أعمدة

حكاية «دو كوون»

تناولنا في مقالات سابقة سلسلة من جرائم الاحتيال المالي الأكبر في التاريخ الحديث، لتفاجئنا وسائل الإعلام بقصة جديدة هي قصة «دو كوون»، لكن هذه المرة في مجال العملات الرقمية التي انتهت فيها رحلة صعوده السريعة بانهيار كبير، وحكم بالسجن لمدة 15 عامًا. هذا الشاب الذي أسس شركة «تيرلفورم لابس» تحول في وقت قصير من نجم في عالم المال إلى رمز لضياع الثقة في سوق الكريبتو الذي يسوده الشك وغياب الثقة منذ بدايته.

بدأت الحكاية بفكرة جذبت الكثيرين، وهي استحداث عملة رقمية مستقرة تساوي دائمًا دولارًا واحدًا، لكن المثير للدهشة أنها لم تكن مدعومة بدولارات حقيقية في البنوك، بل كانت تعتمد على معادلات برمجية ذكية تربطها بعملة أخرى. لقد وعد «دو كوون» الناس باستقرار يشبه الدولار مع أرباح مرتفعة جدًا ما جعل المليارات تتدفق إلى مشروعه «تيرا» نتيجة الثقة العمياء في عبقرية هذه التكنولوجيا، حتى أصبح من أكبر المشاريع في العالم، لكن هذا النظام الذي بدا عبقريًّا كان في الحقيقة هشًّا للغاية كما هو الحال في كل قضايا الاحتيال التي تناولناها سابقا.

ففي عام 2022 مع أول اهتزاز بسيط في السوق انهار كل شيء وفقدت العملة ارتباطها بالدولار. ورغم المحاولات المستميتة لإنقاذ الموقف كانت النتيجة كارثية؛ حيث تبخرت نحو 40 مليار دولار من أموال المستثمرين في أيام قليلة. ولم تتوقف الكارثة عند الخسارة المالية فقط، بل كشفت التحقيقات أن «دو كوون» ضلل الناس عمدًا؛ حيث كان يدّعي أن استقرار العملة ناتج عن ذكاء البرمجة في حين أظهرت الأدلة وجود تدخلات خفية من شركات تداول كبرى لدعم السعر بشكل مصطنع في مراحل سابقة. أي أن الاستقرار لم يكن طبيعيًّا ولا مستدامًا كما صُوِّر.

بعد مطاردات قانونية دولية أقر «دو كوون» بذنبه في تهم الاحتيال والتآمر، وفي شهر أكتوبر الماضي أصدرت المحكمة الأمريكية حكمها بسجنه 15 عامًا واصفة ما حدث بأنها واحدة من أكبر عمليات النصب في التاريخ الحديث.

إن هذه القصة ليست مجرد سقوط لشخص، بل هي تذكير قاسٍ بأن الوعود بالثراء السريع والمضمون غالبًا ما تنتهي بانهيار مؤلم إذا لم تكن قائمة على أساس حقيقي وشفاف.

حمدة الشامسية كاتبة عمانية في القضايا الاجتماعية