العرب والعالم

اجتياح مخيمات الضفة الغربية.. الحرب المنسية

عام على عدوان "السور الحديدي"

 

يوم 21 يناير العام 2025، استشهد 10 من الفلسطينيين، وجرح العشرات، بينما نزح نحو 600 مواطن من مخيم جنين شمال الضفة الغربية، لكن هذا العدد من الضحايا، لم يفلح في دفع خبر اجتياح المخيم الفلسطيني إلى صدارة أجندة الأخبار، فظل العالم منشغلاً بأخبار العدوان الإسرائيلي على غزة، وهدنة 19 يناير، التي لم تصمد، وسرعان ما انهارات.


كانت أخبار كرة النار التي أشعلها جيش الاحتلال في مخيم جنين، وتطاير شررها سريعاً إلى مخيمات طولكرم ونور شمس، بعملية عسكرية واسعة حملت اسم 'السور الحديدي' لا ترقى إلى أهمية الحدث الهام والخبر العاجل، لكن الهجوم الإسرائيلي ظل مستمراً ومتواصلاً إلى يومنا هذا.


وربما حجب دوي الغارات وهدير الطائرات في حرب الاقتلاع والتطهير في قطاع غزة، المخاطر التي تلاطمها مخيمات شمال الضفة الغربية، وكان وهج نار العدوان على أرض غزة، الذي انفجر كبركان ألقى بحممه الملتهبة، أقوى من كل العناوين الفلسطينية الأخرى، بل إنه أطفأ كل عناوين الاصطدام مع جيش الكيان، لكن هذا لا يعني أن جبهة جنين وطولكرم كانت هادئة.


فما أن شبت عاصفة النار في مخيماتها، حتى بدأت مواكبة هذا العدوان الاقتلاعي، تطفو على سطح الأخبار، إذ ظلت أخبار 'حرب المخيمات' تأتي متأخرة كثيراً على الشريط الأخباري الأحمر، بل أن الدمار الكبير وأعداد الشهداء والجرحى والنازحين، لم تنجح في اختراق اهتمام غالبية وسائل الإعلام العربية والدولية، حتى أجرى رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير جيشه يسرائيل كاتس، جولتين منفصلتين في مدينة طولكرم، تفقدا خلالها سير العملية العسكرية الإسرائيلية، وبدأت مشاهد النزوح في شمال الضفة الغربية تحاكي غزة.


قائمة مفتوحة
وبعد مرور عام على حرب المخيمات، ما زالت عشرات الدبابات والآليات العسكرية الإسرائيلية، تواصل توغلها في عمق مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، فيما تقوم الجرافات العسكرية بهدم المنازل وتجريف الشوارع، وتغيير المعالم، ولم يهدأ أوار هذه الحرب، بل ازداد واتـسع مداها، لتشمل مخيمات الفارعة قرب طوباس، وبلاطة وعسكر والعين في نابلس، والفوار قرب الخليل، والأمعري والجلزون قرب رام الله، وتبدو قائمة المخيمات المستهدفة مفتوحة.


وفي غفلة من العالم، المنشغل بتداعيات الحرب على غزة، يتسلل جنود الاحتلال ليلاً، ويواصلون عمليات المداهمة والاعتقال والتدمير حتى الفجر، يخنقون الأهالي بالقنابل الغازية وغبار القذائف ورائحة البارود، وإذا لم يهدموا البيت، يسرقون الطريق إليه.


وهكذا، أصبحت مخيمات الضفة الغربية تحت مطرقة النار، كغزة ثانية، وعندما يقتحم جيش الاحتلال أزقة المخيمات بدباباته المدرعة والثقيلة، فكل شيء يصبح مستباحاً، فتُسحق البنية التحتية، وتُقطع خطوط الماء والكهرباء، وبمثل هذه الأجواء استقبلت مخيمات اللجوء الفلسطيني 'السور الحديدي' ليعيد إلى أذهان سكانها فظائع 'السور الواقي' عام 2002.


حياة مضغوطة
وبالنسبة للفلسطينيين، فلا معنى لأن تذكر قضيتهم العادلة، دون الالتفات إلى واقع المخيمات، ولا يمكن النظر لتلك المنازل المتراصة بيوتها وأزقتها، دون أن تذكر نكبتهم عام 1948، وسنوات الإقتلاع من الجغرافيا، المصحوبة بمخططات التهجير خارج التاريخ.


وثمة ذاكرة تشتعل في مخيمات الضفة الغربية، وتبحث عن بصيص أمل، وتتشبث بأهداب العودة، ففي المخيم يعيش جيل عاصر التهجير واللجوء، وما زال على قيد الألم، يتذكر بيته الأول وخيمته الأولى، وجيل آخر ناشىء، يحمل الرواية الكاملة، في ذاكرة تصر على البقاء حية.


ومن بين جحيم البيوت المكتظة، والحياة 'المضغوطة' ترسم مشاهد الدمار، تحولاً في ممارسات جيش الكيان في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس، فثمة مشاهد وصفها نازحون بـ'غزة الصغرى' في إشارة إلى هول الدمار الذي ألحقته آلة الحرب الاقتلاعية بقطاع غزة، فعمليات تفجير المنازل، وتجريف الشوارع، ومحاصرة المستشفيات، وإطلاق النار تجاه المواطنين بهدف القتل، كلها مشاهد صُكّت من غزة.


