هــل نرجسـية الفنــانين صفـقة مـع الشيـطان؟
الاحد / 5 / شعبان / 1447 هـ - 19:51 - الاحد 25 يناير 2026 19:51
حوار- إريك ويلسن / ترجمة- أحمد شافعي -
في «التاريخ المأساوي لحياة دكتور فاوستوس وموته» لكرستوفر مارلو، إذ يحكي فيها عن عالم يغنم المعرفة والقوة من خلال عهد بينه وبين الشيطان، ثمة رسالة أخلاقية مباشرة نسبيا تتعلق بالظرف الإنساني. فالحياة اليومية حافلة بالتضحيات الأخلاقية، وإن كان أغلبها محدود النطاق. وتكفي نظرة إلى الأخبار العالمية لنعلم أن صفقات فاوستية تبرم بسرعة فائقة، في شتى أرجاء العالم، بين أطراف كثيرة لا تبالي.
تفصح الأمثولات الفاوستية عن دلالات مثيرة عند النظر إليها لا في ضوء السياسة، وإنما في ضوء الفن. أليس الفنانون كلهم على قدر من الأنانية؟ والفن نفسه، أليس نابعًا من قدرة التباهي لدى الإنسان؟
قليل من الكتاب هم الذين يفوقون كارل أوفه كناوسجارد في القدرة على تناول هذه الأسئلة، وقد حقق الذي حقق الكاتب النرويجي شهرته بتحويل حياته الخاصة إلى قرابة ثلاثة آلاف وخمسمائة صفحة من التلصص الأدبي أصدرها بعنوان مانيفستو هتلر الشهير، حتى ليعد كناوسجارد متخصصا في النفاذ إلى وعيه بذاته، ومن الواضح تماما أنه كان يعرف ذلك وهو يفعله، حتى وإن لم يكن بوسعه التنبؤ بما سيحققه له ذلك من رواج. وبسبب كتابه هذا، أي كتاب «كفاحي»، نفرت منه زوجته الأولى وآخرون من عائلته، ولكن الكتاب رسخ لكناوسجارد مكانته الفنية.
من مكتبته الشخصية في بيته بلندن (التي وثقتها صحيفة واشنطن بوست سنة 2024)، يتحدث كناوسجارد معي فيقول «لقد شعرت بالذنب، عندما نجح كتاب «كفاحي»؛ لأني كتبته، ونلت من ورائه النجاح. ثمة علاقة بين الذنب والنجاح».
يحكي كناوسجارد عن روايته المترجمة حديثا إلى الإنجليزية وعنوانها (مدرسة الليل) ويعيد فيها حكي حكاية مارلو الشهيرة، فيقول: إن الدافع إلى كتابها لم يتمثل في إحساسه الفني الشخصي بالذنب، ومع ذلك يبقى من المثير أن نقرأها عبر عدسة الشهرة التي حققها كناوسجارد وما استتبعته من سلبيات.
أسأله «هل يمكن أن تكون كاتبا جيدا وإنسانا جيدا؟» فيظهر في شاشة تطبيق زوم متأملا. أكرر: «هل من الممكن الجمع بين الاثنين؟ هل يمكن أن تكون كاتبا جيدا وأبا جيدا؟»
خطرت لكناوسجارد فكرة «مدرسة الليل» بعد انتقاله إلى حي ديتفورد في لندن على ضفة نهر التيمز الجنوبية حيث اغتيل مارلو في ظروف غائمة سنة 1593 وهو في التاسعة والعشرين من العمر. لكن بطل الرواية، وراويها بضمير المتكلم، مصور فوتغرافي نرويجي شاب اسمه كرستيان بيدرسن، وفيه شبه من كناوسغارد في شبابه أكثر مما فيه من شبه بمارلو.
يقول كناوسجارد: «أخذت له الكثير مني حينما كنت في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة. كرستيان شديد السذاجة فيما يتعلق بما يفعله وسبب فعله له. هو بالفعل لا يعرف. وكنت كذلك حينما كنت في مثل سنه. والدافع النرجسي القوي الذي يحركه، كان لديّ أيضا وأنا في التاسعة عشرة».
