أفكار وآراء

خطورة انتصار «الميرْكَنْتَلية» الجديدة

ترجمة: قاسم مكي -

في أول 11 شهرا من عام 2025 سجلت الصين فائض تجارة جمركية (على أساس بيانات الجمارك) يزيد عن تريليون دولار. وإذا حسب إجمالي فائضها السلعي في العام الماضي كله بدقة ينبغي أن يقارب رقما مذهلا يبلغ 1.2 تريليون دولار، وفقا للباحث بمجلس العلاقات الخارجية براد سيتسر. وهو ما يساوي 6% من الناتج المحلي الإجمالي للصين وأكثر بنقطة مئوية (1%) من إجمالي النواتج الناتج المحلية الإجمالية لكل شركائها التجاريين.

ترامب المهووس بالعجوزات التجارية للولايات المتحدة إجمالا وخصوصا في السلع المصنعة رفع خلال جزء كبير من تلك الفترة متوسط معدلات الرسوم الجمركية إلى ما يقدر بحوالي 14.4%. وهو أعلى مستوى لها منذ فترة قصيرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

لماذا تسجل الصين هذه الفوائض التجارية الضخمة؟ ولماذا تتخلى الولايات المتحدة عن السياسات التجارية الليبرالية نسبيا خلال العقود الثمانية الماضية؟ الإجابة هي انبعاث الميركنتلية. (حسب قاموس كمبردج، الميركنتلية نظرية سادت في الفترة من القرن الساس عشر حتى القرن الثامن عشر، ومفادها أن على الحكومة السيطرة على الاقتصاد، وعلى البلد زيادة ثروته بزيادة مبيعاته الى البلدان الأخرى وتقليل مشترياته منها).

يستند هذا التعريف على اعتقاد بمحدودية الثروة العالمية وأن على الحكومة تقييد التجارة بشدة لتكديس الثروة في الداخل وتعزيز القوة الوطنية. أما الميركنتلية الجديدة التي يشير إليها عنوان المقال فهي عودة هذا الاعتقاد الذي يربط ازدهار الدولة بقوتها الاقتصادية والمالية والتقنية واستخدام السياسة التجارية كأداة لتحقيق هذه الأهداف كما في أمريكا والصين (بحسب اعتقاد الكاتب وولف– المترجم).

هيمنت الميركنتلية على التفكير الأوروبي في السياسة الاقتصادية الدولية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكان الاعتقاد الأساسي للميركنتليين أن السياسة الاقتصادية الدولية أساسا أداة لقوة الدولة. فبما أن القوة نسبية خلافا للازدهار يتصور أنصار الميركنتلية التعامل الاقتصادي الدولي كحاصل مجموع صفري. بمعنى أنت تكسب وأنا أخسر. كما يعظمون أيضا الإنتاج المحلي ويحبون الفوائض التجارية والحماية من الواردات. لقد كتب آدم سميث «ثروة الأمم» في القرن الثامن عشر كحجة لصالح التجارة الحرة وضد مثل هذه الميركنتلية.

تعود الميركنتلية إلى القرن السادس عشر على الأقل. لذلك بما أننا في القرن الحادي والعشرين يجب علينا أن ندعو نسختها الحالية «الميركنتلية الجديدة» فهي تحل محل «الليبرالية الجديدة» التي تبنت قبل عقود قليلة رؤية أقرب إلى نظرة آدم سميث للتجارة (كما تجسدت في سياسات مارجريت تاتشر ورونالد ريجان والتي ارتكزت على أفكار ميلتون فريدمان ورفاقه - المترجم). لكن، وكما يحاجج الاقتصادي الكندي إريك هيلينير، مثل هذه الميركنتلية الجديدة والمعاصرة تبعث جزئيا أفكار الميركنتلية الجديدة «المبكرة» وخصوصا أفكارا كانت مؤثرة في القرن التاسع عشر لشخصيتين هما أليكساندر هاملتون أول وزير خزانة للولايات المتحدة وفريدريك ليسْت المنظر السياسي الألماني. لقد نافح كلاهما عن حماية الصناعات الناشئة.

الميركنتلية الجديدة تزدهر في الصين التي لم تقتصر على تبني تعزيز الصناعة الناشئة لكنها أوجدت فوائض تجارية هائلة. أما الولايات المتحدة في عهد ترامب فليست أقل منها في اعتناق الميركنتلية الجديدة. فهو مشغول إلى حد الهوس «بشرور» العجوزات الخارجية والحاجة إلى حماية الأسواق المحلية.

مؤخرا، ذكر أرفيند سوبرامانيان كبير المستشارين الاقتصاديين السابق لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي أن هوس ترامب بالرسوم الجمركية مستمد من قناعته الغاضبة بأن الفوائض التجارية في الخارج أضرت باقتصاد الولايات المتحدة وخصوصا قطاع الصناعة التحويلية. والصين بفوائضها التجارية الكبيرة المستمرة أكبر محرض على تلك القناعة الترامبية.

أثار زميلي روبن هاردينج مخاوف أكثر إثارة للقلق عن الصين. فهو يشير إلى أنها لا تريد استيراد شيء يصنع في الخارج. ويعتقد أن هدف الصينيين هو الهيمنة على الصناعة التحويلية العالمية.

