أفكار وآراء

الغرب يستيقظ متأخرا في دافوس

ترجمة: بدر بن خميس الظفري -

لم يكن اندفاع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نحو الاستيلاء على جرينلاند هو ما أطاح بالنظام الدولي القائم على القواعد، بل كان الدعم الغربي للإبادة الجارية في غزة هو العامل الحاسم في تقويضه. هذا أمر أدركه باقي العالم منذ وقت طويل، بعد عامين من الإبادة في غزة، وما تلاها من اعتداءات على إيران وفنزويلا. النظام الدولي القديم انتهى.

قد ينظر إلى خطاب مارك كارني في منتدى دافوس، يوما ما، على أنه يعادل الخطاب الذي ألقاه ونستون تشرشل في مدينة فولتون بولاية ميزوري عام 1946، حين أعلن أن «ستارا حديديا» قد أسدل على أوروبا، معلنا بداية الحرب الباردة، فلقد أعلن رئيس الوزراء الكندي نهاية النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة منذ عام 1945، وبداية نظام جديد. وقال: «نحن نعيش في عصر تنافس القوى الكبرى»، حيث «يتلاشى النظام القائم على القواعد»، وحيث «يفعل الأقوياء ما يستطيعون، ويجبر الضعفاء على تحمل ما لا مفر منه».

واتخذ قادة غربيون آخرون نبرة صارمة مماثلة وهم يتحدثون عن الكيفية التي يمزق بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التحالف الغربي. فقد قال رئيس الوزراء البلجيكي بارت دي ويفر: «حتى الآن، حاولنا استرضاء الرئيس الجديد في البيت الأبيض، لكن خطوطا كثيرة جرى تجاوزها... أن تكون تابعا راضيا أمر، أما أن تكون عبدا بائسا فذلك أمر آخر».

وبعد أسابيع من التهديدات التي وجهها إلى حلفائه في حلف شمال الأطلسي لتسليم جرينلاند، الجزيرة القطبية التابعة للدنمارك، وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منتدى دافوس وهو يتباهى بإنجازاته، واصفا أوروبا بأنها «لم تعد تشبه نفسها» بسبب الهجرة الجماعية. ثم -وكما جرت العادة في أسلوب ترامب القائم على تصعيد التهديدات يعقبه تراجع في اللحظة الأخيرة- رفع التهديد بفرض عقوبات وباستخدام القوة العسكرية للاستيلاء على جرينلاند.

أما في نظر بقية العالم غير الغربي، فإن هذا الاستيقاظ المفاجئ يبدو مستفزا. فالمسألة لا تتعلق بمحاولة ترامب السيطرة على جرينلاند، إذ إن ما فكك فعليا النظام الدولي القائم على القواعد التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية؛ كان غزة.

غزة ونهاية ما يعرف بـ«النظام القائم على القواعد» تظهر هنا باعتبارها الحقيقة التي لم يعد بالإمكان تجاهلها. فمارك كارني، بصفته زعيما لدولة غربية كبرى قدمت دعما لإسرائيل خلال الإبادة في غزة، أسهم في دفن هذا النظام، ثم عاد ليعلن نهايته ببلاغة. وقد اعترف في خطابه في دافوس بأن هذه القواعد لم تصمَم يوما لتشمل الجميع، وأنها كانت، في جانب منها، واجهة مريحة للقوى الغربية.

قال كارني: «كنا نعرف أن سردية النظام الدولي القائم على القواعد ليست صحيحة بالكامل، وأن الأقوى يعفي نفسه عندما يشاء، وأن قواعد التجارة تطبَق بصورة غير متكافئة، وأن القانون الدولي ينفَذ بصرامة متفاوتة تبعا لهوية المتهم أو الضحية.

هذه الرواية كانت مفيدة، وقد أسهمت الهيمنة الأمريكية، على وجه الخصوص، في توفير منافع عامة مثل الممرات البحرية المفتوحة، ونظام مالي مستقر، وأمن جماعي، ودعم أطر تسوية النزاعات».

