نازحو "المناطق الصفراء" في غزة..عالقون بين وعود السياسة وحقّ العودة
منازلهم لا تزال تحت سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي
الخميس / 2 / شعبان / 1447 هـ - 15:31 - الخميس 22 يناير 2026 15:31
رغم الحديث المتزايد عن مرحلة سياسية جديدة في قطاع غزة، عقب الإعلان عن تشكيل لجنة التكنوقراط، وما تبعه من نقاشات حول لجنة السلام التي يترأسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لا يزال عشرات آلاف النازحين يعيشون خارج بيوتهم، ليس
بسبب الدمار وحده، بل لأن منازلهم تقع ضمن ما يُعرف بـ 'المناطق الصفراء' وهي مناطق لا تزال تحت سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي، ويُستهدف كل من يحاول الوصول إليها، لتبقى العودة مؤجَّلة أو محظورة بقرارات أمنية مفتوحة الأمد وغير واضحة المعالم.
بيتي واقف لكن الطريق إليه ممنوع
أبو أحمد حمودة (47 عامًا)، نازح من جباليا، يقيم حاليًا في شقة مستأجرة غرب غزة، يتساءل بمرارة: 'هل يمكن لمرحلة ثانية أن تنجح دون عودتنا إلى بيوتنا؟' يقول أبو أحمد إن حياته تحوّلت إلى سلسلة طويلة من الترتيبات المؤقتة التي طال أمدها أكثر مما ينبغي: 'بيتي لم يُدمَّر بالكامل بل تهدّمت جدرانه، لكنني تركته واقفًا خلفي في مايو الماضي. ظننت أن الغياب سيكون أيام أو أسابيع، ثم قيل لي: منطقة صفراء. لا أعرف ماذا يعني ذلك عمليًا، أعرف فقط أنني أدفع إيجارًا لا أقدر عليه، أعمل ساعات متقطعة، وأعود كل مساء محمّلًا بالخوف من الغد، أشعر بالاختناق كلما تخيّلت أنني لا أستطيع الوصول إلى بيتي وأرضي في جباليا.'
وعن تكليف لجنة التكنوقراط، يضيف: 'لا أفهم السياسة، لكنني أفهم أن الإنسان بلا بيت يفقد توازنه، إن لم تضمن لجنة السلام عودتنا، فأيّ سلام هذا؟ سمعنا عن أسماء لإدارة غزة، لكننا لا نرى أثرًا في حياتنا. التكنوقراط بالنسبة لي هو من يعيدني إلى بيتي، لا من يدير الأزمة من بعيد. لن أكون بخير دون العودة إلى مسقط رأسي، الحرب والنزوح والخيام جعلوني مقيد ومسلوب.'
ويختم بسؤال مفتوح: 'كيف يمكن لمرحلة جديدة أن تبدأ ونحن ما زلنا معلّقين خارج حياتنا؟'
الخيمة لم تعد خيارًا والبيت ممنوع
أم محمد جندية (39 عامًا)، نازحة من شرق غزة، تقيم عند أقاربها وسط المدينة، تتحدث عن فقدٍ مركّب: 'لا بيت، ولا خيمة، ولا خصوصية. فقدت معظم أهلي، واستُشهد ابني الكبير أثناء ذهابه للحصول على المساعدات. أعيش مع زوجي المصاب بالسرطان عند أقاربنا. نحاول ألا نكون عبئًا، لكننا كذلك، شاءوا أم أبوا. أطفالي يسألونني: متى نعود إلى الشجاعية؟ لا أملك جوابًا، فأصمت.'
ترى أم محمد أن الخطاب السياسي بعيد عن تفاصيل حياة النساء: ' السلام يبدأ حين أشعر أن أطفالي بأمان في غرفهم. لجنة السلام؟ نريد أن نعرف: هل ستدافع عن حقنا في العودة أم ستطلب منا التكيّف مع المنع؟ حتى اللحظة، الاحتلال يطلق النار، الشهداء يسقطون يوميًا، المساعدات شحيحة، والبيوت مهدّمة. هل هذه هي الحياة التي يريدونها لنا؟'
مستقبلي الدراسي معلّق بقرار أمني
ندى المصري (19 عامًا)، طالبة جامعية نازحة من بيت لاهيا، تقول إن النزوح حوّل سنوات دراستها إلى منطقة رمادية:'حصلت على الثانوية العامة بعد عامين من الانتظار بمعدل مرتفع، أدرس عن بُعد لأن الجامعات تهدّمت. كنت أحلم بالسفر للدراسة في الخارج، لكن إغلاق معبر رفح كان حجر عثرة أمام حلمي، أدرس دون تركيز، فلا مكان ثابت، القصف ما زال مستمر، بيتي كان مساحة الهدوء والدراسة، الآن أصبح ذكرى، كومة من الركام.