نرجسية كناوسجارد ـ ولنقل بصراحة إنها سمة شائعة لدى الكتّاب ـ هي التي وجهته إلى دراسة الكتابة الإبداعية على يد الأستاذ الذي سيحصل على نوبل في الأدب بعد ذلك وهو يون فوسه الذي وجَّه انتقادًا لاذعًا لكناوسجارد في ورشته، وأصداء ذلك الانتقاد القديم حاضرة في «مدرسة الليل».
«ما الذي يحملني على النظر إليها؟» ذلك سؤال طرحه الأستاذ بشأن صور كرستيان الفوتغرافية أمام جمع الطلبة كلهم. «إنها تستكشف ظاهرة، ظاهرة المنظور. وتنجح في قول شيء عن ذلك، فنرى جميع الخطوط تتلاقى في نقطة التلاشي. لكن هذا غير كاف يا كرستيان. صورك فيها شيء ممل. تخلو من الروح».
يضرب هذا المشهد بجذوره في سلخ فوسه لعمل كناوسجارد الذي يقول مبتسما: إن «الورشة التي درست فيها كانت أشد قسوة. كان عمر فوسه تسعة وعشرين عاما وكان شديدا علينا حقا. كان يقول بالضبط رأيه في كتابتي، لم يكن يعرف الرحمة. لم تكن ترقى إلى مستوى توقعاته. وكانت توقعاته عالية. فكانت الدراسة معه قاسية».
أفضى ذلك التقليل إلى أن هجر كناوسجارد الكتابة لعشرة أعوام كاملة. ورجع إليها «بالمصادفة» حينما طلب منه محرر لاحقا بعض العمل وبث فيه من الثقة ما جعله ينجز روايته الأولى «وقبل ذلك كنت قد أقلعت عن الكتابة».
هذا المشهد الانتقادي هو الذي يبدأ فيه انهيار التماثل بين كناوسجارد وبطله، فكرستيان، خلافا للكاتب، ليس بالرجل الذي يستسلم. لكنه انتقل إلى لندن وهو في العشرين من العمر، من ناحية ليواصل دراسة الفن، ومن ناحية سعيا وراء الشراب والنساء، وبالأساس ليهرب من أسرته النرويجية التي يكره حنانها عليه بسبب ميله الفطري للعزلة.
يقول كناوسجارد: «كنت أريد أن أكتب عن شخص غير منكفئ على نفسه. لا ينتابه إحساس بالعار. الأمر ببساطة أنه يتهم العالم المحيط به. وذلك ينشئ مسارا في الحياة مختلفا عن مساري فيها. وذلك كان الجزء الطريف، أن أرى إلى أين سيمضي به. هو شخص شديد الجفاء. وهذه ليس بالصفة الإنسانية الجيدة، لكنها جيدة للفنان في نظري، أن يكون قليل التعاطف».
لا يصعب على كرستيان أن يتجاهل النقد. أيظن المعلم أن عمله سيء؟ معلم أحمق. ويبرم كرستيان صفقات أخرى، ويتخذ عبر الرواية قرارات أخرى ـ أحدها يتعلق بقطة ميتة ـ لتعزيز مسيرته المهنية. لكن أشد العناصر فاوستية في شخصيته، مثلما كشف لي كناوسجارد، هو نرجسيته الطاغية. فكرستيان شخص على قدر من الموهبة، يتعالى على كل من وما حوله، وله تعليقات من قبيل ألآن «الأمريكيين، أنوفهم إما في السماء وإما في التراب»... وكرستيان شخص أحمق، لكن لا يمكن إنكار ظرفه. ولديه من البراعة ما يجعله يمسك خمسمائة صفحة.
