أعمدة

«نحو طريق الإصلاح».. نافذة الأمل الكبيرة

لم يكن ذلك الأسبوع مناسبة عابرة بقدر ما كان نافذة إنسانية فُتحت على أسئلة المصير والمراجعة الداخلية حين احتفلت شرطة عمان السلطانية ممثلة بالإدارة العامة للسجون في الثاني والعشرين من ديسمبر 2025م بـ(أسبوع النزيل الخليجي الموحد) تحت شعار (نحو طريق الإصلاح)، وهو أسبوع يطل فيه (النزلاء) على أحلامهم، خلف قضبان من القيود، وسجنت طموحاتهم وراء جدران من اليأس، وخلفت وراءهم آباء، وأمهات، وأطفالا، وزوجات، وأخوة، وأسرا جنى عليهم فرد من أحبتهم، في لحظة طيش أو انفعال، أو خلل سلوكي، أو تفكير عبثي، فحبس معه فرحتهم، وسجن معه أجمل لحظاتهم، وهدم معه بنيانهم الذي بنوه معا.

إن الجانب المضيء في حكايات هؤلاء النزلاء هو محاولة (حرّاسهم) إشعال فتيل الأمل في نفوسهم من جديد، وتخليصهم من ظلمة المستقبل، وبث روح الحياة في أوصالهم، كي يعيدوا ترتيب حياتهم، وينظروا إلى الأحلام بعين الحقيقة، ويغرسوا في قلوبهم بذرة الطموح، ويحاولوا دمجهم في المجتمع من جديد، و(يقصّروا) عليهم فترة الحبس، ولذلك أتاحت شرطة عمان السلطانية مساحات من (الحرية) لكي يبدع هؤلاء النزلاء، ويمارسوا هواياتهم، وحرفهم، ويتعلموا أشياء جديدة ينفسّون من خلاله عن كبتهم، وإبداعاتهم، ويقيموا لهم معرضا -ضمن أسبوع النزيل- لكي يعرضوا ما أنجزوه من حرف، ونقوش، ونصوص أدبية، ومهارات تجسيدية، وهوايات يجيدون ممارستها، وفتحت لهم أبواب التعليم الجامعي، وهيأت لهم سبلا لتعلم وحفظ القرآن الكريم، وأتاحت لهم أشياء قد لا يتخيلها من هم خارج السجن، وكل ذلك في سبيل التخفيف عن هؤلاء النزلاء، وإبراز طاقاتهم المكبوتة، ومواهبهم المدفونة، وتشجيع النزيل على عرض هذه المكنونات للآخرين، واستعراض قوته النفسية في مواجهة أصعب الظروف، وأحلك اللحظات، وبذلك يفتحون كوّة أمل لهم للاندماج مع المجتمع بعد خروجهم.

أما الجانب المظلم الذي يحاول النزلاء نسيانه أو تخطيه فهو لحظات ما قبل (الجريمة)، تلك اللحظة الفارقة في حياتهم بين الحرية، والقيد، بين ضبط النفس والانفعال، بين لحظة الغضب وكبت الاندفاع الذي قادهم إلى مكان لم يألفوه، وحَبَس حريتهم في مكان لا يحبونه مهما بدا لطيفا، وأليفا، إلا أنه لا يساوي لحظة يقضيها المرء بين أحبائه، وأطفاله، وأسرته مهما تآلف مع مكان العقوبة، وتصالح معها.

ورغم أن الأقدار -أحيانا- تسوق الإنسان إلى عواقب أفعاله، إلا أن النفس البشرية السويّة تأبى التعدي على حقوق الآخرين، وحياتهم، وتأنف من ارتكاب جريمة في حق إنسان آخر مهما كانت درجة البغضاء، أو الكراهية، أو المغريات التي تقود المرء إلى هاوية الجريمة، والتي يعقبها الندم، ثم العيش زمنا طويلا (نزيلا) في غياهب السجن، بعيدا عن أحبته، ومجتمعه، وحياته الطبيعية. (..إنّ النفس لأمارة بالسوء إلا من رحم ربي...)، وإن طريق الإصلاح طويل، ولكنه السبيل الوحيد الذي يجب على النزيل سلوكه، وتطهير ذاته مما اقترفت يداه، ويظل الإنسان مجبولا على الخير مهما كان دافع الشر، ويبقى الندم فاصلا بين ما قبل وما بعد الجرم، ويظل العقل البشري هو المانع عن الانحدار إلى مرتع الجريمة، أو الارتفاع إلى مستوى الحكمة، وضبط النفس، وفي كل الأحوال نسأل الله أن يمنّ بالفرج على أولئك التائبين، والنادمين على أفعالهم، وأن يعودوا إلى أسرهم، وأحبتهم كي يبنوا مستقبلهم، وحياتهم من جديد، ويكونوا دعاة إصلاح، وأداة بناء للمجتمع، وللوطن، والذات.