ثقافة

أدب الطفل.. من الحكاية القديمة إلى قصة الغد أساس يبنى عليه وعي المستقبل

مساحة ترفيهية تربوية موجهة للصغار

 

الأدب الموجه للصغار هو نشاط ثقافي يستدعى عند الحديث عن التعليم أو المناسبات المدرسية، ويعتبر من أهم الروافد الثقافية التي يبنى عليها وعي المجتمع في المستقبل. ومع تراجع العلاقة التقليدية مع الكتاب إلى هيمنة الوسائط الرقمية وتغير أنماط التلقي، تعددت روافد الطفل الذي يستخدم مهاراته بكونه قارئ في طور التشكل.


ويحتل الطفل مكانة خاصة في البنية الاجتماعية في سلطنة عمان، حيث انعكست في أشكال متعددة من السرد الشفوي، والحكايات الشعبية، والأناشيد، التي شكلت الذاكرة الأولى للطفل العماني. كما أن الانتقال من الشفهي إلى المكتوب، ومن الحكاية المتوارثة إلى الكتاب الموجه جاء في سياق تحولات تعليمية وثقافية ما زالت آثارها تتفاعل حتى اليوم.


كتابة للطفل لا عنه
يعرف أدب الطفل بوصفه كل إنتاج أدبي موجه للأطفال، يراعي خصائصهم العمرية، واللغوية، والنفسية، ويخاطبهم بوصفهم قراء حقيقيين، لا متلقين سلبيين. ويشمل القصة، والشعر، والمسرح، والكتب المصورة، والمجلات، وغيرها من الأشكال التعبيرية. ويكمن جوهر أدب الطفل في بساطة اللغة، واحترام عقل الطفل، وقدرته على الفهم والتخيل والتأويل. أما عن الفرق الجوهري بين الكتابة للطفل والكتابة عن الطفل، فالكتابة للطفل تنطلق من عالمه وأسئلته واهتماماته، بينما تظل الكتابة عنه أسيرة منظور الكبار، حتى وإن تناولت الطفولة موضوعا. فأدب الطفل الحقيقي هو الذي ينجح في مخاطبة الطفل دون تعال، ويمنحه متعة القراءة قبل أي وظيفة تعليمية مباشرة.


حكايات الجدة
قبل أن يعرف الطفل العماني الكتاب، عرف الحكاية، التي تروى في البيوت والمجالس، وخاصة قبل النوم، فالحكايات الشعبية شكلت النواة الأولى لأدب الطفل في الذاكرة العمانية. وكانت الجدات، والأمهات، والأدب المروي يلعبون دورا محوريا في نقل القيم والخبرات، عبر قصص تمزج الخيال بالحكمة، والرمز بالواقع.


وتميزت هذه الحكايات بارتباطها بالبيئة المحلية، كمغامرات البحار والجبال والصحراء، لتعكس عبر للأجيال حول الصبر والقوة، والاختبار والمعرفة، وكانت وسيلة تربوية غير مباشرة، تسهم في بناء الخيال، وترسيخ اللغة، وتعزيز الانتماء، أكثر من كونها للتسلية.


ومع تطور الطفل وزيادة عمره وتعليمه، بدأ الإرث الشفوي بالتراجع لصالح النص المكتوب، ولكنه ظل حاضرا كمرجع ثقافي يمكن استلهامه لمخاطبة الطفل الحديث.


من التعليم إلى الأدب
ظهرت أولى ملامح أدب الطفل المكتوب في سلطنة عمان في سياق تعليمي عبر النصوص القرائية المدرسية، والمجلات التربوية، التي هدفت إلى تعليم القراءة، وغرس القيم الأخلاقية. ورغم بساطة تلك النصوص، فإنها مثلت خطوة أولى في نقل الطفل من التلقي الشفوي إلى القراءة الفردية.


