ثقافة

"سُكنى" مساحة دافئة تلامس البيوت وتطرح القضايا الأسرية عبر الصوت الإعلامي

 

متابعة- شذى البلوشية / تصوير- صالح الشرجي -

لطالما كان صوت البرامج الأسرية مسموعا أكثر من غيره، كونها تقترب بحرص من الأسرة التي هي الوحدة الأساسية لبناء المجتمعات، تنصت لكل قضاياها وتطرحها للنقاش بطريقة أكثر بساطة وارتباطا بالكيان الأسري المتمثل في أحاديث يومية تدار في كل بيت.
برنامج «سُكنى» أحد البرامج التي تبث كل أربعاء عبر تلفزيون سلطنة عمان، وهو مساحة دافئة تلامس البيوت وتصل إلى القلوب، وحكاية تطرح القضايا الأسرية بطريقة قريبة من حياة الأسرة العُمانية اليومية، و يرتكز الإطار العام لكل حلقة على ثلاثة مكوّنات رئيسية ، تمنح المشاهد تجربة متابعة مليئة بالمعنى، وتجعله جزءًا من النقاش، وتتيح للشاشة أن تمارس دورها كمساحة للوعي لا للاستهلاك السريع.
المكوّن الأول في البرنامج هو الحوار داخل الاستوديو مع ضيوف مختصين، حيث تُناقش القضية في سياقها الاجتماعي ، وبطرح متوازن يسعى إلى الفهم والتحليل أكثر من البحث عن إجابات جاهزة
المكوّن الثاني هو التقرير الميداني من تقديم فاطمة الهدابية، الذي يرصد قصصًا وتجارب واقعية من بيوتنا، مرتبطة بموضوع الحلقة، ومدعومة ببيانات ومؤشرات علمية، ما يمنح القضية بعدًا إنسانيًا ويعزز مصداقية الطرح، ويقرّبها من واقع المشاهد.
ويُستكمل هذا البناء باستطلاع مجتمعي من تقديم رويدة الرواحي، حيث يُطرح في كل حلقة حول القضية نفسها، ليعكس آراء الناس وتباين وجهات نظرهم، ويؤكد أن البرنامج لا يكتفي بالحديث عن المجتمع، بل يتحدث معه ويمنحه مساحة صوت للتعبير.
من خلال المكونات المختلفة لـ'سكنى' ومحاوره وضيوفه تُخلق مساحة حقيقية للحوار الأسري، تتقاطع فيها المعرفة مع الواقع، ويصبح فيها صوت الناس جزءًا أساسيًا من محتوى البرنامج.
اسم مرتبط بالمضمون والرسالة
وتحدث سلطان الحاتمي مدير القناة العامة حول البرنامج بداية من اختيار الاسم، حيث قال: '(سكنى) من الدلالة اللغوية للمسكن بوصفه المأوى الذي يجمع الفرد بأسرته، ويحمل في معناه السكينة والطمأنينة والاستقرار، وهي القيم الجوهرية التي تقوم عليها الحياة الأسرية، مع الإشارة لأهمية انتقاء الاسم ليكون علامة دالّة، واضحة وبسيطة، تعكس مضمون البرنامج ورسائله بصدق وعمق'.
في حين أن فكرة البرنامج التي جاءت استلهاما من التوجيه السامي المتواصل حول رعاية الأسرة و دورها المحوري في بنية المجتمع و تماسكه و الالتزام بالقيم و الأخلاق و الهوية العمانية، قال الحاتمي بأن البرنامج جاء تنفيذا لتوجيهات المسؤولين بوزارة الإعلام لإنتاج برنامج اجتماعي هادف يتناول القضايا التي تمس الأسرة والمجتمع، ويواكب التحولات الاجتماعية المعاصرة.
وأشار مدير القناة العامة إلى أن رسالة البرنامج تنبثق من توعية الجمهور المستهدف بمختلف القضايا والشؤون الاجتماعية المرتبطة بالأسرة، لاسيما تربية النشء، والتعامل مع التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي، وتداخل الثقافات، والأفكار، إضافة إلى مناقشة أولويات الأسرة في الحياة المعاصرة وغيرها، كما يهدف البرنامج إلى ترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية، وتعزيز ترابط الأسرة العُمانية، ودعم روح التعاضد والتكافل المجتمعي، بما يسهم في بناء مجتمع متماسك ومتوازن، يحافظ على قيمه الأصيلة وينفتح بوعي على متغيرات العصر.
