ثقافة

البحث عن الشاعر «السُّتالي» بين بساتين نزوى

 

في جولة بين بساتين نزوى، وجدتني في مواجهة مع أمير شعرائها بين القرنين الخامس والسادس الهجريين، أبو بكر أحمد بن سعيد الخروصي السُّتالي، وجدتني في مواجهة معه، وكأنني أتحسس صوته وهو ينشد رائعته، حينما لاح له سِرْبٌ من الحِسان، يزحفن في الدُّرُوب فقال: (قَصَرْنَ الخُطا وَهَزَزْنَ الغُصُونا .. وَرَقْرَقْنَ تَحْتَ النِّقابِ العُيُونا)، (وَفَلَّجْنَ كالأقحُوانِ الثَّنايا .. وَكَحَّلْنَ بالسِّحْرِ مِنْها الجُفُونا)، فلم أجد أجمل من هذه القصيدة وَصْفًا، لفتيات يمشين بين نُخيلات تلك البساتين، لذلك تمثَّلته في وجداني، وأنا أرى المشهد يتكرر بين الحين والآخر، في مكان ما بين بساتين نزوى، أو في دروب حاراتها القديمة، أو حتى في الذاكرة، المليئة بصُوَرٍ من خيال، وخيال في صُوَر.
في هذه الجولة، اخترت المكان أن يكون «سَمَد نزوى»، وكأنني في رياض خُضْر، وجنائن يقصُر عنها الوصف، ولم أستغرب من جمال قصائد السُّتالي، الذي أبدع في الغزل بحُوريَّات هذا المكان، قبل ما يقرب من تسعة قرون، وعانق هذه الأمكنة بشعره الرائق، متوسِّلًا مزنة الصَّيف أن تسكب لبن غيثها، أو كما يعبِّر عنه (دَرِّ الحَيَا)، مَطرًا ينهلُّ شآبيبه على منازل أحبته، يعرفهم تحديدًا، يسكنون بين «ذات جُوْس» و«ذات العَراقِيب»، وهي أمكنة معروفة إلى اليوم، ذكرها الشاعر في قصيدة، يقول عنها النقاد أنه عارض بها المتنبي في قصيدته الشهيرة: (مَن الجَآذرِ في زِيِّ الأعَاريبِ .. حُمْرِ الحَلَى والمَطايا والجَلابيبِ)، وإن كنتُ لا أرى في قصيدة السُّتالي معارضة، حتى وإن شابهتها في الوزن وشاكلتها في القافية: (يا مُزْنَةَ الصَّيْفِ مِنْ دَرِّ الحَيَا صُوبِي .. بِواكِفِ القَطْرِ مُنْهَلِّ الشَّآبيبِ)، (على مَنازِلَ آُلَّافٍ عَهِدْتُهُمُ .. مِنْ «ذاتِ جُوْسٍ» إلى «ذاتِ العَراقِيبِ»)، و«ذات جوس» موضع معروف في جهة الشمال من سَمَد، أما «ذات العَراقيب» فقريبة من الموضع المعروف بمنطقة «بُرْج القَرْن»، وجزء منه تكسوه المقابر، تمتد إلى مساحة بعيدة، ولعلها تكون هي ذاتها المعروفة باسم «ذات الأباريق»، كما في بيته الشعري أيضًا: (يا غَيْثُ فاسْكُبْ حَيَاءً في مَنازِلِنا .. مِنْ ذاتِ جُوْسٍ إلى ذاتِ الأبارِيقِ).
وجدتني في مواجهة مع هذا الشاعر العظيم، الذي يصيغ البيت، وكأنه يسبك كلامه من فضَّة، وينحت معانيه من ذهب، فيلتمع في العين بهاؤه، وتشرق في القلب صوره الأخَّاذة، فمِن أين أتيت أيها الطائِرُ المَحْكي، حتى تفرَّدتَ بهذه الروائع التي بقيت من شَدوك الشِّعري؟، من أي غصن أخضر تنحدر؟، فشاعريتك لا تبعد في الشبَهِ عن تدفق مياه الوادي المُحاذي لسَمَد، ولا عن جريان العيون حيثما تكون، ولا عن العيون وهي ترسل سهامها إلى القلوب، شاعريتك الناضحة بلغة فتيَّة، تشبه نخيل سَمَد السَّامقة.