وبعد ازدياد الوعي بأهمية الثقافة، بدأ أدب الطفل يتبلور عبر إصدارات ومبادرات لتشجيع القراءة. ومع ذلك بقي الحضور محدودا مقارنة بأجناس أدبية أخرى. ولعب بعض الكتاب دورا مهما باختيارهم مخاطبة الطفل بوعي أكبر، بتجاوز الوعظ المباشر، والانفتاح على السرد والخيال.


ملامح التجربة العمانية
تحمل التجربة العمانية في أدب الطفل خصوصية تنبع من البيئة والثقافة المحلية. فالعديد من النصوص تستلهم المكان العماني، وتقدم شخصيات تنتمي إلى الواقع الاجتماعي، ما يمنح الطفل إحساسا بالألفة والانتماء. كما تحضر القيم الاجتماعية والأخلاقية. أما اللغة، فتتراوح بين الفصحى المبسطة، ومحاولات محدودة لتوظيف المفردة المحلية، في إطار يسعى إلى تحقيق التوازن بين سلامة اللغة وقربها من الطفل. وتكشف هذه الملامح عن تجربة تمتلك مقومات الهوية.


من جهة أخرى، يبرز الحضور النسائي بشكل لافت في هذا المجال، سواء في الكتابة أو المبادرات الثقافية، ما يشير إلى وعي متزايد بأهمية مخاطبة الطفل. غير أن غياب النقد المتخصص، وضعف التراكم، يظلان من أبرز التحديات التي تواجه الكتاب، كما أن أدب الطفل في سلطنة عمان يعاني من ضعف التخصص، ويكتب فيه العديد من كتاب الأجناس الأدبية الأخرى، دون أن يتخذوه مسارا إبداعيا أساسيا.


نماذج من أدب الطفل
شهدت سلطنة عمان حراكا ملحوظا في مجال أدب الطفل تجلى في تنوع الإصدارات الأدبية وتعدد الأسماء التي أسهمت في إثراء مكتبة الطفل العماني، ورافق هذا الحراك حضور لافت للمجلات المتخصصة بأدب الطفل، من بينها مجلة 'حكايات' الصادرة عن مركز العيسري، والتي تعد أول مجلة متخصصة بالحكايات في الوطن العربي، إلى جانب مجلتي 'مرشد'، و'الشرطي الصغير'، التي أسهمت في ترسيخ ثقافة القراءة لدى الناشئة.

وعلى مستوى الإصدارات القصصية، برزت أعمال عدد من الكاتبات والكتاب، من بينهم ابتهاج الحارثي في قصة 'أنا وماه'، وسلسلة للكاتبة أزهار الحارثي، وأسماء علي عيدروس في أعمال مثل 'الشجرة لبان' و'الريح العاتية' و'المدينة العجيبة'. كما قدمت إشراق النهدي قصتي 'السر'، و'حديث الأواني'، وشارك أنيس رضا قمر سلطان بقصة 'جاسر النمل المثابر وبيت النمل الأول'.

وأسهمت أمامة اللواتي بقصتي 'زهرة الرمان' و'مع من يلعب هادي'، فيما قدمت إيمان فضل قصة 'أحمد يصنع الحلوى'، وقدمت العلوي عملها 'أين ألوان مريم'. وبرزت جوخة الحارثي بقصتي 'السحابة تتمنى' و'عش العصافير'، إلى جانب إسهامات حسن أحمد اللواتي في أعمال مثل 'أوراق من جديد'، و'تيم والتينة' و'الكيس الأصفر'. وفي السياق ذاته، أصدرت خديجة علوي الذهب كتاب 'حكايات جدتي'، وقدمت خولة العيسري 'حكايات علياء'، بينما نشرت رقية البادي قصة 'سر القلادة'. كما شارك زاهر النوتكي بكتاب مترجم 'مغامرات بلاد أوز العجيبة'، وقدمت زهرة العبري قصصا منها ' صديقي المختلف' و'سارة مريضة على السرير'. ومن الإصدارات ذات الطابع التراثي، تأتي أعمال زوينة آل التوية في 'حكايات شعبية'، وزينب الغريبي في سلسلة من الكتب والقصص، إضافة إلى قصة سالم التوية في 'الحديقة' (من التراث الشعبي)، وسالم نجيم البادي في 'الأطفال الأربعة والضفدع' و'حكايات الغراب والثعلب'.