الرؤية الإخراجية
وتحدث مخرج البرنامج إبراهيم الزدجالي عن رؤيته الإخراجية التي اعتمدت على اسم البرنامج وفكرته والمواضيع المطروحة فيه، فقال: 'فكرنا أن يكون البرنامج على شكل بيت، حيث أن ديكور البرنامج وبالذات الصالة اقتبسنا فكرتها من البيت، فدائما الصالة هي المكان الذي يجتمع فيه الأهل والأسرة بالكامل، فلابد أن تكون فيها الجلسة المريحة إلى جانب الطاولة اللي ناكل عليها ونتناقش حولها، فهذه العناصر هي التي حرصنا على تواجدها، إلى جانب طبعا بعض الاكسسوارات التي تساعد في إضفاء جو من الدفء والألفة الأسرية'.
وحول إضاءة البرنامج التي تم الاعتناء بتفاصيلها قال الزدجالي: 'الإضاءة حرصنا أن تكون بين اللون البرتقالي الليلي الناعم، وكذلك الأزرق الذي يعطي جو السكينة والهدوء والراحة النفسية. وأيضا الشموع التي حرصنا أن تكون متواجدة أيضا في أماكن جلوس الضيوف، وذلك لما لها من دلالات عميقة على المستوى النفسي والبصري'.
اعتمد البرنامج على إيجاد مساحة للراحة من خلال كل التفاصيل، حتى يصل هذا الشعور للمشاهد، وأشار مخرج البرنامج إلى أن تلك الراحة يمكن أن تنعكس على المشاهد أيضا بعيدا عن التشتت ودون وجود قطعات سريعة أيضا على مستوى اللقطات والفقرات، وقال الزدجالي: '
البرنامج بعيد عن جو المنوعات، وبعيد عن جو البرامج المباشرة، وهو برنامج اجتماعي له طابع إنساني خاص، فالصورة البصرية بشكل عام تقدم للمشاهد رسالة مفادها بأن هذا المكان دافئ، هادئ، آمن، وصادق للحوار الأسري، يشبه بيوتنا، وهذا ما نرجوه أن يشعر المشاهد بالألفة والراحة والانتماء'.
وأضاف مخرج البرنامج: 'نحرص منذ لحظة طرح عنوان الحلقة لأن نضع المشاهد في قلب القضية، وأن نفتح أمامه باب التفكير لا باب التلقي فقط. ومع ختام كل حلقة، نعمل على أن تكون القفلة قوية ومؤثرة، تترك أثرها في ذهن المشاهد، ليواصل التفكير في القضية بينه وبين نفسه، بينه وبين عائلته، واذا ما وضعت حلول كافية اثناء النقاش في البرنامج هو يفكر في حلول أخرى، فالصورة مفتوحة عند المشاهد، ، لأن الهدف ليس أن نعطي إجابات جاهزة، يقدر ما أننا نثير التساؤل، والموضوع لابد أن يكون واقعي، والمشاهد يشعر أن هذا الأمر موجود عند أخيه، عمه، جاره، أو صديقه، لأن القضايا إذا لامستك بشكل مباشر، فهي أكيد تلامس أشخاص قريبين منك'.
وقال إبراهيم الزدجالي في ختام حديثه: 'اعتقد أن سُكنى قدّم مجموعة كبيرة من القضايا اللي تلامس المجتمع وتلامس الناس بشكل مباشر ومن واقع حياتهم اليومية'.
