العرب والعالم

مهمة إنقاذ الأرواح في غزة على حافة الإنهيار

 

عزة 'عمان 'د.حكمت المصري 

لا تبدأ يومها من بيتٍ مستقر، بل من خيمةٍ تسرّبت إليها مياه المطر، أوغرفةٍ مكتظّة بالنازحين لا تعرف الخصوصية. تغسل وجهها على عجل، تضع سماعتها الطبية في حقيبةٍ مهترئة، وتغادر قبل شروق الشمس إلى مستشفى لم يعد مستشفى بالمعنى الكامل، بل مساحة مقاومة أخيرة للحياة.
في غزة، تعمل الطبيبات والممرضات على حافة الانهيار، يحملن عبء المهنة والحرب معًا، في ظل شحّ المستلزمات الطبية، وانتشار الأمراض، وتدهور الصحة العامة، بينما تتآكل حياتهن النفسية والأسرية بصمت.
العمل بلا أدوات.. طبّ الطوارئ بأيدٍ عارية
في احدى المستشفيات التي جرى تدشينها مؤخرًا، تعمل الممرضة أميرة حرب (37 عامًا) منذ أكثر من عشرة أشهر متواصلة دون إجازة حقيقية. تقول بصوتٍ خافت: 'أعمل تحت ضغطٍ هائل، الخروج من الخيمة إلى العمل ليس أمرًا سهلًا مطلقًا، لا توجد مواصلات مؤمّنة، فأذهب في كثير من الأحيان سيرًا على الأقدام، أو عبر عربات تجرّها الحيوانات. في المستشفى نتعامل مع جروح عميقة، التهابات، وعمليات بسيطة دون أدوات كافية. أحيانًا لا نجد قفازات ولا مطهّرات. كنا نُجبر على المفاضلة بين المرضى: من يستحق الأداة النادرة؟ هذا أصعب قرار إنساني يمكن أن تواجهه ممرضة”.
تضيف وهي تنظر إلى يديها المتشققتين من البرد: 'الخوف الأكبر لم يعد من القصف، رغم استمراره، بل من العدوى. نعمل ونحن نعلم أننا معرّضات للإصابة في
أي لحظة، ولا نملك خيار التوقف. عملنا إنساني بالدرجة الأولى. لم أتوقف عن العمل منذ بداية الحرب، وما زلت مستمرة. قلبي معلّق بين أطفالي والمرضى'.
وتتابع: 'الخيام بيئة مثالية للأمراض، نعمل في المستشفى، ثم نعود إلى الظروف نفسها التي نحذّر المرضى منها، ازدحام، قلة مياه، وغياب النظافة. كأننا ندور في حلقة مغلقة'.
طبيبة نازحة، تعالج الآخرين وتخشى على أبنائها
إسراء ماهر (28 عامًا) طبيبة أطفال، نزحت من شمال غزة إلى خيمة في جنوب القطاع، لكنها ما زالت تداوم في مستشفى شهداء الأقصى بعد رحلة تنقّل يومية شاقة.
'أقيس حرارة الأطفال في القسم، ثم أعود إلى أطفالي في الخيمة بلا دواء، أشعر أحيانًا بذنبٍ قاسٍ، أُنقذ أطفال الآخرين، بينما أعجز عن حماية أطفالي من المرض والجوع”.
تتوقف قليلًا، ثم تضيف: 'أطفالي يسألونني: لماذا تذهبين؟ أخاف أن أقول لهم إنني إن لم أذهب، سيموت أطفال آخرون'.
وعن أصعب موقف مرّت به، تقول: 'كل الأطباء يخشون استقبال أطفالهم أو أحد أفراد أسرهم شهداء أو جرحى أثناء العمل. أصعب يوم كان حين استقبلت زميلتنا الدكتورة آلاء النجار أطفالها بعد استشهادهم. عشنا أيامًا ثقيلة من الخوف. لم أتوقف عن الاتصال بعائلتي للاطمئنان عليهم. الطواقم الطبية كانت مستهدفة، وفقدنا العديد من الزملاء والزميلات'.
وتختم: 'في بعض الليالي أسأل نفسي: هل أترك عملي لأحمي أطفالي؟ أم أستمر لإنقاذ أطفال الآخرين؟ لا توجد إجابة صحيحة في هذه الحرب'.
