مجتمعات قُدّت من زجاج!
الاحد / 5 / شعبان / 1447 هـ - 19:23 - الاحد 25 يناير 2026 19:23
تلاحمُ أجساد أبنائي أمام الجمر لاقتناص لحظة دفء، أطرافهم الشاحبة في ليلة باردة قضيناها في حديقة البيت، والانطواء المُرتجف تحت البطانيات، صوت الأنفاس يشوبه اضطراب خفيّ.. تفاصيلٌ لم تعد الذاكرة تربطها باستعارات السينما، كالركض تحت المطر أو الموسيقى المُنبثقة من اللقطات المُطوّلة لحفيف الشجر حين تسري نعومة الهواء خلاله. لا تفعل الذاكرة الآن أكثر من استعادة بُقعٍ معدومة من الرأفة والطمأنينة في عالمٍ مُشوّه، بُقع يتساوى فيها العيش والموت وتضمحل الخيارات كل يوم. هناك حيثُ يمكثُ البرد والجوع وانعدام الخدمات الطبية، في ترصد محموم للأطفال والعجزة والمبتورين. وكأن مضيّ الأمّ بصحبة رضيعها إلى المقبرة بسبب البرد أو الجوع أمرٌ عادي، وكل ما علينا فعله هو التآلف معه، لتمضي حياتنا نحن في الجانب الآخر من النهر دون أن يخدش تدفّقها الطبيعي شيءٌ يُذكر!
هكذا وعلى حين غرّة، نغدو جميعًا كبطل ميغيل دي ثربانتس في روايته «الرجل الزجاجي». إنسان تُفضَحُ هشاشته العارمة عندما يُبتلى بآلام الحياة ومحنها، فيتقمّص دور من قُدّ من زجاج بعد مآسٍ لا محدودة مع الكُره والضغينة. «يظنُّ نفسه كائنًا قابلًا للكسر بأقل ضربة أو لمسة محتملة». وهذا حال كل واحدٍ منا اليوم: نبني أسيجتنا حول ذواتنا، دون رغبة حقيقية منا في الاشتباك مع العالم، مُكتفين بالمراقبة عديمة النفع والتفرّج المريض!
في ظل ظروف كهذه، تُفضّل مجتمعاتنا العاجزة أن تؤمن بأنّ الأفراد عنصرٌ ضئيلٌ في إحداث التغيير، كما فعل الرجل الزجاجي حين وضع جسده القابل للكسر في جِراب، مُعتقدًا أن لباسا واسعا لن يُحطّمه، ثم ما لبث أن شدّ عليه زنارًا من القطن ومضى إلى حياة محفوفة بالخشية من كل شيء، «يُراقب السقوف خوفا من أن تنهار، أو أن يسقط عليه حجرٌ منها فيكسره»!
ورغم أنّ «موت الآخر» يُطاردنا عبر شاشات التلفاز والهواتف ونشرات الأخبار في كل مكان، فإننا نبدو كمن فقد وشائجه البشرية، كأننا لم نعد من مادة الطين ذاتها، وإنّما من زجاج شفاف رقيق، يُكثّفُ جهده قدر استطاعته في سبيل ألّا يفقد تماسكه الزائف!
لقد تُركنا لننغمس في همومنا اليومية، في لُقم عيشنا، وصُوِّر لنا كل من هم خارج هذا النمط الطبيعي على أنّهم مُدّعون، مُجازفون، ينبغي أن تُفتح عليهم الأعين وتُسنّ حولهم الأنياب، لأنّهم يجرحون النسيج المُطمئن في المجتمع ويُحدثون بلبلة مؤذية!
مأساة الرجل الزجاجي لا تكمن في هشاشته المتوهَّمة فحسب، وإنّما في رغبته الجارفة في تصديقها، فحتى حين أحاطه أصدقاؤه واحتضنوه ليثبتوا له أنّهم لو فعلوا ذلك لما تكسر وأن جسده لن يُصاب بمكروه، وبزغ الدليلُ أمام عينيه، اختار الرجل الزجاجي أن يتدحرج على الأرض صارخًا مُستسلمًا لإغماءةٍ طويلة. وكأن زيف العيش، والاعتقاد بأننا بلا حول ولا قوة، يُقلّل الكُلفة التي يمكن أن تدفعها الذوات والمجتمعات على حدّ سواء عند اختيارها موقفا مُغايرا. المفارقة الأكثر إيلامًا لا تتجلّى في هشاشتنا التي تُعطل الفعل الصلب والواعي، وإنّما في التمرّغ المُستميت وفي التسليم المُطلق بوجودها. تكمنُ في تصديق أننا عاجزون عن تغيير السيناريو الذي أُلقينا فيه؛ لأننا أقل شجاعةً على تحمّل التبعات المُلقاة على عاتقنا، رغم كل القرائن الساطعة والمُناقضة لهذا الافتراض. انتهى الأمر بصاحبنا الرجل الزجاجي، بأن يغدو بين أيدي صبية من أشقى خلق العالم، «حتى عند سماعهم لتوسّلاته ورجائه، كانوا يشيّعونه صليًا، ورميًا بالحجارة، ليروا فيما لو أنّه يتكسر حسب قوله، وكان يصرخ عاليا ويطوّح بذراعيه أملًا في أن يُنقَذ».
يُسأل الرجل الزجاجي في أعقد القضايا لاختبار فطنته، فيُبدي معرفة عالية وقدرة استثنائية على الإجابة، فأثار إعجاب رجال الأدب وأساتذة الطب والفلسفة. لكنه من جهة أخرى، كان يدفعنا نحن القراء إلى حافة الجنون: فكيف لعقلٍ مُتّقد أن يُحبس في جسدٍ يتخيّل أنّه من زجاج؟ وكيف لسمات القوة والرسوخ أن تغدو مُدعاةً لتبرير الشلل الفادح والانسلاخ من حياة الآخرين المتروكين لمجز الموت الذي يجتثهم من أراضيهم على مرأى العالم ومسمعه، دون أن تُرفع كلمة واحدة!
هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»