بهذا الاعتراف، قال كارني بصوت عالٍ ما كان كثيرون يدركونه منذ زمن. فهذه القواعد لم تنطبق على جزء واسع من الجنوب العالمي، من فلسطين إلى فنزويلا، ومن إيران إلى بابوا الغربية، في كل مكان سعت فيه المصالح الاقتصادية الغربية إلى السيطرة على الموارد، أو حيث رفضت الشعوب الخضوع لإملاءات واشنطن.

ولم يجد حلفاء الولايات المتحدة حرجا في دعم اعتداءاتها وفرضها عقوبات قاسية على دول تقع خارج الدائرة المقربة التي تضم أوروبا ومجموعة السبع.

وقبل ستة أشهر، كان كارني يقول للمذيعة كريستيان أمانبور على شبكة «سي إن إن»: إن ما تحتاجه المنطقة بعد عامين من الإبادة في غزة هو «دولة فلسطينية صهيونية تعيش جنبا إلى جنب مع إسرائيل».

أي أن الناس الذين قتل أطفالهم وأحباؤهم بصورة منهجية، ودمرت بيوتهم ومؤسساتهم، وصودرت أراضيهم وقراهم، يفترض بهم أن يقبلوا العيش طوعا تحت سلطة من اضطهدهم. هذا منطق يقوم على سيادة المتغلب، لا على سيادة القانون.

وقد كان كارني جزءا من التحالف الغربي المؤيد لإسرائيل الذي منح دولة الفصل العنصري شيكا مفتوحا لارتكاب جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية، ما مزق ما تبقى من ادعاء الالتزام بنظام قائم على القواعد منذ عام 2023.

وكتب أمريكي من أصل فلسطيني على منصة إكس: «طوال عامين، لم يكتفِ الغرب بالإخفاق في كبح إسرائيل؛ بل مولها، وسلحها، وعطل المساءلة، وأعاد صياغة المعايير القانونية لحظة بلحظة، وجرم الاعتراض في الداخل. لم يغرق القانون الدولي تحت وطأة العجز، وإنما جرى تعليقه بصورة انتقائية، وحين تصبح الشرعية مشروطة، يفقد المفهوم ذاته وجوده».

اليوم، أزاح ترامب آخر ما تبقى من واجهة النظام الممزقة والملطخة بالدم، حين فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية بسبب اتهاماتها لقادة إسرائيليين، وقطع التمويل عن مؤسسات تابعة للأمم المتحدة. وهكذا بدأت الدول الغربية تذوق جانبا مما عاشه بقية العالم لعقود.

وهذا التحول يعني أن جميع التحالفات والعلاقات القائمة أصبحت قابلة لإعادة التشكيل، وأن تحالفات جديدة، وغير متوقعة أحيانا، آخذة في الظهور.

في الصين الأسبوع الماضي، قال كارني للرئيس شي جينبينغ: إن اتفاق التجارة الثنائي الجديد بين البلدين يمثل بداية مرحلة جديدة في العلاقات. وأضاف: «الشراكة التي بنيناها تهيئنا جيدا للنظام العالمي الجديد».

وأوضح كارني أن النظام التجاري متعدد الأطراف الذي تشرف عليه منظمة التجارة العالمية والشراكة العابرة للمحيط الهادئ، وكذلك منظومة القواعد المرتبطة بالأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية واتفاقيات المناخ، تتعرض لـ«التآكل والتقويض». ورأى أن الصين باتت خيارا أكثر استقرارا وقابلية للتنبؤ مقارنة بالولايات المتحدة في عهد ترامب.

وسيشمل الاتفاق التجاري الجديد مع بكين مجالات مثل «الطاقة النظيفة والطاقة التقليدية، وتطوير النظام المالي العالمي، والمدفوعات العابرة للحدود».

وأضاف أن تطوير هذه المجالات سيتم عبر تحالفات، لا عبر مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. وبعبارة أخرى، دفعت تهديدات ترامب كندا إلى الاقتراب من بكين لتقليص اعتمادها على التجارة الأمريكية.

