التغير من سنن الحياة .. فلا تفرح كثيرا
الجمعة / 3 / شعبان / 1447 هـ - 19:50 - الجمعة 23 يناير 2026 19:50
عندما نظرت إلى نفسي، وإلى من حولي أدركت أنني أعيش واقعا رسمه لي الفيلسوف الصيني'- لاوتزه' عندما أسرّ للبشرية قائلا: 'إذا كنت مكتئبا فأنت تعيش في الماضي، وإذا كنت قلقا فأنت تعيش في المستقبل، وإذا كنت تحس بالسلام فأنت تعيش في الحاضر'.
وهذا القول الخالد يؤكد لي ولغيري بأن الحياة في حركة دائمة، والرفض المستمر لمبادئ التغير سواء في الحالة أو رفض التنازل عن الأشياء القديمة والتمسك بها بقوة سيؤدي إلى 'العزلة والركود'، بينما تقبل تبادل الأدوار والعمل مع مستجدات الزمن فهو مفتاح أبواب التقدم والتطور على الصعيد الشخصي والاجتماعي، ولذا فإن الكثير من الحكماء يؤمنون بفكرة التغيير التي هي ليست فقط 'سنة كونية أنزلها الله تعالى للبشر' بل هي أيضا فرصة للتغير وضخ دماء جديدة في هذا الوجود.
نحن البشر لا نؤمن أحيانا بفكرة 'التغير أو تبادل الأدوار' وهو جزء من الأنانية التي فُطر عليها البشر منذ الخليقة، وعلى الرغم من الشواهد التي نراها والحقائق الواضحة نصر على التمسك بالأماكن التي وُضعنا فيها، ونسينا أننا يوما دخلنا في سباق البقاء في 'لعبة الكراسي المتحركة' والتي علمتنا شيئا مهما قد لا ننتبه له جيدا وهو أن الفرص يمكن أن تأتي مرة أو مرتين، لكن ثمة فرص ضائعة سوف تظهر في أي لحظة تخرجنا من بين المتسابقين المتحلقين حول الحصول على كرسي الجلوس والبقاء، ولذا أثبتت لنا تجارب الأمس شيئا آخر وهو أن الناس الأكثر وعيا وإدراكا بفكرة التجديد والتغير لا يمكن أن يكونوا أشرارا، لأن الشر يتطلب تغيبا للحكمة والوعي والغباء المتأصل في الذات ومحدودية تامة في التفكير في الحصول على الأفضل.
من الروائع التي لا تنسى في التاريخ البشري نقرأ قولا للرئيس الأمريكي الراحل جون كنيدي حيث يقول: 'الأشخاص الذين يقصرون نظرهم على الماضي أو الحاضر سوف يخسرون المستقبل'. وهذا لا يتعارض مع نظرة الكاتب والإعلامي المصري عمر البانوبي الذي يقول: 'علمتني الحياة أن بداية النهاية للإنسان حين يفشل في تجاوز ماضيه والنظر إلى حاضره والتخطيط لمستقبله؛ فاتركوا الماضي بما كان، وانظروا إلى الحاضر كما هو كائن، وخططوا لمستقبلكم كما ينبغي أن يكون'.
مسألة البقاء والثبات لا وجود لها في الحياة الفانية، أما الإنسان فمهما وصل من العمر ما وصل، فسوف يترجل تلقائيا من بين الأحياء، والأماكن الممتلئة بالوجوه سوف تخلو يوما، ثم تأتي بوجوه أخرى، 'ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام'، الفناء للبشرية، فلا خلود في منصب أو مكان رفيع، الكل سيهبط نحو قاع الأرض ويدفن، ومع كل لحظة هناك شاغر جديد يظهر في مكان ما، يعتقد القادم أنه سيرسخ ذاته فيه، لكن كل أحلامه وأمنياته وإن طال بقاؤها فإنه راحل.
كل هذه الأحداث تدلنا على أن لله حكمة عظيمة في أقداره، وأن التغير سنة من سنن هذا الكون الوسع، ليس البشر وحدهم قابلون للتغير، ولكن كل شيء في الوجود 'الشجر والحجر حتى فصول العام' تتغير، إذن نحن نرفض فكرة التغير خوفا من الآتي، ولكن نحن لا نعلم الحقائق، وماذا يخبئ لنا القدر، ولذا نرفض أحيانا فكرة تغير الوجوه التي لا بقاء لها في سجل الخلود.
منذ زمن طويل، كنا نعتقد أن الأقوى هو من يعيش طويلا، لكن قول عالم الطبيعة والجيولوجي البريطاني الشهير تشارلز داروين جعلنا نستفيق من غيبوبة الأحلام فهو الذي أكد لنا قولا عظيما مفاده: 'ليس البقاء للأقوى أو الأذكى، وإنما للأكثر تكيفا مع التغيير'.
إذا كنا نرفض قابلية التغيير والانفتاح على التجديد من منطلق أننا لا نملك الشجاعة الكافية إلى ترك ماضي رداءته فإن الأيام كفيلة بأن تذهب بنا بأقدامها إلى مستقبل منشود لا نتوقعه!.