وبينما كنت في الطريق إلى سَمَد، دخلت مقصورة «الرويشيَّة»، ومن ثم تابعت الطريق المحفوف بأشجار النخيل والمانجو، حتى بلغت موضع جامع سَمَد الكبير المهدوم، وتساءلت مع نفسي، أيكون السّتالي قد صلَّى فيه ذات يوم؟، وهو اليوم ذكرى جامِع، فقد هُدِم مطلع القرن العشرين، مررتُ على الموقع فوجدت سارية من سواريه لم تَتَهدَّم بعد، وكأنها وقفت شامخة كشاهد قبر على الجامع الدَّفين، أو ملاكٌ يبعث الاطمئنان في المكان، فأخذتُ ألامس السَّارية، وأعانقها بذراعَيَّ، لعلي أشمُّ رائحة تنبعث من أولئك الأبدال، الذين اتكئوا عليها وهم يقرأون القرآن، أو ينتظرون وقت دخول الصلاة، ومرة أخرى حدثتني نفسي أنَّ هذه السارية خاصَّة بالشاعر السُّتالي، لعله استند عليها جلوسًا ذات يوم، مُثقلًا من قصيدة لم يكتبها بعد.
وأخذت أهيم بين البساتين إلى لا مكان، فصادفت شخصًا سألته عن موضع يسمى «ستال»، هل هو موضع يحمل هذا الاسم؟، فرد عليَّ إنه لا يبعد كثيرًا سوى بضع منعطفات، قطعَتْها السيارة في وقت قصير، حتى بلغت المكان، ووقفت عليه، هذه هي «ستال»، ضاحية من ضواحي سَمَد، وكَرْمَة الشاعر التي تحمل اسمه.
بقيتُ لحظات في «ستال سَمَد»، أتمعَّن في المكان، وأحاول أن أصيخ السَّمع إلى ترنيمة القرون، علَّني أسمع صوت السُّتالي، قادمًا من مجلس السلطان يعرُب بن عمر بن محمد، وقد قال فيه قصيدة، فألبَسَه حُلَّة لا تبلى، لكن رَيَّا ابنة السلطان لم تفهم الإشارة الشعرية من القصيدة، فحينما علق ثوب حسناء بنت الشاعر السُّتالي في شجرة شائِكة، وجذبته حتى انشقَّ، فما كان من رَيَّا بنت السُّلطان يعرب، إلا أن تنمَّرَتْ عليها غاضبة، وقالت لها كما يصف ابن رزيق في صحيفته القحطانية: (لو كان أبوكِ قد اشترى هذا الثوب، لما صَنعتِ به هذا الصَّنيع)، فردت عليها بإيعاز من أبيها، بعد أن شَكَت له ما حدث، قولي لها: (إنَّ أباكِ كَسَانا حُللا تبلى، وكسيناكم حُللا لا تبلى).
أتكون هذه ستال، التي عاش فيها الشاعر قبل تسعة قرون؟، ضاحية من ضواحي سَمَد، وحول المكان ضفور حجرية قديمة، لعلها أطلالٌ تنتسب إلى بيت الشاعر القديم، حيث عاش حياته بين هذه الرِّياض في «سَمَد»، ومن جهة الشرق يجاوره جبل «الحَوْرَاء» الشاخص، كسُور يحيط بمدينة نزوى، أو كما يقول في إحدى قصائده: (والعِزُّ والفَضْلُ في ذُرَى سَمَدٍ).
وَقفتُ على ما تبقَّى من أطلال الشاعر، ضُفُور قديمة، يتراكم بعضها فوق بعض، فالمكان عريق، وعروقه تمتد إلى تلك الأيام البعيدة، حين كانت سَمَد مقصورة نزوى وقصورها العتيقة، فكأنما ذِكرَى رائحة ينبعث ضوعها من قارورة ذلك الزمان، وكأنَّ صوته يتناهى إلى روحي، وهو يترنم ببيته الشهير: (فَيَبِينُ لي أنَّ البَسِيطةَ كُلَّها .. سَمَدٌ وأنَّ الناسَ طُرًا يَعْرُبُ)، وكأنما روح الشاعر تتردد في هذه الأنحاء.
