"أوراق عثمانية" جديدة أدبية وتاريخية
السبت / 4 / شعبان / 1447 هـ - 16:41 - السبت 24 يناير 2026 16:41
(1)
يتميز تاريخ آل عثمان بخصوبة تاريخية فريدة، فقد تمكن الرجل وأحفاده من فرض أنفسهم على مسرح الأحداث في قارات العالم القديم لمدة تربو على ستة قرون (1299- 1924م)، نجحوا خلالها في توظيف ما عُرف باسم حركة الفتوح الإسلامية، وحركة الجهاد الإسلامي، لترتفع أعلامهم على العديد من مناطق آسيا الصغرى السلجوقية والبيزنطية، قبل نجاحهم في العبور إلى القارة الأوروبية من أجل إخضاع الشرق الأوروبي (الصرب والمجر والبلغار والبلقان)، ثم العودة إلى الإجهاز على الإمبراطورية الرومانية الشرقية (الإمبراطورية البيزنطية) وفتح عاصمتها القسطنطينية عام 1453م في خطوة اعتبرها العديد من المؤرخين حدثًا مفصليًّا يصلح لأن يكون فاصلًا بين زمنين تاريخيين (ثمة اتفاق على أن فتح القسطنطينية 1453 وسقوط غرناطة 1492م هما الحدثان التاريخيان الكبيران اللذان يفصلان تاريخ العصور الوسطى عن العصور الحديثة بقدر وافر طبعا من الاحتراز).
ويأتي هذا الكتاب الجديد الذي يصدر بالتزامن مع معرض القاهرة الدولي للكتاب الـ 57؛ ليسلط أضواء كاشفة على جوانب من هذا التاريخ تتغيا القارئ العام، وتتوجه إلى القارئ المتخصص وغير المتخصص على السواء لتعرض له أوراقا شائقة في التاريخ والأدب والأسطورة وتكشف عن الجوانب الخفية والمجهولة في مسارات وعلاقات الدولة العثمانية بغيرها من الدول والإمبراطوريات فضلا على الكشف عن مساحات مجهولة من تاريخ هذه الإمبراطورية قبل سقوط القسطنطينية عاصمة الإمبراطورية البيزنطية في أيديهم وبدء قصة صعودهم وسيطرتهم على أجزاء واسعة من العالم القديم في آسيا وأوروبا وأفريقيا.
«عثمانيون وبيزنطيون» من تأليف المؤرخ الكبير وشيخ مؤرخي العصور الوسطى في مصر والعالم العربي؛ الأستاذ بالجامعات المصرية والعربية المعروف.
(2)
ينتمي الدكتور حاتم الطحاوي إلى تلك الصفوة الممتازة من المؤرخين المصريين الكبار الذين قدَّموا كتابات غاية في الجودة والإتقان، والدقة والقيمة، وفي الوقت ذاته فإنها تُقرأ على نطاق واسع من دون أي صعوبة أو مشكلات في القراءة، ولا عجب في ذلك فهو أنبغ تلاميذ المؤرخ الكبير القدير قاسم عبده قاسم رحمه الله. أخذ عنه الدقة والإتقان وتأصيل الكتابة التاريخية بما تقتضيه من انضباط منهجي والتزام صارم بالمعايير العلمية الدقيقة، وفي الوقت نفسه 'السلاسة الأسلوبية' التي لا تتأتى إلا لمن راد طريقه بالصبر والدأب والدربة والثقافة الموسوعية التي لا غنى عنها لكل مؤرخ أصيل وأكاديمي حقيقي وكاتب كبير.
تنتمي كتابات الدكتور الطحاوي إلى هذه الدائرة التي يسعد القارئُ فعلًا بالتجوال الحر في رياضها، وقطف زهرات رائقات يتنسم منها رحيق المعرفة الوافرة والمنهجية المنضبطة، والسلاسة الأسلوبية، بمسحة جمال أدبية لا تخفى على ذي ذوق وذائقة.
أكثر ما يلفتني في كتابات الدكتور حاتم الطحاوي التاريخية (وأعترف أنني من محبي هذه الكتابة، والمغرمين بها والمتابعين باهتمام لها) هذه الطريقة الممتازة في العرض والتحليل، وتوظيف النصوص بما يخدم الغرض الأساسي 'للقراءة/ الدراسة'؛ وقد توهم هذه الكتابةُ السلسةُ القارئَ المتعجلَ بأنه يمكنه تقليدها، لكن ذلك لا يتأتى إلا بخبرة عريضة تراكمت عبر السنين، ودربة فائقة على استخلاص الأفكار وصياغتها، والسيطرة على المادة 'الهائلة' التي عمل على جمعها وترتيبها وتصنيفها بدأب وصبر مثيرين للإعجاب، ثم بعد ذلك إعادة تنظيمها في سياق الرؤية العلمية التي يسعى لإبرازها وعرضها.
وهذا الكتاب الذي يصدر في سلسلة (مكتبة الدراسات التاريخية) العريقة نموذج ناصع على ما ذكرته أعلاه.. كتاب يشتمل على جولات ممتعة بل فائقة المتعة بين رياض الأدب والتاريخ والأسطورة فيما يتصل بتاريخ العثمانيين في تقاطعاتها مع البيزنطيين وغيرهم من الإمبراطوريات والدول العظمى في ذلك الوقت..