وإلى جانب السرد القصصي برز الشعر الموجه للطفل بوصفه جنسا أدبيا فاعلا في تشكيل الذائقة اللغوية والوجدانية، حيث قدم أنور البادي أعمالا شعرية منها 'أبجد هوز' و'قواعد موسيقية'، وأصدرت عفراء النعيمي ديوانها 'قطتي تقول مياو'، فيما قدمت سميرة الخروصي مجموعتين شعريتين هما 'أناشيد بنكهة السكر' و'رسائل صغيرة'، ناهيك عن أشعار سعيدة بنت خاطر الفارسي 'أغنيات للطفولة والخضرة'، و'أنشودتي'، و'بهم نقتدي' في تجارب تجمع بين الإيقاع والبساطة والبعد التربوي. أما في مجال مسرح الطفل، فقد سجل الشاعر والكاتب عبد الرزاق الربيعي حضورا لافتا من خلال مسرحيته 'حلاق الأشجار'، التي تنتمي إلى المسرح الرمزي الموجه للناشئة، وتعالج قضايا إنسانية وبيئية بلغة قريبة من خيال الطفل وقدرته على التلقي.


الهوية والوطن
يشكل سؤال الهوية محورا أساسيا في أدب الطفل العماني. فالنص الناجح هو الذي يعرف الطفل بوطنه وثقافته، دون أن يحول السرد إلى خطاب شعاري أو نمطي. ويكمن التحدي في الموازنة بين المحلي والإنساني، بحيث ينطلق النص من البيئة العمانية، لكنه يطرح قيما كونية، قادرة على مخاطبة الطفل في أي مكان. وتبرز الحاجة إلى نصوص عمانية معاصرة، قادرة على المنافسة، دون التفريط في خصوصيتها الثقافية في ظل العولمة وتدفق المحتوى العالمي، فالطفل يقارن دون وعي بين ما يقرأه محليا وما يشاهده عالميا.


الكتاب في مواجهة الواقع
يواجه أدب الطفل في سلطنة عمان تحديات كبيرة على مستوى النشر والتوزيع. فعدد الإصدارات محدود، وقنوات الوصول إلى الطفل لا تزال ضيقة، خاصة في المدارس والمكتبات العامة. كما يحتاج التسويق الثقافي لكتب الأطفال إلى تطوير في ظل المنافسة مع المحتوى الرقمي.
من ناحية أخرى تلعب المعارض الثقافية دورا في تسويق أدب الأطفال المحلي، إلا أنها مناسبات مؤقتة لا تغني عن سياسات نشر مستدامة تضع الطفل في صلب الاهتمام الثقافي.


بين التعليم والترفيه
كان أدب الطفل أسيرا للوظيفة التعليمية، وبدأ يتنامى مع ظهور نصوص تراهن على الخيال والمغامرة، وتقدم القيم ضمن سياق حكائي مشوق، فالطفل يحب القراءة المسلية ويحب أن يتعلم لأنه أحب القراءة.


التحديات والتحول الرقمي
أما التحديات التي تواجه أدب الطفل في سلطنة عمان فتتباين بين ضعف القراءة، وقلة النقد، ومحدودية الدعم، وهيمنة الوسائط الرقمية. وفي وقتنا الحالي يحمل العالم الرقمي فرصا كبيرة، إذا ما أحسن استثماره، عبر القصص التفاعلية، والمنصات الإلكترونية، والتكامل بين الكتاب الورقي والشاشة. فأدب الطفل العماني يمتلك إمكانات كبيرة ببيئة قصصية خصبة. مع ضرورة توفر رؤية واضحة، ودعما مؤسسيا، وتشجيع التخصص، وتفعيل دور المدرسة والأسرة والإعلام في ترسيخ ثقافة القراءة.