أمريكا ترفع الراية البيضاء في الحرب الباردة الجديدة
ديفيد والاس ويلز - ترجمة: أحمد شافعي
الخميس / 2 / شعبان / 1447 هـ - 19:51 - الخميس 22 يناير 2026 19:51
يا له من عام مؤثر.
في يناير الماضي، عندما اقتحم دونالد ترامب البيت الأبيض عاصفا، مناديا بحرب تجارية دعمه فيها جيش جرار من الصقور المشهود لهم بالتشدد إزاء الصين، بدا أن لا خطر في المراهنة على أن رجوعه إلى السلطة سوف يعني تصعيد منافسة القوى العظمى بين أمريكا وبكين، وهو ما دأب خبراء السياسة منذ أمد بعيد على وصفه عموما بالحرب الباردة الجديدة.
وها هي أمريكا في عام 2026 تبدو بوضوح مكانا مختلفا من الناحية الجيوسياسية. فلعل الصين حاضرة في الخلفية، أما في الصدارة فقد قمنا بعملية عسكرية غير قانونية في فنزويلا، ونقوم بلعب مكشوف بشأن جرينلاند بالضغط على أوروبا، ونطلق تهديدات على حكومات معادية في كوبا وإيران. عام من العداوة تجاه كندا ألقى بذلك البلد بين ذراعي الصين فنرى جارتنا الشقيقة وأوفى الحلفاء لنا وهي تخرج علينا وتبرم صفقة تجارية صادمة في مجال المركبات الكهربائية تبدو كالقطيعة فاستحقت وصفها بأنها «تعيد الصين عظيمة من جديد».
قد يكون الدافع إلى بعض هذه الأفعال هو تنافس القوى العظمى. ولكن لعل التاريخ يتدخل في بعضها ليخرب خططا كبيرة، وفي البعض الآخر قد نشهد عواقب عجز دبلوماسي فادح وطيش قصير النظر. غير أن في هذا المزيج احتمالا آخر أيضا: هو أننا ندخل حقبة جديدة لحرب باردة جديدة: مرحلة تحل فيها أولويات عالمية أخرى محل هوس يحظى بإجماع نادر من الحزبين الأمريكيين بعد أكثر من عقد من التصعيد المطرد للصراع مع القوة العالمية الرائدة الأخرى.
بعد استعراض عدواني في بداية الأمر في مسألة الرسوم الجمركية، سرعان ما تراجعت إدارة ترامب عن الحرب التجارية حتى أن الرسوم الجمركية المفروضة حالية على الصين أقل مما فرضته الولايات المتحدة لسبب أو لآخر على الهند. كما أن الإدارة خففت القيود التي كانت مفروضة على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي لاعتبارات تتعلق ظاهريا بالأمن الوطني. واستراتيجية الأمن الوطني التي أوحت بكل ما جرى من حديث عن «مبدأ دونرو» أنزلت الصين إلى رتبة الأولوية الثانوية، مخصصة وقتا أكبر كثيرا للوطن، والحدود، والحروب الثقافية في أوروبا الغربية.
ولو شئتم لاستنبطتم منطقا صينيا من وراء عملية فنزويلا والسعي إلى الحصول على جرينلاند. لكن ترامب عند سؤاله عما لو أن عملية أمريكا الأحادية تعني أن تشعر الصين بالقدرة على التحرك تجاه تايوان، قال باستخفاف إن هذا أمر يقرر الرئيس شي جينبنج. وأدلى بتصريح شبيه عندما سئل عن قرار فتح كندا أمام المركبات الكهربائية الصينية الذي اتخذه رئيس الوزراء مارك كراني صاحب الخطبة النارية في دافوس هذا الأسبوع إذ أعلن فيها وفاة النظام الليبرالي أمريكي القيادة القائم على القواعد معترفا بأن هذا النظام لم يكن طيلة الوقت إلا وهما راميا إلى تحقيق مصالح ذاتية. حظيت الخطبة من الحاضرين بالتصفيق وقوفا. ولما سئل عن صفقة كراني مع شي، قال ترامب إنه لأمر «جيد» أن يبرم أقرب حليف لأمريكا صفقة مع خصمنا اللدود. وأضاف ترامب أن «هذا ما كان يجب أن يفعله».