«عثمانيون وبيزنطيون ـ أوراق في الأدب والتاريخ والأسطورة»؛ كتاب لا يمكن أن تتركه قبل أن تتمه باختيارات موضوعاته وطريقة معالجتها وعرضها ولا عجب في ذلك فقد كانت في أصلها الأول موجهة للقارئ العام في واحد من أشهر الصحف العربية المعنية بالثقافة والتراث والتاريخ (سقى الله أيامها بالخير قبل أن يعلن إغلاقها وحذف أرشيفها الكامل من على الإنترنت؛ أقصد جريدة 'الحياة' اللندنية الشهيرة)
(3)
لماذا يزعم كاتب هذه السطور أن هذا الكتاب يسد ثغرة كبيرة في حقل الدراسات العثمانية والثقافة التاريخية عموما؟ ولماذا الآن؟
يجيب عن هذا السؤال مؤلف الكتاب ذاته؛ وهو المؤرخ الكبير وصاحب الباع الطويل والعميق في هذا التخصص الدقيق؛ يقول:
على الرغم من ولع القراء العرب بالتاريخ بشكلٍ عام، وغرام بعضهم بالتاريخ العثماني، فإنني أزعم -في شبه تأكيد- أن لديهم جميعا نقصًا واضحًا فيما يتعلق بتاريخ العثمانيين 'الأوائل'، فضلًا عن مدى علاقتهم بالدولة البيزنطية (دولة الروم في المصادر الإسلامية)، تلك العلاقة التي توِّجت العام 1453م بنجاح السلطان العثماني محمد الثاني (الفاتح) في اجتياح مدينة القسطنطينية، ووضع حد لتاريخ العاصمة البيزنطية التليد منذ القرن الرابع الميلادي.
ويشير الكتاب -في غير موضع- إلى أمورٍ تتعلق بالشأن العثماني الباكر قبل سيطرتهم على الشام ومصر، وهذه الفترة تكاد تكون مجهولة بالكلية للقارئ العربي المعاصر؛ ولم يلتفت إلى أهمية التعرف عليها إلا بفعل الدعاية التي روجت لها الدراما التركية التاريخية في العقد الأخير.. يضرب مؤلف الكتاب مثلا على ذلك ما خصص له الفصول الأولى من الكتاب تحت عنوان عن 'الأساطير المؤسسة للتاريخ العثماني نفسه'، مثل 'حلم عثمان' مؤسس الدولة.. هل كان حقيقيا؟! هل تأثر الحلم نفسه، أو عملية تدوين الحلم في المصادر العثمانية بما ورد عن الأحلام المؤسسة لدول أخرى سابقة على العثمانيين وردت أخبارها أيضًا في المصادر التاريخية العربية والبيزنطية من قبل؟!
وماذا عن الحديث عن أصل العثمانيين؛ وجذورهم البعيدة (إثنيًّا وجغرافيًّا) هل كانوا أبناء قبيلة 'تركية' هاجرت تحت ضغط قبائل مغولية من حدود الصين الغربية إلى وسط آسيا، ثم إلى الأناضول، وشمالي بلاد الشام؟ وماذا عن النظريات التي تَنسب العثمانيين إلى مدينة طروادة الشهيرة في التاريخ القديم، وأنهم خرجوا للانتقام من عدوهم اليوناني القديم؟ وماذا أيضًا عن نظرية الأصل الروماني للعثمانيين، وغير ذلك.. إلخ. وماذا عن أسطورة 'التفاحة الحمراء' في الوجدان التركي، ومدى استخدامها في جدل الصراع العثماني/ البيزنطي؟!
(4)
ويستكمل المؤلف تنقيبه الدقيق حول التدين الغالب لدى العثمانيين الأوائل، ويقدم ما خلاصته أنه تدين تغلب عليه المسحة الصوفية، مع اختلاط ما بين الشعائر السنة والشيعية، وهو ما أفرز نوعا من 'التدين الشعبي' الذي سمح بحركة يمكن بوصفها بـ 'السيولة الدينية'؛ إذ كان سهلًا على الشخص أن يكون مسلمًا متدينا، وممارساته بها العديد من الشوائب المسيحية واليهودية؛ الأمر الذي سمح للكثيرين في الأناضول بالانتقال بين الأديان بشكلٍ لم يكن ليثير الدهشة أو الاستنكار في ذلك الوقت.
وهناك حديث بالكتاب أيضًا عن ثورة الشيخ بدر الدين ضد العثمانيين في القرن الخامس عشر الميلادي، وهي التي توحد حولها سكان مسيحيون ويهود، ودعت إلى الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، بحيث أشار الشيخ بدر الدين إلى أن 'كل شيء مشاع وملك للجميع... إلا وجه الحبيبة'! وهي الثورة التي انتهت بإعدام صاحبها، ليخرج صداها من بطون المصادر التاريخية العثمانية والبيزنطية لكي يتردد في أشعار الشاعر التركي الأشهر ناظم حكمت في القرن العشرين، وهل حقًّا كانت أول ثورة 'اشتراكية'، قبل بزوغ الاشتراكية الحديثة في زماننا القريب كما ردد البعض..
وفي النهاية، يمكن القول إن هذا الكتاب الجديد يلبي احتياجات القارئ العادي، والقارئ المتخصص في آن واحد، يقدم له باقة مختارة بعناية فائقة تحوي معلومات تاريخية وأدبية غزيرة عن أحداث ووقائع تاريخية استحقت أن يهتم بها المؤلف والقارئ في نفس الوقت.. وقد قدمها المؤرخ الكبير على مدى سنوات طويلة في عديد الصحف والمجلات وها هو يعيد جمعها وتصنيفها وتبويبها وتقديمها بين دفتي هذا الكتاب إلى القارئ العربي في كل مكان.