اقتلاع وتهجير
وفق الكاتب والمحلل السياسي من جنين، عمر رحال، فمرور عام على اجتياح مخيمات شمال الضفة الغربية، يكشف أن ما جرى لم يكن رداً أمنياً عابراً، بل عدواناً مقصوداً، وله دوافع سياسية وأمنية متشابكة، وفي جوهره استهدف الاحتلال تفكيك نموذج المخيم، بوصفه فضاءً مقاوماً وذاكرة سياسية حية، لا مجرد تجمع سكاني.


ويوالي في تصريحات لـ'عُمان': 'في السنوات الأخيرة، تحولت المخيمات الفلسطينية، وخصوصاً في شمال الضفة الغربية، إلى مساحة تتقاطع فيها المقاومة الشعبية والمسلحة، مع حالة فراغ سياسي، ما جعلها في نظر الكيان الإسرائيلي خطراً مركباً، يتجاوز منطق 'الخلايا المسلحة' إلى تهديد رمزي لفكرة السيطرة والردع، ومن هنا حمل العدوان على المخيمات أيضاً محاولة استباقية، لإعادة فرض الهيبة 'الأمنية' الإسرائيلية بعد تآكلها، ورسالة داخلية وخارجية، بأن يد الاحتلال ما تزال قادرة على التوغل والتدمير والقتل، بلا كلفة سياسية تذكر.


ويمضي رحال: 'استندت سياسة كيان الاحتلال في استهدافه المستمر للمخيمات الفلسطينية، إلى إستراتيجية الاقتلاع والتهجير، وهدف من وراء تدمير المخيمات، إلى القضاء على الرمزية السياسية والقانونية والوطنية التي تمثلها، فضلاً عن محاولات القضاء على المقاومة، وفرض السيطرة الأمنية، وإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي، والتأثير على معنويات الفلسطينيين، والتغطية على الفشل الذي مني به نتنياهو في قطاع غزة، إذ لم يحقق أي من الأهداف الإستراتيجية لعدوانه.


ويقرأ رحال بين سطور 'حرب المخيمات' محاولة لإعادة تشكيل الضفة الغربية كمساحة منزوعة السياسة، عبر تحطيم بؤر المبادرة الذاتية، وإبقاء الفلسطينيين في قبضة الاحتلال المباشر، لكن هذا لم ينه جذوة المقاومة، حتى بعد مرور عام على العدوان، بل عمّق الإحساس الفلسطيني الجمعي، بأن المخيم ما زال يمثل خط الدفاع عن الكرامة، وأن العدوان مهما طال، لا يصنع استقراراً، بل يراكم أسباب انفجار قادم في الضفة الغربية بأكملها.


حرب صامته
مرّ عام على العدوان الإسرائيلي على مخيمات الضفة الغربية، وظلت الحرب عليها دائرة ومتواصلة، لا تخبو جذوتها، ولا يكل حرس نارها، ورغم أن كل ما في جنين وطولكرم ونور شمس، ما زال يتحدث بلغة الحرب، يعيش تفاصيلها، ويتنفسها، بل ويقيم في قلبها، لكنها بدت منسية، وخارج الذاكرة الدولية، رغم أن ثمة خصوصية للمخيمات، ومن المهم التعاطي معها، بحيث تكون في المقدمة، أو على أطرافها، لأي حل دبلوماسي.


فإلى أين تتجه حرب المخيمات في الضفة الغربية؟.. وأي معادلة ستحكمها بعد أن وضعت الحرب أوزارها في غزة؟.. أسئلة ازدادت توهجاً، في ذكرى مرور عام على الاجتياح، لتمضي مخميات جنين وطولكرم ونور شمس والفارعة، على حبل مشدود، بل إنه أقرب إلى خيط رفيع، يفصل عن وقوعها في كارثة غزة ثانية.


وأياً كانت مشاهد الحرب والدمار في قطاع غزة، فلا يمكن بحال، حرف الأنظار عن ما يجري في مخيمات الضفة الغربية، التي تخوض معركة 'حياة أو موت' إذ تدميرها، إنما يعني تصفية القضية الفلسطينية برمتها، وتواجه تحديات كبيرة، يبرز في مقدمتها البطالة والفقر، فضلاً عن الإزدحام وتدهور الأوضاع الصحية، ناهيك عن بيوت الصفيح، وممارسات الكيان الضاغطة، كإذابة قضية اللاجئين، من خلال تدمير المخيمات، أو مسح حق العودة من ذاكرتهم.


جردة حساب
استشهد خلال العدوان الإسرائيلي على مخيمات الضفة الغربية 85 فلسطينياً، وتم تهجير نحو 50 ألف مواطن، بينهم أكثر من 12 ألف طفل، واستشهد في مخيم جنين 60 فلسطينياً، وجرح 150 آخرين، وهدم الاحتلال 700 منزلاً، وأجبر 4000 أسرة على النزوح، في حين استشهد في مخيمي طولكرم ونور شمس 17 مواطناً، وهدم الكيان 1440 منزلاً، وتم تهجير أكثر من 25 ألف فلسطيني، بينما في مخيم الفارعة استشهد 8 مواطنين، وأعتقل العشرات، بعد إخضاعهم لتحقيق قاس، واحتجاز لساعات طويلة، في ظروف إنسانية صعبة.