برنامج ذو حوار هادئ بلغة بسيطة
وفي اتجاه جديد للمذيعة بيان البلوشي في تقديم البرنامج وإعداده تقول: 'أعتقد أن سكنى قدم قالبا مختلفا في التقديم والطرح عمّا اعتاده المشاهد، وهو ما شكّل في بدايته تحديا جميلا بالنسبة لي. عرفني الجمهور لسنوات في برامج ذات طابع رسمي، أما في «سُكنى» فالقالب البرامجي يتطلب أن أقترب أكثر من الناس، بلغة بسيطة وسلسة ومحلية، وحوار هادئ ودافئ يشبه أحاديثنا داخل بيوتنا، وفي الحقيقة لم تكن الصعوبة في التقديم بحد ذاته، بقدر ما كانت في الانتقال الواعي من دور المذيعة التي تدير الحوار، إلى حضور إنساني أوسع، في 'سُكنى' لا أقدّم نفسي فقط كمقدمة برنامج، بل أستحضر أدواري كأم، وزوجة، وابنة، وأخت، وصديقة، وإنسانة تشارك الآخرين تساؤلاتهم وهمومهم، حاملة رسالة وطنية وإنسانية لكل بيت وأسرة في بلادنا الحبيبة'.
وحول ردود أفعال المشاهدين تقول بيان: 'ردود فعل المشاهدين كانت مشجعة ومطمئنة، وكثير منهم عبّر عن شعوره بأن البرنامج قريب منه، وبأن هذا الأسلوب قدّم له صورة مختلفة وأكثر قربًا، وهو ما يؤكد أن الصدق والبساطة قادران على بناء جسر حقيقي مع الجمهور. وأنا ممنونة جدًا للقائمين على تلفزيون سلطنة عُمان لثقتهم بتكليفي هذا البرنامج، الذي أراه بمثابة نقطة انطلاقة جديدة لـ بيان في مجال البرامج المتخصصة التي تُشبهها'.
الأسرة كيان حساس ومركزي
وحول إعداد الحلقات واختيار محاور كل حلقة والضيوف قال البلوشية: 'نحن نتعامل مع الأسرة بوصفها كيانًا حساسًا ومركزيًا في المجتمع، لذلك يخضع اختيار موضوعات «سُكنى» لعملية دقيقة تبدأ برصد احتياجات الأسرة العُمانية وما يطرأ على واقعها من تغيرات.
وأضافت: 'نحن نعتمد على قراءة المشهد الاجتماعي، ومتابعة ما يطرح في الفضاء العام، إلى جانب الاستفادة من آراء المختصين والتغذية الراجعة من الجمهور. كما نحرص على أن تكون المحاور واقعية وقابلة للنقاش داخل البيت، وأن تُطرح بميزان من الوعي والمسؤولية، دون تهويل أو تسطيح، وبما ينسجم مع قيم المجتمع العُماني وثوابته. كما نشير إلى أن اختيار عدد من موضوعات حلقات «سُكنى» جاء بمشاركة مباشرة من المشاهدين والمتابعين، حيث حرصنا على فتح باب المشاركة المجتمعية عبر نشر استطلاع على حسابات القناة العامة في وسائل التواصل الاجتماعي، لإتاحة الفرصة للجمهور لاقتراح القضايا التي يرغب في مناقشتها ضمن البرنامج، بوصفه مساحة أسرية قريبة منهم، وبعد دراسة هذه المقترحات وتمحيصها، تم تناول العديد منها في حلقات سابقة، بما يعكس حرص البرنامج على التفاعل مع جمهوره، والاستماع إلى صوته، وتقديم محتوى ينبع من اهتماماته واحتياجاته الفعلية
كما نولي اختيار الضيوف أهمية كبيرة، حيث يتم انتقاؤهم بناءً على تخصصهم وخبرتهم المرتبطة بموضوع الحلقة، إلى جانب قدرتهم على إيصال الفكرة بلغة بسيطة وقريبة من المشاهد، ونحرص على أن يكون الضيف إضافة حقيقية للحوار، وأن يسهم في تقديم رؤية علمية أو عملية تثري النقاش وتخدم رسالة البرنامج، ومن هنا تبرز أهمية وجود معدّ مختص ضمن فريق البرنامج، يضبط الموضوعات ومحاورها على أسس علمية وعقلانية، بما يحقق التوازن بين البعد الإنساني والدقة المعرفية، ويجعل الحوار أقرب إلى نقاش عائلي هادئ يضيف وعيًا ويمنح طمأنينة للمشاهد'.