يقول كناوسجارد: إنه لا يميل إلى التخطيط لحبكات رواياته، وإنه بدلا من ذلك يبدع الشخصيات ويرى ما يكون من أمرها حينما تهيم في الصفحات. يقول: «لا أعرف مطلقا وأنا أكتب ما الذي سوف يحدث. عندكم على سبيل المثال جثة القطة المذكورة سابقا، والتي يقرر كرستيان أن يسلقها في إناء على الموقد ثم يصورها داخل شقته الصغيرة. يقول كناوسجارد: إن «كرستيان كان على دراجته يفكر في ما يمكن أن يعمل عليه، فخطرت له فكرة السقالات والهياكل العظمية والعظام. وفكرت مثله كيف يمكنني الحصول على حيوان؟ وأي حيوان يكون؟...وظهرت مشكلة الحصول على هيكل عظمي؟ (وكان الحل هو سلة القمامة خلف مستشفى بيطري) ثم الوقت الذي يستغرقه الطبخ؟ وكيف ستكون الرائحة؟ (كادت الرائحة الكريهة أن تفقدني الوعي).
يقول كناوسجارد وهو يزداد حماسا إذ يصف طريقته في العمل «إنه يفعلها ببساطة. أكتبها وهو يفعلها. لم أخطط للأمر». يقارن ذلك بمنهج التمثيل الذي تملي فيه الشخصية الأحداث، وعن الشخصية يقول كناوسجارد: «إنني أصبح إياها». كتب كناوسجارد رواياته الست الأخيرة ـ ابتداء بـ(نجم الصباح) سنة 2020، متبعا تلك الطريقة.
ويقول: إن «هذا قد يكون السبب في وجود كثير من الاستطرادات. ففي حال عثوري على شيء، يبدو وكأن جيبا صغيرا انفتح لي، فأغوص فيه وأكتب عن ذلك ثم أخرج».
هي مسألة عفوية، أشبه بالتجوال في غابة كثيفة في الظلام. فعلٌ مرح يستغرق بعض الوقت إذا ما كان الجو صحوا، لكن هذا النهج التمثيلي لا يبدو ملائما لأغلب أنواع الكتب، أو لأغلب أنواع المؤلفين؛ فبوسع كناوسجارد أن يكتب بهذه الطريقة؛ لأن أسلوبه ينشئ استثناءات لبعض القواعد الكبرى. كيف؟ هو أولا كاتب رهيب على مستوى الجملة. ثانيا، مترجمه مارتين آيتكن كاتب رهيب مثله على مستوى الجملة. لكن جوهر كتابة كناوسجارد، منذ كتاب (كفاحي) وحتى اليوم هو الإدراك والخطوات الإدراكية المدروسة التي تيسر الوصول إلى عقل الصفحة. وإليكم كريستيان في حانة بلندن:
«مضيت لأشتري كأس بيرة آخر. حينما استدار النادل ليسجل طلبي، أوقفني شيء ما، لم يكن فكرة بالضبط، ولكنه شيء كالفكرة. صوت يقول لي: إن الشرب بالنهار ليس أمرا طيبا».
فعلا؟ لماذا؟ ولمن هو طيب؟ لو أنني أريد كأس بيرة إضافيا، وأرى أن ذلك أمر طيب، فلم لا يكون بالفعل أمرا طيبا؟ من أنت فتفرض عليّ شيئا أصلا؟ أنا وحيد هنا في العالم، كما ترى، وبوسعي أن أفعل أي شيء أريد. وأنا الآن أريد كأسا آخر». لعل جاذبية كناوسجارد تأتي من أن شخصياته، وأشهرها شخصيته هو نفسه، تفرط في التفكير في العالم على النحو الذي يفرط به الكتّاب أنفسهم في التفكير في العالم. فثمة ظلال من (الغثيان) لجان بول سارتر هنا، ذلك التيه الفائق لمن يكون إنسانا في عالم لا سبيل فيه إلى معرفة الآخرين. وبالنسبة للمصور الناشئ كرستيان بيدرسن، يكون علاج هذا الانقسام عبارة عن جرعة كونية ـ فاوستية ـ من الثقة في النفس.
فهل الفن كله إذن فاوستي؟ التعميم حمق، لذلك أتمهل حتى نهاية حوارنا فأطرح السؤال.
يجيب كناوسجارد بعد تمهله لحظة «لا، لا أعتقد. لكن لا بد للفن قطعا من أن يكون المرء حرا. ومسألة نيل تلك الحرية، تلك هي المسألة».
إريك ويلسن صحفي وناقد أمريكي
نشر الحوار في موقع (ليت هب) في 14 يناير 2026