دافوس ولافتة الحلفاء
الاحد / 5 / شعبان / 1447 هـ - 22:39 - الاحد 25 يناير 2026 22:39
لا يمكن تجاهل الخطاب التاريخي الذي ألقاه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في مدينة دافوس السويسرية متضمنًا انتقادات حادة للنظام الدولي الحالي، ورؤى كاشفة حول تحولات موازين القوة العالمية.
لا يمكن تجاهل مضمون خطاب كارني ليس لكشفه مجهولًا أو إيضاحه غامضًا؛ فهو لم يتضمن ذلك يقينًا، لكن لأنه خطاب تأكيد لمعلوم غير معلن؛ إذ لا يملك المجتمعون جرأة التصريح به؛ لأنهم في منتدى اقتصادي عالمي هو في ذاته محل كثير من النفوذ الاقتصادي العالمي لعقد صفقات وخدمة مصالح، وإن كان خطابًا متوقعًا من أوروبا، الطرف المباشر في الصراع التجاري مع واشنطن، وليس من رئيس الوزراء الكندي الذي دعا إلى بناء منظومة عالمية جديدة تقوم على الاكتفاء الذاتي، وتعاون القوى المتوسطة الحجم مثل كندا؛ لمواجهة ما وصفه بـ«التسلط الأمريكي الجديد».
استحضر كارني مقالاً بعنوان «قوة من لا قوة لهم» للمنشق التشيكي فاتسلاف هافيل الذي أصبح رئيساً لاحقاً، المقال تضمن سؤالاً بسيطاً: كيف استطاع النظام الشيوعي الاستمرار؟ لتبدأ إجابته بقصة بائع خضار، يضع كل صباح لافتة على نافذة متجره مكتوباً عليها: «يا عمال العالم اتحدوا» هو لا يؤمن بذلك، ولا أحد يؤمن، لكنه يضع اللافتة على أي حال لإظهار الامتثال، وللتعايش.
ولأن كل صاحب متجر في كل شارع يفعل الشيء نفسه؛ فإن النظام يستمر ليس من خلال العنف وحده، بل من خلال مشاركة الناس العاديين في شعارات يعرفون في قرارة أنفسهم أنها كاذبة، أطلق هافيل على هذا وصف «العيش داخل كذبة».
إن قوة النظام لا تأتي من حقيقته، بل من رغبة الجميع في التصرف كما لو كان حقيقياً، وهشاشته تنبع من المصدر نفسه؛ فعندما يتوقف ولو شخص واحد عن التمثيل عندما يزيل بائع الخضار لافتته يبدأ الوهم في التصدع، أيها الأصدقاء لقد حان الوقت للشركات والدول لإنزال لافتاتها».
دعوة كارني عبر هذه المقارنة البسيطة والواضحة في آن لضرورة عدم الاتكاء على المنظمات العالمية كمنظمة التجارة العالمية، والأمم المتحدة وغيرها التي باتت مهددة. ومن حسن إدراك الشركات والدول كذلك لإدارة المخاطر ضرورة تطوير استراتيجية استقلالية أكبر في مجالات الطاقة والغذاء والمعادن في التمويل وسلاسل التوريد مضمنا ذلك تحذيرًا تقليديًا سبقه إليه كثير مثل جبران خليل جبران: «ويلٌ لأمة تأكل ممّا لا تزرع، وتلبس ممّا لا تخيط»، أما كارني فيقول: «الدولة التي لا تستطيع إطعام نفسها أو تأمين وقودها أو الدفاع عن نفسها خياراتها محدودة؛ عندما لا تعود القواعد تحميك يجب عليك حماية نفسك»
لم يفت كارني الاعتراف بحمل كندا وغيرها «اللافتة الكذبة» لحماية مصالحهم «كنا نعلم أن الأقوى يستثنون أنفسهم عند الحاجة، وأن قواعد التجارة تُطبَّق بصورة غير متكافئة وكنا نعلم أن القانون الدولي يُطبَّق بدرجات متفاوتة من الصرامة تبعاً لهوية المتهم أو الضحية»، أضاف: «كانت هذه الرواية مفيدة، وكانت الهيمنة الأمريكية- على وجه الخصوص- تساعد في توفير سلع عامة: ممرات بحرية مفتوحة، ونظاماً مالياً مستقراً، وأمناً جماعياً، ودعماً لأطر تسوية النزاعات...لذلك وضعنا اللافتة على النافذة، وتجنبنا إلى حد كبير تسليط الضوء على الفجوات بين الخطاب والواقع، لكن هذا الاتفاق لم يعد صالحاً»، ولأنه لم يعد صالحا حذّر كارني من عالم من «القلاع» حيث العزلة بين الدول الأكثر ثراء وتسليحا والدول الأفقر والأكثر هشاشة والأقل استدامة. واقترح كارني على الحضور نموذج كندا التي قررت توسيع دائرة شراكاتها معلنا كثيرا من مشاريع الشراكة لكندا مع دول عديدة مثل الاتحاد الأوروبي والصين وقطر خلال ستة أشهر سابقة للمنتدى محذرا كذلك أن «من لا يختار الجلوس على الطاولة سيكون ضمن قائمة الطعام»
الكثير من المصطلحات الفارقة كانت مُضَمّنة في خطاب كارني التاريخي مثل : قوة القيم، وقيم القوة، الترهيب الاقتصادي مشيرا إلى ضرورة الموازنة بين رعاية المصالح والتمسك بالقيم، وضرورة مجابهة غطرسة وهيمنة الدول الأقوى بصنع تحالفات وشراكات من دول متوسطة القوى تدرك أهمية تكاملها لضمان اقتصاد مستدام وأمان جيوسياسي مع صدمة الصراعات الدولية حاليًا، وبهذا ختم خطابه في دافوس «الحنين إلى الماضي ليس استراتيجية. نؤمن أنه من رحم هذا الكسر. يمكننا بناء شيء أكبر، وأفضل، وأقوى، وأكثر عدلاًز هذه هي مهمة القوى المتوسطة الدول التي لديها الكثير لتخسره من عالم القلاع والكثير لتكسبه من التعاون الصادق. الأقوياء لديهم قوتهم، ونحن لدينا شيء أيضاً؛ القدرة على التوقف عن التظاهر، وتسمية الواقع، وبناء قوتنا في الداخل والعمل معاً. هذا هو طريق كندا». ختاما: لم يُؤخذ كارني في خطابه المختلف بالعاطفة كليّا. كان واقعيا في مخاوفه محبًا لكندا في تطلعاته بحيث أسمى الطريق التي يدعو إليها «طريق كندا» دون تفويت استغلال هذا المنتدى العالمي بدافوس للتسويق لكندا بلدًا مُرَحِبّا بالشراكات متمسكًا بالقيم مؤمنًا بالقدرة على التغيير متى ما اتحدت الأهداف وتماثلت الرؤى.
أما ما لا ينبغي أن يخفى من خطابه والذي يعنينا جميعا فهو تأكيد فكرة بناء القوة الداخلية قبل الاعتماد على أي منظومة خارجية مهما تعددت أطرافها أو عظم نفوذها، وتأكيد الحاجة لتنويع الشراكات مَوقِعا ومحتوى؛ لضمان الأمان مع المتغيرات المرحلية المحتملة، وتأكيد تأمين الدفاعين الاقتصادي والعسكري معا دون إهمال أحدهما مما قد يودي بالأمان الاجتماعي المجتمعي؛ صمام الأمان وشريان الحياة.
حصة البادية أكاديمية وشاعرة عمانية