صدمة متراكمة وبكاء مؤجَّل تقول إسراء: 'رأينا موتًا كثيرًا: أطفالًا، أمهات، جرحى بلا مسكنات. الصدمة
تراكمت. لا يوجد دعم نفسي لنا. نبكي سرًا، في الحمام أو في طريق عودتنا للمنزل، هناك احداث لا يمكن تخطيها بسهوله '.
وتضيف: ' المجتمع يتوقع منا القوة الدائمة، لكننا بشر. ننهار أحيانًا، ثم ننهض لأن المرضى ينتظرون '.
تتحدث كثيرات عن تآكل الحياة الأسرية: 'أطفالي كبروا وأنا غائبة. أعود متعبة،عصبية، بلا طاقة للحديث. الحرب سرقت مني أمومتي، كما سرقت مهنتي بهدوء'.
بين الخيام والمستشفى إنهاك بلا نهاية
الممرضة خلود جميل (32 عامًا)، قابلة تعمل في مركز طبي خاص بالنساء والتوليد في مدينة غزة، وتقيم في خيمة داخل مدرسة تحوّلت إلى مركز إيواء. تقول: 'نستقبل نساءً حوامل يعشن في خيام تفتقد المياه النظيفة. معاناتهن كبيرة: التهابات، فطريات، فقر دم حاد، ولادات مبكرة. نخشى عليهن، ونخشى على أنفسنا في الوقت ذاته'.
وتضيف: 'لا توجد أدوات وقاية كافية، ولا فحوصات دورية للطواقم. نحن الحلقة الأضعف في منظومة منهكة'.
تتابع: 'أستقبل حالات ولادة معقّدة، وأحيانًا أُبلغ الأمهات بفقدان أطفالهن.
أبتلع دموعي، أتماسك، أخرج بابتسامة مصطنعة. أبكي لاحقًا في الحمام، أو في الخيمة، أو لا أبكي أبدًا'.
وتصف يومها: 'أستيقظ ليلًا على بكاء الأطفال والبرد. لا أنام أكثر من ساعتين متواصلتين، أذهب إلى عملي مرهقة، أقدّم الإسعافات، ثم أعود لأبدأ دوامًا آخر داخل المخيم. أُعطي الحقن الخافضة للحرارة للنساء والأطفال وكبار السن. العدوى
منتشرة في كل مكان'.
وتختم: 'حياتي دوّامة لا تنتهي. الإرهاق الجسدي تحوّل إلى ألم دائم في الظهر والمفاصل، لكن الأخطر هو الإنهاك النفسي. لم أعد أشعر بالزمن؛ الأيام متشابهة، كلها ثقيلة'.
صدمة ثانوية بلا دعم نفسي
توضح الأخصائية النفسية شيماء خالد أن العاملات في القطاع الصحي خلال الحروب يعانين غالبًا مما يُعرف بـ'الصدمة الثانوية' نتيجة التعرّض المتكرر لمشاهد الألم والموت، دون فترات كافية للتفريغ النفسي أو التعافي.
وتقول: 'الطبيبة أو الممرضة لا تملك رفاهية الانهيار، ما يدفع كثيرات إلى كبت مشاعرهن، وهو ما قد يقود لاحقًا إلى اضطرابات نفسية طويلة الأمد'.
ويؤدي غياب الدعم النفسي المنظّم داخل المؤسسات الصحية إلى تفاقم هذه الأزمة، إذ لا تحظى معظم الطبيبات والممرضات بجلسات دعم نفسي أو فترات راحة كافية، في وقت تتضاعف فيه ساعات العمل تحت ظروف قاسية وضاغطة.
إنقاذ الحياة لا يجب أن يكون ثمنه استنزاف المنقذات في غزة، لا ينتهي دوام الطبيبة والممرضة عند باب المستشفى، بل يمتد إلى
الخيمة، إلى القلق، إلى الانتظار الطويل، هؤلاء النساء لا يطلبن امتيازات، بل حقًّا أساسيًا: العمل بكرامة، الحماية، الدعم، والاعتراف بإنسانيتهن قبل مهنيتهن..إنقاذ الحياة لا يجب أن يكون ثمنه استنزاف حياة المنقذات أنفسهن.