فهل هذه انفراجة؟ هذا ما سوف يكشفه الزمن، لكنه في الوقت الراهن تهدئة على الأقل. والقصة أكبر من رئيسنا المتقلب الراغب أبدا في إبهارنا بعروض مفاجئة للقوة الخاطفة. فعلى مدار العام الماضي، وسط مفكري السياسة الخارجية البعيدين عن فلك ترامب، كان هناك ما وصفه المتخصصان في الشؤون الصينية جيريمي جولدكورن وكايزر كو بـ»تغير في الأجواء» إذ تزحزح التنافس البديهي مع القوة العظمى الأخرى في العالم أمام مجموعة معقدة من المواقف التي تشترك في شيء من الرهبة. فلوقت طويل، ظل التفكير الأمريكي في الصين مدفوعا بصقور مصرّين على أنه لا بد من إلحاق الهزيمة بالمنافس، مهما يكن تعريف هذه الهزيمة. ولا يزال هذا الرأي شائعا، حتى أن دارس الشؤون الصينية ليلاند ميلر ـ الذي عمل في الآونة الأخيرة في اللجنة الأمريكية الصينية في الكونجرس ـ قد وصف احتمال نجاح الصينيين في علاج السرطان بـ»السيناريو الكابوسي». ولكن الإجماع العريض القديم انقسم، فبدأ عدد متزايد من خبراء السياسة يتساءلون عما لو أن بإمكاننا اللحاق بالركب، ويتأملون في أنه برغم أن المستقبل غير مؤكد إلى حد كبير فإن الإجابة الواردة قد تكون بالنفي.
لعلكم على دراية بالفعل بالخطوط العريضة للتكنولوجيا الخضراء: فالصين الآن تقوم بتركيب قرابة ثلثي قدرات العالم الجديدة في طاقة الرياح والطاقة الشمسية كل عام، وتقوم بتصنيع مدخلات التحول الأخضر على نطاق واسع، وتخفِّض تكلفة هذه المكونات بسرعة تجعل العالم النامي يتسابق لشرائها بوتيرة مذهلة. تقوم الصين بتصنيع 60% من توربينات الرياح في العالم وفي عام 2024، تجاوزت ثاني أكبر دولة في تركيب توربينات الرياح في العالم عشرين مرة، وتستحوذ على أكثر من 70% من الإنتاج العالمي للمركبات الكهربائية، وبرغم الأخبار الجيدة نسبيا للولايات المتحدة في قطاع البطاريات، تنتج الصين ما يقارب 90% في هذا السوق العالمي أيضا. فلو قستم تقدم الحضارة بإنتاج للكهرباء، فالصين تتقدم بخطى حثيثة على العالم كله.
غالبا ما يبدي الصقور الأمريكيون ـ ممن يراقبون مستقبل الحرب ـ استياءهم من التفاوت في تصنيع الطائرات المسيرة، إذ تنتج الصين قرابة 70% من المسيرات العالمية التجارية في العالم، وتنتج بحسب ما يقول محللو الدفاع الأمريكيون نسخا عسكرية متفوقة أيضا. (وتعتبر سلسة مقالات التايمز الأخيرة وعنوانها «متأخرون» مثالا جيدا للغاية على هذا القلق). والفجوة في مجال الروبوتات مؤلمة هي الأخرى، إذ قامت الصين بتركيب قرابة تسعة أمثال ما ركبته الولايات المتحدة في 2024. والصين ـ كما يحلو لمنتقدي المغامرات العسكرية الأمريكية أن يوضحوا ـ أقل في الخبرة العسكرية من الولايات المتحدة، لكن الولايات المتحدة فشلت العام الماضي في تحقيق نصر حقيقي على الحوثيين (وإن تم التقليل غالبا من حجم الهزيمة)، وبشكل دوري نسمع عن مناورات تخطيط عسكري بما يشير إلى أن البنتاجون عاجز عن العثور على وسيلة ـ ولو في مناورة حربية ـ للسيادة في صراع على تايوان.
