زيارة «ستارمر» للصين.. لندن تعيد تفتح قنوات الروابط التجارية وسط تعقيدات جيوسياسية
الاحد / 5 / شعبان / 1447 هـ - 19:39 - الاحد 25 يناير 2026 19:39
لندن 'د. ب. أ': تعد زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر إلى بكين الأسبوع الجاري أول زيارة لرئيس وزراء بريطاني إلى الصين منذ الزيارة التي قامت بها تيريزا ماي عام 2018 .ومنذ توليها مقاليد السلطة، أبدت حكومة ستارمر رغبتها في إعادة ضبط العلاقات وإعادة الروابط التجارية مع الصين بعد سنوات من التوتر بين الدولتين.
وقالت تاليا بيترسون، زميلة أكاديمية ريتشارد وسوزان هايدن، التي تعمل في برنامج المملكة المتحدة في العالم، إن هذه الزيارة المرتقبة التي تحظى باهتمام كبير، تأتي بعد أيام من قرار الحكومة البريطانية المثير للجدل بالموافقة على إنشاء 'سفارة ضخمة' جديدة للصين في لندن. وأضافت، في تقرير نشره معهد تشاتام هاوس البريطاني ( باسم المعهد الملكي للشؤون الدولية) أن هذه الموافقة، التي جاءت بعد تأجيلات عديدة، وأجهت معارضة شديدة من جماعات المجتمع المدني والمعلقين وأعضاء البرلمان، بمن فيهم شخصيات من داخل حزب العمال نفسه.
وتعكس احتجاجات أمام مقر الهيئة الملكية لسك العملة مخاوف أوسع نطاقا بشأن إمكانية أن تسهل السفارة الجديدة التجسس أو التدخل الأجنبي أو أنشطة عدائية أخرى تستهدف المملكة المتحدة وأوروبا. ولم تثر وكالتا الاستخبارات البريطانية إم آي 5 وجي سي إتش كيو اعتراضات رسمية، لكن ترددت تقارير مفادها أنهما قدمتا توصيات بـ'مجموعة من التدابير' للتخفيف من حدة المخاطر على الأمن القومي. غير أن غياب الشفافية بشأن الموافقة - وتوقيتها - أجج تكهنات بأن القرار ربما كان يستهدف كسب ود بكين قبل الزيارة. وأثار قرار الموافقة على بناء السفارة وزيارة ستارمر مجددا نقاشا عاما وبرلمانيا بشأن التهديد الذي تمثله الصين، لكن التركيز على نحو ضيق على هذه الأحداث ينطوى على خطر حجب تحد أكثر أهمية نتج عن ذلك: ألا وهو النفوذ الصيني الخفي. ونظرا لأنه يتم ممارسة هذا النفوذ من خلال العلاقات والتبعيات الاقتصادية، فإن رصده يكون أكثر صعوبة كما أن اقتلاعه بمجرد ترسخه أكثر صعوبة.
في السنوات الأخيرة، أظهرت الصين مرارا استعدادها لاستخدام الإكراه الاقتصادي لدعم أهدافها الجيوسياسية. وتم استخدام القيود التجارية، والمضايقات التنظيمية، وحظر الوصول إلى الأسواق لمعاقبة دول - مثل أستراليا وليتوانيا وكوريا الجنوبية - بسبب انتهاج سياسات عارضتها بكين. ومؤخرا، تراوح استخدام الصين التجارة كسلاح من تطبيق ضوابط تصدير أوسع مدى على العناصر الأرضية النادرة، إلى تهديد أستراليا بعواقب اقتصادية محتملة بسبب عرقلتها 'إعادة توحيد' بكين مع تايوان. ويمكن أن يتسبب الاعتماد الاقتصادي المتبادل في مخاطر أمنية حتى في قطاعات لا ينظر إليها من الناحية التقليدية أنها حساسة. ويمكن أن يتضح هذا في الوصول والتحكم في تشغيل القطاعات والبنية التحتية الحيوية وعمليات استخراج وتجميع البيانات الحساسة، و التسبب في نقاط اختناق في سلاسل التوريد الرئيسية. وهذا الأمر مهم بصفة خاصة في الوقت الذي تواصل فيه المملكة المتحدة التحول الأخضر، وهذا مجال تريد الحكومة البريطانية أن تعمق فيه الشراكة مع الصين. وفي الوقت الذي تعزز فيه المملكة المتحدة الأرتباط الاقتصادي مع الصين في القطاعات الخضراء، تنطوي هيمنة الصين على سلاسل التوريد العالمية بالنسبة للسيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة المتجددة على مخاطر ظهور تبعيات جديدة في نظام الطاقة البريطاني في المستقبل.
وتم إثارة مزيد من المخاوف الأمنية بشأن هيمنة الصين في قطاع تصنيع وحدات إنترنت الأشياء، التي يتم استخدامها في منتجات مثل الألواح الشمسية وتوربينات الرياح و النظم المتصلة الأخرى ويمكن لمعدات إنترنت الأشياء المصنعة في الصين أن تحدث ثغرات تسمح بتشكيل خطر عن بعد، أو نقل البيانات، أو تعطيل الأنظمة - وهو احتمال مثير للقلق بشكل خاص بالنظر إلى دمج هذه الوحدات في البنية التحتية الحيوية.