وعن لجان التكنوقراط، تضيف: 'دائمًا نحن الشباب خارج الصورة. واقع غزة صعب، الدمار في كل مكان. أشتاق لبيت لاهيا. إذا لم تكن العودة جزءًا من الخطة، فكل حديث عن إعادة الإعمار ناقص.'
السلام ليس بيانًا، بل مفتاح باب
اما محمود مطر (35 عامًا)، عامل سابق نازح من منطقة صناعية مُصنّفة صفراء في بيت حانون، يربط بين السكن والاقتصاد:
'بيتي بجانب عملي. حين مُنعت العودة، خسرنا الاثنين معًا. الحديث عن إدارة مدنية أو تكنوقراط بلا معنى إذا لم يُفتح المجال أمام الناس للعمل والعيش في مناطقهم. منذ بداية الحرب ونحن نُسجَّل ونُحصى ونُصنَّف، لكن لا أحد يسأل: كيف نعيش؟ السلام بالنسبة لنا ليس بيانًا سياسيًا، بل مفتاح باب.'
بين اللجان والواقع: فجوة ثقة
تكشف هذه الشهادات عن فجوة عميقة بين الخطاب السياسي والواقع المعيشي فالنازحون لا يرفضون مبدأ الإدارة المدنية أو السلام، لكنهم يشككون في جدواه ما لم تكن العودة إلى البيوت بندًا صريحًا غير قابل للتأجيل.
ويرى كثيرون أن لجنة التكنوقراط، إن اقتصرت على إدارة الوضع القائم، ستُكرّس النزوح بدل إنهائه، وأن لجنة السلام ستفقد معناها إن لم تعالج جوهر الأزمة: 'الأرض، والبيت، وحق الاستقرار'.
قراءة سياسية
في هذا السياق، يشير المحلل السياسي د. سفيان صيام إلى أن تشكيل لجنة التكنوقراط في غزة يأتي من المنظور الفلسطيني، في سياق من لا يملك القرار، معتبرًا أنها لجنة 'أمريكية التشكيل من الألف إلى الياء”. ويوضح أن صدور قرار عن مجلس الأمن بشأن الخطة المطروحة لا يغيّر من حقيقة أن الخط الأمريكي هو الذي يفرض التوجهات والرؤى العامة للمسار الجاري.
واضاف صيام أن الفلسطينيين لا يملكون رفاهية رفض الخطة الأمريكية في ظل غياب بديل حقيقي قادر على انتشال قطاع غزة من الوضع الكارثي الذي أفرزته حرب الإبادة، مشددًا على أن القبول بهذه اللجنة لا ينبع من قناعة سياسية كاملة، بل من منطق الضرورة. وأكد بالقول: 'نحن مع هذه اللجنة لا لأنها بلا تحفظات، بل لأنها ضرورة لا خيار”.
وأشار إلى أن تشكيل لجنة التكنوقراط في غزة يمكن قراءته باعتباره إجراءً اضطراريًا فُرض بفعل حرب الإبادة وانعدام البدائل الواقعية، ويعكس في جوهره اختلال ميزان القوة وغياب القرار الفلسطيني المستقل. ورغم ما يكتنف هذا التشكيل من إشكاليات سياسية وتساؤلات تتعلق بالشرعية، فإن التعاطي معه يتم من باب الضرورة لا القناعة، ومن منطلق أن 'السياسة فن الممكن” لا الرضا بالمفروض.
واوضح صيام أن شرعية هذه اللجنة تبقى مؤقتة ومشروطة بقدرتها الفعلية على تخفيف معاناة الناس وتحسين شروط حياتهم، وبالتزامها الصريح بعدم التحول إلى صيغة حكم دائمة أو بديلة عن الإرادة الشعبية الفلسطينية. كما يُنظر إلى أي مسار موازٍ، مثل ما يُطرح تحت مسمى 'مجلس السلام”، خارج شروط العدالة وإنهاء الاحتلال، باعتباره أداة لإدارة الصراع لا لحلّه.
وعليه اختتم صيام قوله ان الرهان الحقيقي لا ينحصر في اللجان والهياكل المفروضة، بل يبقى معقودًا على وحدة الشعب الفلسطيني ووعيه الجمعي، وقدرته التاريخية على إفشال المشاريع المفروضة، واستعادة قراره الوطني الحر، وصولًا إلى تحقيق حقوقه المشروعة في الحرية والدولة وتقرير المصير.
بين اللجان والتصريحات، يبقى نازحو المناطق الصفراء عالقين خارج بيوتهم وخارج المعادلة الفعلية، لا يطالبون بامتيازات، بل بحق بديهي: العودة، بالنسبة لهم، لا مرحلة ثانية بلا بيوت، ولا سلام بلا عودة، ولا مستقبل يُبنى على مؤقّت طال أكثر مما يحتمل.