كل مراقب لشؤون الصين عنده نقطة مفضلة للحديث. فقبل عام كنتم تسمعون الاقتصاديين الوطنيين إذ يبرزون الميزة الأمريكية في الذكاء الاصطناعي، لكن الصين في ما يبدو قلصتها بسهولة: ففي الخريف الماضي، صرح جنسن هوانج، من شركة إنفيديا الأمريكية العملاقة في مجال تصنيع الرقائق، بأن الصين على وشك الفوز في سباق الذكاء الاصطناعي، قبل أن يخفف موقفه الرسمي. وقد أجرت الشركات الصينية ما يقترب من ثلث التجارب السريرية في عام 2024، مقارنة بنسبة 5% فقط قبل عقد من الزمن، وتضاعفت القيمة الإجمالية للأدوية المرخصة عالميا من الصين خمس عشرة مرة خلال السنوات الخمس الماضية فقط.
هناك من يبدون القلق إزاء الإنفاق الصيني الهائل على البحث والتطوير، وجاذبيتها المتزايدة لدى الباحثين الدوليين، وحصتها المتنامية بسرعة في المنشورات العلمية الرائدة. ويحلو لبعض المهتمين بالتكنولوجيا تسليط الضوء على تفوق الصين في بناء السفن: فمن حيث الحمولة، أقام صندوق بناء السفن الصيني الحكومي في عام 2024 سفنا تجارية أكثر مما أقامته الولايات المتحدة خلال الأعوام الثمانين المنصرمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية مجتمعة.
وهناك، من بعد، وتيرة مذهلة في التوسع الحضري في الصين، إذ تضاعف عدد سكان المدن الصينية أكثر من مرتين - من 450 مليونا إلى أكثر من 900 مليون - منذ عام 2000 فقط. ولو أنكم قلقون من أزمة السكن، وبخاصة لو أنكم تلقون اللوم على تباطؤ البناء في أمريكا، فقد يذهلكم أن تعرفوا أن أكثر من ثلثي المساكن في الصين أقيمت منذ مطلع الألفية، وأن أكثر من 90% من الصينيين يمتلكون منازلهم.
ولعل المشهد العمراني يمثل التباين الأوضح: بجميع ما فيه من خطوط السكك الحديدية فائقة السرعة، والجسور الممتدة لأميال، والطرق المرتفعة التي تتخلل مدن ناطحات السحاب. ولعل نوعا من الحسد الكامن تجاه الصين كان هو الحافز لجزء كبير من حركة الإصلاح الليبرالية المعروفة بـ»الوفرة». وقد كان أستاذ القانون ديفيد شلايشر شخصية محورية في الجناح الأكاديمي لهذا التحالف الفكري وعندما سئل عن أنواع مشاريع البنية الأساسية التي قد تثير حماسة شعبية أمريكية كافية لتبرير الإعفاءات الفيدرالية برغم ثقافة البلاد التنظيمية والبيروقراطية التقييدية، أجاب: «فكِّروا في ما تفعله الصين، ثم تخيلوه على نطاق أمريكي: نظام جديد عملاق لقطارات الأنفاق، وطريق سريع كبير جديد، ونظام نقل كبير، وخطوط أنابيب كبيرة».
يكثر المؤرخ الاقتصادي آدم توز من الحديث عن صدمة صينية ثانية، معاكسة للأولى، ففي هذه المرة يتوسل الغربيون للاندماج في سلاسل التوريد الصينية. لكن لعلنا نعيش بالفعل صدمة من نوع مختلف، منذ عقد من الزمن، حيث لا يكاد الخبراء وصناع السياسات الأمريكيون يفهمون كيف يتيسر الصعود لقوة منافسة بهذه الفجائية، وتذل الهيمنة الأمريكية في طريق صعودها.
من أوجه معينة، تعمي هذه الصدمة أبصارنا عن قصور أي أطروحة بشأن «القرن الصيني». فمهما بدت مدن دلتا نهر اللؤلؤ مستقبلية، فإن أوجه القصور فيها كثيرة. ومن المفارقات أن هذا التغير الأمريكي في الأجواء تجاه الصين قد ترسخ في الوقت الذي بدأ فيه مستقبل الصين يبدو أكثر غموضا.
ففي الصورة الكبيرة، يتناقص عدد سكان الصين بالفعل، إذ يتبين من البيانات الصادرة حديثا وجود انخفاضات صادمة في معدل المواليد، وتشير بعض التوقعات بعيدة المدى إلى أنه بحلول نهاية القرن قد لا يتجاوز عدد سكانها عدد سكان أمريكا بكثير. وكما أشار المعلق الاقتصادي نوح سميث فإن الصين قد تكون بلغت ذروتها بالفعل، ليس فقط من حيث عدد السكان، بل أيضا من حيث «الروبوتات، والسيارات الكهربائية، والقطارات فائقة السرعة، والتاكسي الطائر، والمباني المغطاة بمصابيح الليد LED، وسلاسل مقاهي شاي الفقاقيع، والأزياء السريعة، وتطبيقات الدفع عبر الوجه، وكتاب شي جينبنج السخيف الحاضر في كل مكتب».