بعد جولة بين خمائل سَمَد نزوى، لم يساورني شك أن الشاعر ينتمي إلى هذه الأرض الخصبة، وأن ستال التي تتقدم اسمه، أكثر من قبيلته بني خروص، هي في سَمَد نزوى، حيث عاش الشاعر، وتفتَّحت ورود أحلامه، وتشكَّل بيانه الشعري، ونضجت قصائده، وفيها غازل محبوباته، وكتب في أميرات الجمال أرق قصائده، وهو القائل: (وَمُحْكِمَةٍ رَاحَ السُّتاليُّ واغتَدَى .. بمَدحِكَ في أبياتها يَتفَوَّقُ)، لم يساورني شك أنَّ أبا بكر الخروصي، هو مِن هذه الأنحاء الجميلة، حيث لم يتشبَّب بقرى غيرها في قصائده، وها هو السُّتالي يتبادى أمامي، في وجهه حُمْرَة عاشِق، وفي عيونه كُدْرَة سَهَر، قلت له: ما بالك يا أبا بكر وهذه الحال؟ لطالما تعَبْتُ من البحث عنك بين دروب الهَوَى، فقال: (أعِندَكَ مِن فَرْطِ الصَّبابَةِ ما عِنْدِي .. فيُعْلَمُ ما أخْفِي بظاهِرِ ما أبْدِي)، قلت له يا سيدي الشاعر، إنَّ الحُبَّ ضميمة الفؤاد، يكتمه القلب وتفضحه العيون في تلفُّتها، ولكن ما لك ونَشْر سِرِّك لشخص لا تعرفه مثلي، فردَّ مُجيبًا: (أبُوحُ بِوَجْدٍ ضِقْتُ ذِرْعًا بِوَجْدِهِ .. وأسْلَمَنِي صَبْرٌ بَلَغْتُ بهِ جَهْدِي).
في تلك اللحظات، كان الرَّوض يفتح نَّوار أزهاره، فذكَّرْتُ السُّتالي بقصيدته الرَّوْضِيَّة، التي وُصِفَت أنه كتبها على مذهب أبي نواس، وصف فيها الخمر متجانسًا مع وصف الرَّوْض، مطلعها: (هَاتِ اسقِني الرَّاحَ في رَاوُوقِها عِلَلا .. وَعاطِنِي في الحَدِيثِ اللهْوِ والغَزَلا)، حتى يصل إلى وصف الرَّوض في بيته: (واستضْحَكَ الزَّهرُ والنوَّارُ مُبتَسِمًا .. قد غادَرَتْ فيهِ أنْفاسُ الصِّبا بَلَلا)، ثم ذَكَّرْته ببيتٍ سَبَكهُ بالجناس: (إنْ عَزَّتِ الخَمْرُ مِنْ هِيْتٍ فَهَاتِ لنا .. ما اسْتُلَّ مِنْ مَسْتَلٍ أو سِيقَ مِنْ سِيقِ)، فهل خمْر «هِيْت» وهي مدينة في العراق، يشابه ما استُلَّ من «مَسْتل» أو سيق من «سِيْق» في عُمان؟، فأجاب بأنه ليس ما يُشرَب متخمِّرًا، بل ما يُقطَف عناقيدَ عِنبٍ من تلك الكروم المعروشة، وأهل الجبل يسمون كَرْمَة العِنَب «خَمْرَة»، وفي البيت جناس، بين اسم المدينة «هِيْت» وفعل الأمر هات، وبين استلال العِنب من «مَسْتل» وكأنه نادر، وبين وَفْرَتِه في مدينة «سِيق» فردوس الجبل الأخضر، وكأنه يُساق في سلال على ظهور الدواب.
كانت لحظات حُلُميَّة، غصت في خيالاتها، وأنا أقود سيارتي بين بساتين نزوى، التي سلكها السُّتالي قبل تسعة قرون، حتمًا سلك هذه الدروب، وكانت له ذكرى فيها، فكتب قصيدة عند ذلك المنعطف، وأخرى في تلك الضاحية، وأخرى في أطلال ذلك البيت، حيث أطلَّتْ منه عُيونٌ سَمَدِيَّة مريضة الأجفان، وكان له في هذه الأمكنة حياة، خلَّدها في ديوانه الشعري الذي أبقاه الزمان، ليكون أنشودة عذبة على كل لسان.