مصاعب وتحديات
وحول التحديات التي يواجهها البرنامج قالت المذيعة بيان البلوشية: 'البرامج الأسرية تواجه تحديات، أبرزها حساسية القضايا المطروحة، وضرورة الموازنة بين الطرح الصريح والمحافظة على القيم والخصوصية المجتمعية، إضافة إلى اختلاف توقعات الجمهور وتنوع اهتماماته.
إلى جانب التحدي المتعلق بالوصول إلى قصص وتجارب واقعية تعبّر عن جوهر القضية وتعكسها بصدق، دون المساس بخصوصية أصحابها أو تحويل التجربة الإنسانية إلى مادة استهلاكية،
لكن في المقابل وجد ' سُكنى' صدى طيبًا لدى المشاهدين، حيث لمسنا تفاعلًا إيجابيًا يعكس شعورهم بأن البرنامج قريب من واقعهم، ويطرح قضايا يعيشونها يوميًا داخل بيوتهم، وهو ما يؤكد حاجة المجتمع لمثل هذا النوع من البرامج الهادفة'.
وحول استمرار البرنامج في مواسم قادمة قالت البلوشية: 'البرنامج مستمر بإذن الله، فهناك إيمان حقيقي من إدارة التلفزيون بأهمية مثل هذه البرامج التي تلمس حياة الناس وتخدم المجتمع. وبدعم متواصل لتطويره وتحسينه، نأمل أن يترك سُكنى أثرًا إيجابيًا وملموسًا في حياة المشاهدين، ويصل إلى قلوبهم قبل عقولهم.
المادة العلمية
وتحدث عدنان الفارسي معد المادة العلمية في برنامج 'سكنى' عن أهمية المادة العلمية حيث قال: 'المادة العلمية في سُكنى ليست إضافة تجميلية أو هامشاً يُستدعى عند الحاجة، هي العمود الذي يمنح الحلقة مصداقيتها ويخرجها من الانطباع إلى الفهم، ومن ردود الأفعال إلى قراءة واعية للواقع، نحن في برنامج سُكنى نتناول موضوعات تمس الأسرة العمانية في تفاصيلها الدقيقة، ولذلك لا يكفي أن نقول (نشعر، أو نلاحظ ) وإنما نحتاج أن نسند الطرح إلى معرفة محققة مثل: بيانات وإحصاءات رسمية وأبحاث علمية وتجارب ميدانية ورؤى مختصين'.
وحول ما يضيفه عدنان الفارسي من خلال مشاركته في الإعداد لبرنامج متخصص كونه مختص قال: 'بصفتي مختصاً أشارك في إعداد برنامج متخصص مثل سُكنى، فإن أهم ما أضيفه هو الدقة المنهجية وبناء الإطار العلمي،.بالإضافة إلى تحويل المعرفة إلى رسالة قابلة للفهم والتطبيق، فالمختص لا يكتفي بسرد المعلومات، بل يسهم في ترجمتها إلى محاور وأسئلة عملية تخدم المشاهد مثل: كيف تظهر المشكلة؟ كيف نتعامل معها داخل الأسرة؟ ما حدود التصرف الصحيح؟ ما الخيارات الواقعية المتاحة؟ وهنا يصبح دور المختص جسراً بين البحث الأكاديمي والواقع اليومي للناس. إلى جانب التوازن الأخلاقي والاجتماعي في الطرح، فكما تعلمون بأن البرنامج يطرح موضوعات حساسة تمس الأسرة، وحضور المختص مهم لضبط نبرة الخطاب، فلا تهويل ولا تهوين، لا لوم ولا تبرير، بل فهم وتعاطف ومسؤولية، كما يضمن أن تكون الحلول المقترحة إنسانية وتحترم قيم المجتمع العماني وخصوصيته، دون أن تفقد المنطق العلمي'. وأضاف الفارسي: 'لهذا أرى أن المختص في الإعداد التلفزيوني لا يُضيف معلومة فقط، وإنما يُضيف معياراً للدقة والاتزان وصدق الأثر، وهذا بالضبط ما نحتاجه في برنامج مثل سُكنى، لأن هدفه في النهاية ليس صناعة ضجة، بل صناعة وعي'.