وفي الوقت نفسه، يشهد الشرق الأوسط أيضا إعادة رسم سريعة للتحالفات. فخصوم سابقون مثل تركيا والسعودية باتوا أقرب إلى بعضهم، في حين يقف حلفاء سابقون على طرفي نقيض في صراع على النفوذ الإقليمي.

ولا يزال مدى اتساع هذا الصراع غير واضح، مع أن آثاره بدأت تطال اليمن والسودان والصومال، وتهدد الشبكات الإقليمية من القوى الوكيلة التي بنيت على مدى خمسة عشر عاما.

وفي سوريا ما بعد الأسد، تخلت الولايات المتحدة عن تحالفها مع «قوات سوريا الديمقراطية» التي يقودها الأكراد، ودعمت حكومة الرئيس أحمد الشرع بينما استعادت قواته الأراضي وحقول النفط التي كانت تسيطر عليها الجماعة المدعومة أمريكيًا. مرة أخرى، يدرك الأكراد أن ملاذهم الأخير هو الجبال.

أما بالنسبة إلى الفلسطينيين، فإن الإبادة لم تتوقف، وإنما دخلت مرحلة جديدة في ظل ما يسمى «المجلس التنفيذي لغزة» في عهد ترامب. فقد جرى تعيين الوجوه ذاتها التي شوهت فكرة النظام القائم على القواعد، مثل توني بلير ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إلى جانب مليارديرات صهاينة أمريكيين، من بينهم جاريد كوشنر صهر ترامب، ومارك روان، حكاما فعليين على غزة، بينما تواصل إسرائيل حصار الفلسطينيين ومهاجمتهم في الأراضي المحتلة.

وخارج غزة، يبدو «مجلس السلام» الذي أنشأه ترامب نموذجا أمريكيا جديدا لإدارة بلا قوانين، بديلا عن منظمة الأمم المتحدة التي تأسست لمنع العدوان وحماية حقوق الإنسان بعد المحرقة. هذا التاريخ جرى تجاهله؛ فميثاق المجلس يمنح ترامب، بصفته رئيسا، صلاحيات تنفيذية تتيح له تعيين الدول الأعضاء وإقصاءها.

حوكمة عالمية على طريقة الاستحواذ المؤسسي. وحتى الآن، الدول التي وافقت على الانضمام تتركز في الشرق الأوسط وآسيا، وتشمل إسرائيل وتركيا ومصر وباكستان وقطر والمغرب وفيتنام وبيلاروسيا والمجر وكازاخستان، في حين تتردد دول غربية في الانضمام إلى هيئة دعيت روسيا للمشاركة فيها. ولم يرد الرئيس فلاديمير بوتين بعد.

وقال رئيس وزراء سلوفينيا روبرت غولوب إن هذا المجلس «يتدخل بصورة خطيرة في النظام الدولي الأوسع». ويتشكل نظام جديد، مع تحولات سريعة نحو علاقات وتحالفات ثنائية غير مألوفة. وربما تكون الصين القوة الكبرى التالية، لكنها غير مستعدة بعد لملء الفراغ الذي خلفته فوضى ترامب، وحرب بوتين في أوكرانيا، وطموحات بنيامين نتنياهو التوسعية.

القوة تنسحب تدريجيا من المؤسسات العالمية التي كانت تدير العلاقات الدولية. وكما قال كارني: «نحن في خضم قطيعة، لا مرحلة انتقالية».

قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، راهنت على أن فوز ترامب قد يكون مفيدا للعالم من زاوية واحدة فقط، هي أن سياساته القاسية ستسرع انهيار الإمبراطورية الأمريكية. بدا الأصدقاء مصدومين من هذا الرأي، لكن بعد عام واحد فقط، بات ذلك الانهيار أقرب إلى التحقق.

جو غيل صحفي عمل في لندن وفنزويلا وسلطنة عمان، وكتب لصحف من بينها صحيفة فايننشال تايمز، وصحيفة مورنينغ ستار، وموقع ميدل إيست آي، ويركز في كتاباته على الجغرافيا السياسية، وتاريخ الاقتصاد، والحركات الاجتماعية، والفنون.

الترجمة عن صحيفة ميدل إيست آي