لعل الاقتصاد الصيني لا يزال ينمو بوتيرة أسرع من نظيره الأمريكي، وبرغم أن الناتج المحلي الإجمالي الاسمي للولايات المتحدة أعلى، فإن بعض التعديلات قد تجعل الاقتصاد الصيني يبدو أكبر. لكن الصين تنمو بوتيرة أبطأ بكثير مما كانت عليه من قبل، حتى بموجب البيانات الرسمية، بينما تبدو التقديرات الأقل رسمية أكثر قتامة، وتتضح العديد من المشاكل الهيكلية للمراقبين المحليين والأجانب على حد سواء. ولم يحقق التقدم في الصناعات عالية التقنية أرباحا طائلة، بل إنه أقرب إلى العكس، إذ أدت المنافسة إلى إفلاسات كما أدت إلى ابتكارات وأدت إلى تقلص هوامش الربح حتى بالنسبة للشركات الناجية. ومعدل بطالة الشباب مرتفع للغاية، ولا يبدو أن الشباب الصينيين متحمسون للمستقبل. بل إن أنماط جيل زد المألوفة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية تظهر فيهم أيضا: من السأم، والحنين إلى الماضي، والإحباط، واليأس.
وثمة بعض التفسيرات البديهية لحجم تطوير البنية الأساسية الهائل في الصين، فهي لا تعزى إلى أي ميزة صينية فريدة، ثقافية كانت أو غير ذلك. فقبل قرابة خمسة عشر عاما بلغت الصين تقريبا عتبة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي التي بلغتها الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي، خلال بناء شبكة الطرق السريعة بين الولايات، عندما كانت الخبرة الأمريكية وقدرات الدولة وهندستها الجبارة مثار حسد العالم.
ولست أدعي أني أعرف ما ستؤول إليه الأمور، على الساحة العالمية أو حتى في أروقة مراكز الأبحاث في واشنطن. ولكن بعد عقد من التصعيد المطرد، مضت قصة التنافس الأمريكي مع الصين إلى منعطف، فحلت حالة من الهدوء والغموض، بل وحتى انعدام الأمان، محل الهستيريا السياسية في واشنطن.
لقد كان كثير من الأمريكيين يفترضون ـ قبل عقدين من الزمن ـ أن نموذج بكين لا يمكن أن يصمد أمام تحدي الهيمنة الأمريكية دون أن ينهار بوطأة تناقضاته ونقائصه الداخلية. وقبل عقد من الزمن، بدأ المتشددون تجاه الصين يبدون القلق من ضرورة بذل المزيد من الجهود لكبح جماح هذه القوة الصاعدة. وبرغم أن التوافق لا يزال غائبا، ولا تزال حالة الهستيريا التنافسية قائمة بوفرة، بدأنا نسمع خلال العام الماضي أصواتا كثيرة تتساءل عما لو كانت المنافسة قد حسمت بالفعل.
وهذا تحول مربك للغاية لبلد شديد الاعتداد بنفسه كبلدنا، كما كتب كو أخيرا في رسالة إخبارية (هي: Ideas Letter)، في مقالة عنوانها «الحساب العظيم». إذ كتب: «إننا لم نشهد صعود قوة عظمى أخرى فحسب، بل شهدنا تحديا جوهريا لمسلمات راسخة في الفكر الغربي منذ أمد بعيد بشأن التنمية، والأنظمة السياسية، والإنجاز الحضاري نفسه... نحن ببساطة لم نجد بعد الشجاعة الفكرية الكافية لمواجهته».
أو لعلنا بدأنا للتو في ذلك - فالبعض يميل إلى الاستسلام للقدر، والبعض الآخر يتصور عالما لا تسمه المنافسة الإمبريالية وإنما التوازن، والبعض الآخر يهاجم الحلفاء والخصوم السابقين في استعراض يائس للقوة ضد من لا نزال واثقين من قدرتنا على تخويفهم وإخضاعهم.