لبنان.. ثلاثيّة رئاسيّة ترسم معالم المرحلة: سيادة وإصلاح وسلام
الأربعاء / 1 / شعبان / 1447 هـ - 20:10 - الأربعاء 21 يناير 2026 20:10
في 9 يناير من العام الفائت، شهد لبنان محطة مفصليّة في تاريخه الحديث، وتمثلت بانتخاب قائد الجيش العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية، بعد شغور إستمرّ سنتين وشهرين و9 أيام. وذلك، في مشهد بدا أقرب الى 'انقلاب' ضخم في الوقائع السياسية والديبلوماسيّة، أدّى الى تثبيت اسمه بلا منافس أو بديل مرشحاً حصرياً لرئاسة الجمهورية اللبنانية.
وحينها، عادت للدولة فخامتها وأطفأت فراغاً طاف عن السنتين بشهرين، وفُتح قصر بعبدا لسيّده، الذي حدّد من خلال خطاب قسَمه عناوين المرحلة بما تستوجبه من تحوّلات تحت عنوان 'التغيير الكبير'، فيما 'ثلاثيّة ذهبيّة' رافقته رئيساً لمسيرة السنوات الـ6، ومفادها: رئيس ومرحلة وخطاب.
علماً أن خطاب قسمه حمل عناوين عدّة لمرحلة مقبلة من المسار السياسي في لبنان، بدءاً من التمسّك بالإقتصاد الحرّ والحاجة إلى مصارف لا يكون الحاكم فيها إلا القانون، مروراً بإعادة بناء ما دمّرته إسرائيل في كلّ أنحاء لبنان، ووصولاً الى ضبط الحدود وتثبيتها جنوباً وترسيمها شرقاً وشمالاً، ومحاربة الإرهاب وتطبيق القرارات الدولية ومنع الإعتداءات الإسرائيلية، مؤكداً 'حقّ الدولة في احتكار حمل السلاح'.
وغداة مرور عام على إقامته في قصر بعبدا، وفيما يشبه خطاب قسَم ثانٍ، إختصره بثلاثيّة 'السيادة والإصلاح والسلام'، كمدخل إلزامي لقطار الإنقاذ، قرّر الرئيس عون أن يقدّم 'ميني جردة' حساب لسنة العهد الأولى والإنجازات التي تحققت أمام أعضاء السِلك الديبلوماسي ورؤساء البعثات الدولية، كدفعة أولى على حساب 'البيدر' الخارجي، فأطلق سلسلة مواقف من 'بيت النار' الرئاسي، مؤكداً أن رصاصة واحدة لم تُطلق من لبنان، منذ بداية عهده حتى الآن، وذلك عملاً باتفاق وقف الأعمال العدائيّة، وتأكيداً على أن القوى المسلّحة اللبنانية وحدها من تمسك بالزِناد جنوب الليطاني، وعلى أن 'الدولة مستمرّة في عملية حصر السلاح، ليكون جنوب لبنان، كما كل الحدود الدولية، في عهدة القوات المسلّحة اللبنانية حصراً.
كما خصّ عون السفراء والقناصل المعتمدين في لبنان برسالة مزدوجة الأبعاد، بأن يفتحوا عيونهم على الإنجازات، لا الآذان على 'الوشايات'.
ومن بوّابة تأكيده على مفهوم المحاسبة بالنتائج لا بالأعذار، أشار عون الى أن ما حققته الحكومة بين 5 أغسطس و5 سبتمبر الفائتين بشأن حصر السلاح بيد الدولة 'ليس قليلاً'، وخصوصاً أن التشديد على حصر السلاح وبسط سلطة الدولة، لا سيّما في منطقة جنوب الليطاني، لم يكن مجرد توثيق لإنجازٍ ميداني، وفق قوله، بل رسالة سياسية مزدوجة.
فإلى الداخل، أعلن انتهاء زمن التسويات الموقتة. وإلى الخارج، قدّم الدليل على أن لبنان انتقل من مرحلة التعهّدات النظرية إلى مرحلة التنفيذ الميداني الصارم. كما أعاد الرئيس عون إحياء استراتيجية لبنان الحضارية، كدولة تتموضع بحكم طبيعتها ورسالتها في ميدان السلام الإقليمي تحت كنف الشرعيّتيْن العربية والدولية، لا في ساحات الحروب والهلاك.
وما بين المشهدين، ووسط المراوحة الآخذة في الإتّساع حيال الأوضاع اللبنانية، والتي يبدو مسبّبها الأساسي حال الانتظار الثقيل الذي يسود مجمل بلدان الشرق الأوسط، منذ تصدّرت تطوّرات المواجهة الأمريكية- الإيرانية الحدث الإقليمي، فإن ثمّة إجماعاً على أن رئيس الجمهورية، وفي إطار مواصلته ترسيخ الثوابت التي أرساها في خطاب قسَمه، طرح ما يشبه خارطة طريق لبنانيّة، بأبعادها السياسية والإستراتيجة.
ذلك أنه، وأمام ممثلي دول العالميْن العربي والدولي، وضع الأمور في نصابها، من حصر السلاح وبسط سيادة الدولة على الجنوب، وهو امر لم يحدث منذ 40 عاماً، الى الاصلاحات التي تحققت بما فيها قانون استقلالية القضاء، الأمر الذي لامس جوهر الأزمة اللبنانية المتمثلة في غياب المحاسبة كسبب للإنهيار لا كنتيجة له، وصولاً الى عودة لبنان الى موقعه ضمن الأسرة العربية والدولية.
أما ما بين مضامين هذه 'الجردة'، فأشارت مصادر رسمية لـ'عُمان' الى أن مواقف عون، لا سيّما لجهة إعلانه الحاسم أن جنوب الليطاني بات تحت السيطرة الحصريّة للجيش اللبناني، معطوفاً على تشديده على احترام اتفاق 27 نوفمبر 2024 (إتفاق وقف النار) و'عدم زجّه في مغامرات إنتحاريّة'، أُدخلت ضمن منظومة الإجراءات الجاري تنفيذها راهناً لتثبيت صدقية الدولة اللبنانية أمام الرعاة الدوليّين، ولا سيّما منهم ممثلي المجموعة الخماسيّة، كما حصراً الولايات المتحدة الأميركية، للأخذ بالموقف اللبناني وممارسة الضغط اللازم على إسرائيل لترك الدولة تستكمل خطّة حصر السلاح والتزام العودة إلى 'الميكانيزم'، أي لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائيّة.