسع الذي أثّر في تجربته الفنية، كما أثّرت دراسته في فنه، ففي بداية حياته تخصّص الطباع في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، وهذا ما وجّه اهتمامه لربط الإنسان في سياقه الاجتماعي والحضاري، ثم أكمل دراسته في الفنون الجميلة وتبعها في النحت، إذ ساعد هذا المزج بين الدراستين الإنسانية والفنية في وضع أسس متينة لتجربته، فهو لم يتعامل مع المادة كوسيلة يصل من خلالها إلى شكل محدد بقدر ما تعامل مع الموضوع الذي يستوطن رؤية هذا التشكيل وفكرته التي غالباً ما تمحورت حول أسئلة الوجود والهوية.


ومن هنا أنجز الطباع أعمالاً تتعامل مع المادة لا ككتلة جامدة يجب أن تُفرَض عليها إرادة الفنان، بل كعنصر حي يمكن أن يمتلك القرار؛ يحاور ويقبل ويرفض ويناور وحتى يمكنه أن يشكل تهديداً أو يقترح حلاً، لذا فإن المادة كما يفهمها الفنان تنطوي على فلسفة عميقة وليست مجرد وسيط أو ناقل جامد.


كما تعامل الفنان بشكل كبير مع أحجار الرخام، وبخاصة في تلك الأعمال التي عبّر فيها عن ذاكرته البصرية تجاه اتساع الصحاري وارتفاع الجبال، أما الخشب والمعدن فخصّصهما للأعمال التي تحاور الطبيعة وتقترب منها، بينما استخدم الفحم والغرافيت والأكريليك في الأعمال اللوحية التي تَظهر للمشاهد كما لو أنها منحوتات مثبتة على الورق، مع اعتماده على الأسطح المخدوشة والمقطوعة التي تترك أثراً في تحريك المخيلة وتفتح الآفاق على تعدد القراءات البصرية.


ويتجاوز الطباع في أعماله النحتية الشكلَ المجرد، ويركز على المعاني التي يمكن أن يقدمها للمشاهد، وبخاصة في الأعمال المستلهمة من العوالم الرمزية والأركيولوجية، حيث يمكن للمتلقي أن يتصور تلك الأعمال كما لو أنها آثار حضارات قديمة أو رموز أولية خطّها الإنسان قديماً، لكن دون الوقوع في تصوير حرفي أو اعتماد رمز ثابت، وهذا ينشئ حواراً عميقاً بين القديم والحديث، وبين الخيال والواقع، ومثال ذلك منحوتته 'العَجَلة' الموضوعة على أحد الميادين بعمّان، حيث صمّم قطعة حجرية ضخمة تتفاعل مع حركة المياه؛ ما يوحي بالتفاعل القائم بين الثبات والتغير وكذلك بين المادة والطاقة.


وقدم سامر الطباع إلى جانب أعماله النحتية، سلسلة من الرسومات مستخدماً في تنفيذها مواد عدة من مثل: الفحم والغرافيت والأكريليك على أسطح خشبية، محيلاً اللوحة إلى نحت بصري، يتوسّط بين بعدين؛ البعد البصري لمساحة العمل، والبعد اللمسي للسطح الخام والسطح المنحوت أيضاً.
ويقول الطباع إنه حين يبدأ العمل يثبت الفكرة أولاً، ثم يبدأ التخطيط لتنفيذها، لكن السر يكمن فيما يحدث أثناء التنفيذ؛ أين تسمح المادة بأن يتم تثقيبها؟ وأين ترفض؟ وما هي الحواف التي تتشابك فيها الأشعة الضوئية مع السطح؟ هذه الأسئلة التقنية هي ما يجعل كل عمل من أعماله ذا بصمة وأثر.


ورغم تعدد اشتغالاته إلا أنه من الصعب إدراج أعماله ضمن توجُّه واحد أو خط فني واضح المعالم، فهي ليست مجرد نحت أو مجرد رسم؛ إنها تجربة حسية ووجودية تجتمع فيها عناصر عدة تتأرجح بين التجريد الصارم والخطوط الناعمة والتشكيل الهادئ، ولعل هذا ما جعل أعماله تحقق حضوراً خارج حدود المحلية، إذ تقتني هذه الأعمال مؤسساتٌ أكاديمية وفنية، منها جامعة براون في الولايات المتحدة، ودارة الفنون في عمّان، والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة.