"فيلم التمزّق".. إنفاذ القانون في مواجهة إغراءات المال والدوافع الأنانية
الاحد / 5 / شعبان / 1447 هـ - 17:50 - الاحد 25 يناير 2026 17:50
طاهر علوان -
لا شك أن أفلام الحركة والمطاردات والتحري من نوع الأفلام التي تحضي على الدوام بشعبية عالية وهو ما يشجع على إنتاج المزيد من هذا النوع الناجح جماهيرياً، وبذلك اتسعت خريطة هذا النوع الفيلمي لتشمل شرائح واسعة من المشاهدين والمهتمين إذ لا يقتصر جمهور هذا النوع على فئة عمرية محدّدة بل أن ميزته أنه يقدم قصصاً سينمائية متميزة قادرة على اجتذاب جمهور متنوع.
فالشخصيات الاستثنائية القادرة على قيادة الأحداث وتطوير الصراع وبث المزيد من الحبكات هي العنصر الأكثر أهمية خاصة اذا تميزت بخفة الحركة وسرعة البديهية والقدرة على التكيف مع العديد من المتغيرات والاحداث وهو عنصر جذب إضافي شديد الأهمية.
في هذا الفيلم لكاتب السيناريو والمخرج جو كارناهان سوف نشاهد قصة سينمائية متميزة قائمة على المعطيات آنفة الذكر مجتمعة، الحركة والعنف والتحري والمطاردات في شكل فيلمي جمع الأجواء البوليسية في مقابل نزعات الذات وميلها لطابع الأنانية فضلا عن ظاهرة اختراق الجهاز الشرطوي والأمني وهو ما يجري تسليط الضوء عليه حيث يقدم لنا المخرج شخصيتين رفيعتين على صعيد التمثيل والحضور على الشاشة وكلاهما يبرزان في دورين يتعلقان بإنفاذ القانون حيث أنهما ضابطان يعملان معا في مكافحة الجريمة وهما مات دامون وبين أفليك.
بعد مقتل زميلتهما يتجه الضابطان دان، يقوم بالدور مات دامون و جي دي، يقوم بالدور بين أفليك الى تتبع مكالمة هاتفية تدعوهما الى مداهمة منزل يخبئ مبلغاً من المال مع شبهة كون المنزل مكانا للإتجار بالمخدرات.
من هذه النقطة سوف نشهد تصاعداً مضطرداً في الأحداث لاسيما بعد انتقال الفريق الذي يرافق الضابطين، هنا سوف يتم تأسيس مسار مختلف للسرد الفيلمي يكتنفه كثير من الغموض وعدم الإفصاح والاضطراب فضلا عن المواجهات والتوتر المستمر مع موسيقى ترقب ودرجة إضاءة منخفضة حيث التصوير ليلا.
من المعطيات التي عمّقت حالة القلق والترقب فضلا عن التأويلات الكثيرة هي ان المتّصل المجهول كان قد ابلغ عن وجود حوالي 150 الف دولار في ذلك المكان بينما عثر الفريق على أضعاف هذا المبلغ فما هو الحل؟، بالطبع سوف تتكشف لنا صورة رجال الشرطة المحترفين الذي يترفّعون عن المغريات او في المقابل من يسيل لعابهم فيقررون تقاسم بضعة مئات الوف من الدولارات.
ولتعميق التوتر المتصاعد أضيف ذلك الصوت القادم عبر جهاز الهاتف السلكي القديم والذي يحذر الفريق بضرورة مغادرة المكان خلال نصف ساعة او أنهم سوف يقتلون، وفي موازاة ذلك هنالك شخصية ديزي – تقوم بالدور الممثلة ساشا كال، فهي تعيش في منزل جدتها الراحلة ولا تعلم شيئا عن البراميل البلاستيكية المحشوّة بتلك الرزم الضخمة من الدولارات وهو ما يفتح صفحة أخرى حول ما تم إخفاؤه في تلك الدار.
هذه المعطيات المتعلقة بالشكل البوليسي والترقب والتوتر لفتت أنظار العديد من النقاد في هذا الفيلم حيث كتب الناقد برايان تاليركو في موقع روجر ايبيرت قائلا:
' في هذا الفيلم، كرّس المخرج أسلوبه المعهود فقدّمه بشكل ممتع وفعّال، فهو من أفلام الحركة المتميزة من إنتاج نتفليكس، تُشعرك فعلاً برغبة في المشاهدة على شاشة كبيرة في دور العرض. وبالإضافة إلى ذلك، يُهيئ المخرج شخصياته، وخلفية العالم الخطير الذي ستدور فيه الأحداث، ثم يُحرك كل شيء بطريقة كفيلة بإبقاء الجمهور في حالة ترقب. وطوال الفيلم، يُقدم الممثلان الكبيران ' أفليك ودامون' الفائزان بجائزة الأوسكار أداءً مميزاً'.
أما الناقد ايرك فرانسيسكو في موقع اسكواير فقد كتب عن الفيلم قائلا:
' من الجوانب الملفتة للنظر في هذا الفيلم أن قصته بدت وكأنها غير منطقية، لكن في ذات الوقت، يتميز الفيلم ببراعة إخراجية تجعلك مُندمجا معه في كل تفاصيله.
دامون، بالتخطيط لكيفية الاستيلاء على كل قرش. أو على الأقل، هذا ما يريدك أن تعتقده. تتخلل الفيلم مفاجآت وتحولات وحقائق تتكشف، مع إطلاق نار ومطاردات سيارات مثيرة ومتناولا فساد الشرطة، ودليل إضافي على غياب العدالة في العالم لكن في إطار من الإثارة والتشويق حتى أنك تخرج مبتسمًا لأنك شاهدت أحداثاً لم تتوقعها'.
بالطبع تتصاعد الأحداث تحت تأثير إغراء تقسيم المال الذي صار يثير بلبلة وجدلا عميقا بين الشخصيات وصار الكل يشك في الكل، الى درجة تصاعد الجدل بين الضابطين الكبيرين ثم العراك الشرس بينهما وكل منهما يتهم الآخر بتهمة تتعلق بتلك الملايين من الدولارات المخبئة في الحاويات البلاستكية والتي بالإمكان الظفر بها مع التصريح بقسم صغير منها.
ثم يتطور الصراع والجدل إلى حقيقة أن من سيخبئ هذا المبلغ سيبذل جهده لحمايته، وبسبب قرب الاشتباك مع رجال العصابات يتم توظيف الحركة السريعة لإضفاء جو من التوتر وسط الحاح السؤال ما إذا كانوا سيسرقون المال، وما إذا كان لدى الفريق الوقت الكافي لاتخاذ قرار قبل أن ينهال عليهم وابل من الرصاص.
هنالك بالمقابل الجانب الإنساني والوجداني المتعلق بالشخصيتين الرئيسيتين اللتان تقودان الأحداث، حيث يدرك الضابطان الصديقان المقربان مات ديمون وبن أفليك تقدمهما في السن فهما الأكبر سنا في بين المجموعة، إنهما شرطيان منهكان من الحياة ويواجهان إغراء الفساد.
الأول ما يزال يعيش تحت وطأة ألم فقدان طفله الصغير بسبب إصابته بمرض عضال، والثاني ما تزال ذكرى حبيبته حاضرة، تلك التي أجهزت عليها عصابة مجهولة فكيف إذا كان أحد أفراد العصابة هو شرطي فاسد؟
'التمزق' الذي هو عنوان الفيلم يجسده أفليك بمشهد مقتل الشرطية حبيبته وتحوّله بسبب ذلك الى شخص شديد العنف والعصبية، لا يتحمل جدلا ولا نقاشا وانما يريد الوصول إلى النتائج بنفسه وبشكل عاجل، وهو عنصر عميق اجاد المخرج الخوض فيه بالتوازي مع تلك الالتباسات والغموض والتضارب المرتبط بالمال والمكائد والفخاخ التي نصبت للفريق الأمني المكلف بإحضار تلك الأموال الطائلة.
ولعل كثرة الالتباسات وعمليات التمويه هي من الأدوات التي برع فيها المخرج في التغطية على رجال الشرطة المرتشين والمندسين بين زملائهم وكل هدفهم هو المال مستغلين مواقعهم حتى نصل الى نقطة يكاد كل رجل شرطة ان يشك في الشخص المقابل له وهنا استخدام ذلك النوع من التوازي بين الدهاء والعقل الذي يمثله في الفيلم مات ديمون في مقابل التهور والاندفاع واستخدام العضلات الذي كرسه بين افليك وهو تناغم أضاف للأحداث المزيد من التأثير.
..
قصة وسيناريو وإخراج/ جو كارناهان
تمثيل/ مات دامون في دور الملازم دان، بين أفليك في دور المحقق جي دي، ستيفين يون في دور المحقق مايك، ساشا كال في دور ديزي
مدير التصوير/ خوان أزبيرز
مونتاج/ كيفن هال