هذا المنظور يتسق مع تفضيلات واضعي السياسات الصينيين على مدى عقود. من المؤكد أن الصين لم تتجه أبدا إلى معالجة مشكلتها الهيكلية طويلة الأمد والمتمثلة في الإفراط في الادخار. صحيح فور انتهاء الأزمة المالية 2007-2008 كان «حلها» المؤقت تعزيز ازدهار عقاري محلي وضخم. لكن هذا الازدهار انهار الآن (وهذا حتمي).

وفي وقت أقرب كان الحل المفضل استثمارا كبيرا في الصناعة التحويلية المتقدمة. وقاد ذلك إلى طاقة إنتاجية فائضة بل مزيد من الصادرات. فالميركنتلية الصينية راسخة اقتصاديا وسياسيا.

ستحول رسوم ترامب الآن صادرات الصين نحو أسواق بلدان أخرى غنية وصاعدة ومتوسطة. وبالتالي، كما يشير سوبرامانيان، «صادرات الصين من السلع ذات القيمة المضافة المنخفضة إلى البلدان النامية تشهد ارتفاعا حادا وتقوض تنافسية الصناعات المحلية لهذه البلدان» فتفاعل سياسة «افقار الجار» الذي تنطوي عليه ميركنتلية الصين مع «حمائية» الولايات المتحدة سينشر الخراب حول العالم.

يميل منظور «المجموع الصفري» للميركنتلية وتمحورها حول الدولة إلى إيجاد صراعات دولية. لقد حاربت القوى الميركنتلية بعضها البعض باستمرار. فإنجلترا وفرنسا خاضتا حروبا عديدة في الفترة من 1689 حتى 1815. وقطع «رأس» حكومة فنزويلا الذي يبدو أن دافعه اقتصادي كان سطوا أمبرياليا كلاسيكيا على الموارد. ربما سيستمر الخوف من الأسلحة النووية في منع نشوب الحرب. لكن من الصعب الفصل بين الاحتكاك الاقتصادي الحاد والمواجهة الفعلية.

إذن يطرح انتصار الميركنتلية الجديدة مسألتين أساسيتين. أولاهما: إلى أين ستقود؟ يرى البعض أن العالم سيتشظى، وهذا يبدو مرجحا. لكن من المستبعد أن يكون تشظيا تاما لأن مصالح القوى العظمى تتقاطع. وفي الغالب لا يبدو مثلا أن تتخلى الولايات المتحدة عن جنوب وجنوب شرق آسيا للصين.

في الحقبة الميركنتلية (القديمة) كان هنالك اتفاق على أن الذهب شكل من النقود محايد سياسيا. واليوم تتكون نقود العالم (شئنا أم أبينا) من عملات ورقية وطنية يطغى عليها الدولار. وإحلالها سيكون فوضويا جدا. وفوق كل شيء، اقتصاد العالم أكثر تكاملا على كل الأبعاد تقريبا من أي اقتصاد مماثل وجد في الحقب الماضية. تبعا لذلك ستكون تكلفة التشظي في الغالب مرتفعة وخصوصا للبلدان الصغيرة والضعيفة.

السؤال الثاني هو: هل يمكن إدارة هذا التشظي؟ توجد في الحقيقة إجابة عقلانية ولو أنها متفائلة (أي غير مضمونة- المترجم).

إنها بناء نظام جديد حول فكرة معاهدة سلام بين أنصار الميركنتلية. وربما المفاجئ هنا أن ذلك لن يكون شيئا جديدا. فمثل معاهدة السلام هذه كانت عنصرا مهما في التسوية الليبرالية لفترة ما بعد الحرب العالمية الثانية والتي تشترك في تقويضها الآن كل من الصين وأمريكا ترامب.

وهكذا كان التحرير المتبادل المبدأ الأساسي للمفاوضات التجارية في الاتفاقية العامة للتجارة والرسوم الجمركية لعام 1947. فأنت تخفض حواجزك التجارية لصادراتي وأنا بالمقابل سأخفض حواجزي لصادراتك. وهذا مختلف إلى حد بعيد عن حجة الاقتصاديين بجدوى التحرير الأحادي. لكنه نجح عمليا، خصوصا بالاقتران مع المبدأين الأكثر ليبرالية والمتمثلين في عدم التمييز بين الدول في التجارة والمعاملة الوطنية (معاملة منتجات الدول الأخرى مثل المنتجات الوطنية).

هكذا، يمكن تخيل أن يكون هنالك مسعى (ولو في غير عهد ترامب) لإعداد معاهدة اقتصادية جديدة متعددة الأطراف. في الأثناء يمكن تضمين شيء كان الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز يريد تحقيقه في محادثات بريتون وودز. أنه تحديدا إيجاد طريقة لمكافحة الفوائض التجارية الهيكلية الضخمة. ففي اعتقاده هذه الفوائض فرضت قيودا مدمرة على الآخرين (بلدان العجز التجاري).

لكن في أربعينيات القرن الماضي لم يكن بمقدوره إقناع الولايات المتحدة التي كانت وقتها بلد فائض تجاري هائل.

اليوم ليست الولايات المتحدة وحدها بل ربما الصين أيضا قد ترى أن سياستها الميركنتلية توجد مصاعب خطرة على صعيدي الاقتصاد الكلي والجزئي.

الميركنتلية الجديدة حقيقة الآن. ويجب التعامل معها بحنكة. على واضعي السياسات مقاربة ذلك بطريقة جديدة ومبتكرة.

مارتن وولف كبير معلقي الاقتصاد بصحيفة فاينانشال تايمز