وبينما كانت المملكة المتحدة تحصل تاريخيا على توربينات الرياح من موردين أوروبيين وأمريكيين، وضعت شركة 'أوكتوبوس إنيرجي'، أكبر مورد للكهرباء في بريطانيا، اللمسات النهائية لصفقة مع شركة 'مينج يانج سمارت إنيرجي' الصينية المصنعة للتوربينات العام الماضي، مما يمهد الطريق لتركيب أولى التوربينات المصنعة في الصين في المملكة المتحدة.
ونظرا لسعي المملكة المتحدة لزيادة الطاقة المتجددة لتحقيق أهداف المناخ وسط أسعار الكهرباء وتكاليف المشاريع الأخذة في الارتفاع، من المرجح أن يصبح موردو طاقة الرياح الصينيون أكثر جاذبية وترسخا في شبكة الكهرباء. وتستحق المملكة المتحدة الإشادة لقيامها باتخاذ خطوات مهمة في السنوات الأخيرة لمعالجة جوانب الأمن الاقتصادي. وعزز قانون الأمن القومي والاستثمار الصادر عام 2021 قدرة الحكومة على التدقيق في الاستثمارات الأجنبية التي تشكل خطورة عالية ومنعها، وأعقبه صياغة استراتيجيات بشأن مرونة سلاسل التوريد وقدرتها على تحمل المتغيرات، والمعادن الحيوية، وقطاعات العلوم والتكنولوجيا ذات الأولوية. ويبشر مشروع قانون الأمن السيبراني والمرونة (الشبكات وأنظمة المعلومات) المطروح حاليا على البرلمان بتحديثات تأخرت كثيرا لحماية البنية التحتية الحيوية من التهديدات السيبرانية والمادية.
ومع ذلك، تظل هذه الإجراءات مجزأة. وتفتقر المملكة المتحدة إلى إطار عمل واضح يتضمن نظرة مستقبلية ونهج شامل للأمن الاقتصادي، وخطوط حمراء محددة بوضوح للتعاون مع الصين. وحاليا مسؤولية الأمن الاقتصادي متناثرة بين مختلف الوزارات والهيئات الحكومية، مع دليل ضعيف على وجود نهج منسق بشكل متسق. ويجب على المملكة المتحدة أن تتبنى نهجا أكثر استدامة للأمن الاقتصادي للاستعداد لخطر استمرار الصين في استخدام علاقاتها الاقتصادية كسلاح.
ولتحقيق هذا، تتطلب سياسة الأمن الاقتصادي في المملكة المتحدة تنسيقا بشكل رسمي أكثر للمساعدة في تحقيق التوازن بين متطلبات النمو والأمن التي غالبا ما تكون متعارضة.
ويمكن القيام بهذا من خلال تشكيل لجنة وزارية جديدة دائمة مشتركة بين الوزارات مكلفة بمسألة الأمن الاقتصادي، أو من خلال توسيع دور جهاز الاستشارات للأمن الاقتصادي من كيان توجيهي سلبي إلى كيان تنسيقي نشط.
ويعد انخراط افضل من جانب الحكومة مع القطاع الخاص أمرا مهما بالمثل، حيث أنه الجهة التي يوجد فيها الكثير من نقاط الضعف الأمنية الأكثر خطورة. عندما يتعلق الأمر بتأمين البنية التحتية الحيوية، تشير تجارب من دول مثل أستراليا إلى أن الاعتماد على القطاع الخاص لتحسين أمنه والتقييم الذاتي للامتثال له قيود ويمكن أن يؤدي إلى اختلال أمني عبر الصناعة. ونتيجة لذلك، قد تظل نقاط الضعف الأمنية مخفية حتى يتم كشفها من خلال حادث خطير. وتتطلب القدرة على الصمود دعما حكوميا ممنهجا لضمان أن تكون عمليات تخفيف المخاطر فعالة وتوفير الموارد الكافية للإنفاذ. وأخيرا، يتعين على المملكة المتحدة أن تسعى للتحالف مع شركاء يتبنون التفكير المماثل مثل الاتحاد الأوروبي وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية وكندا. وإلى جانب الجهود الثنائية والجهود مع مجموعة صغيرة متعددة الأطراف، ينبغي بشكل أكثر فعالية استخدام المنتديات متعددة الأطراف القائمة، مثل مجموعة السبع+ والاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ، لدعم أهداف الأمن الاقتصادي الجماعي..
واختتمت بيترسون تقريرها بالقول إن زيارة ستارمر للصين إعادت إلى دائرة الضوء تحديات علاقة المملكة المتحدة مع الصين. وبينما تسعى المملكة المتحدة إلى تحسين العلاقات الثنائية، يجب عليها أن توجه اهتمامها إلى تطوير نهج متماسك ومنسق بشأن الأمن الاقتصادي والمخاطر التي ينطوي عليها الاعتماد الاقتصادي المتبادل مع بكين.