أفكار وآراء

ترامب والقانون الدولي والآخرون

مارك ويلر 

ترجمة قاسم مكي 

هذا الشهر وفي مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز قدم الرئيس دونالد ترامب سردية تربط بين سلسلة من الأحداث المزعزعة في الشئون الدولية والتي تسببت فيها الولايات المتحدة. 

من بين هذه الأحداث التدخل في فنزويلا وفرض حصار بحري والهجمات على قوارب صغيرة قبالة سواحلها والهجوم على المنشآت النووية الإيرانية والتهديدات المتكررة ضد الدنمارك بخصوص جرينلاند. 

توضيح ترامب في المقابلة ارتكز على السعي دون قيد لخدمة المصالح القومية للولايات المتحدة وإنكار انطباق القانون الدولي على تصرفات واشنطن. 

بصرف النظر عن الحكمة السياسية وراء هذه العمليات من المؤكد عدم توافر مبرر قانوني لأي منها. 

لقد وجد العداء للقانون الدولي وتعددية الأطراف بشكل عام تعبيرا فوريا له مع بداية الفترة الرئاسية الثانية للرئيس ترامب. فدعم أجهزة الأمم المتحدة تقلَّص أو توقف تماما. كما عجزت الولايات المتحدة عن الإسهام على مستوى عال في القمم المهمة بما في ذلك قمة العشرين في نوفمبر بجنوب إفريقيا. ونسفت المحاولاتِ العالمية لتنظيم الذكاء الاصطناعي أو مواجهة التحديات من شاكلة تلوث المحيطات بمخلفات البلاستيك. أيضا تجاهلت تماما أحداثا أخرى بما في ذلك قمة المناخ في البرازيل. وزاد الطين بلة الأمر التنفيذي المثير للرئيس ترامب هذا الشهر بسحب الولايات المتحدة من عشرات المنظمات التابعة للأمم المتحدة والمعاهدات الأممية «التي يتعارض عملها مع مصالح الولايات المتحدة». كما حاولت الولايات المتحدة أيضا تقويض المؤسسات الدولية التي تعارضها. مثلا تبنت عقوبات تستهدف كبار المسئولين في المحكمة الجنائية الدولية. 

وحقيقة أن دونالد ترامب يحب تقديم نفسه رئيسا للسلام بالكاد تعوِّض عن ذلك. فعلا، حققت اتفاقية سلام غزة في أكتوبر إطلاق سراح الرهائن ونوعا ما من وقف إطلاق النار. لكن يظل السلام المستقر مراوغا وهنالك مخاوف من تجاهل حقوق الشعب الفلسطيني. 

وفيما يخص أوكرانيا، ألمحت موسكو إلى أن ترامب أثناء القمة الأمريكية- الروسية في ألاسكا في الصيف الماضي عبر عن تعاطفه مع حاجة الرئيس بوتين إلى استعادة المناطق التاريخية المفترضة في دونباس عبر استخدام القوة. وهذا يفسر الضغوط القوية على أوكرانيا للتوقيع على تسوية سلمية ملزمة قانونا تسلِّم بمقتضاها مناطق لم يتم حتى الاستيلاء عليها. ولم يجد إصرار أوكرانيا وحلفائها على استحالة الإقرار القانوني الرسمي للاحتلال بالقوة في النظام العالمي الحديث أذنا صاغية في واشنطن. 

في الحقيقة المبدأ الذي يقول: «الأراضي التي يتم الاستحواذ عليها بالقوة لا يمكن الاعتراف القانوني بها» كانت الولايات المتحدة أول من قدمه في عام 1931 بواسطة وزير الخارجية هنري ستيمسون ردا على غزو اليابان لمنشوريا. 

كانت تلك مساهمة رئيسية لتطوير نظام عالمي مصمَّم لمنع المزيد من الحروب المروعة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. واتخذ هذا النظام صفته الرسمية في ميثاق الأمم المتحدة. وهو وثيقة صيغت في سان فرانسيسكو بما يعكس تصور الولايات المتحدة. 

لا ينكر الرئيس ترامب وجود القانون الدولي. لكنه يؤكد أنه هو من يقرر متى تتقيد الولايات المتحدة بالقواعد التي تُلزِم الآخرين وفقا لبوصلته الأخلاقية الخاصة به أو مصالح الولايات المتحدة. 

أحيانا يوحي الأكاديميون والساسة الذين لا صلة لهم بالممارسات العالمية أن القانون الدولي تركيبة غير واقعية اخترعها مثاليون متشبثون بالمثالية. 

في الحقيقة القانون الدولي أداة واقعية جدا للسياسة الدولية. وعموما الدول تظل حرة في تحديد القواعد القانونية التي هي على استعداد لقبولها. لكن بمجرد أن تقبل بقاعدة ما من المؤكد أنها ملزمة بها. ولأن الدول تقبل فقط بالقواعد التي تعتبرها في مصلحتها يكون الامتثال للقانون عموما مرتفعا. 

لكن إذا كانت كل دولة حرة في تقرير الالتزام أو عدم الالتزام بقاعدة معينة سبق لها أن قبلت بها وذلك لأن مصالحها تغيرت أو نتيجة لتغير الحساسية الأخلاقية لزعيمها لن يكون هنالك معنى لأية قواعد على الإطلاق. فهدف إيجاد علاقات مستقرة يمكن التنبؤ بها ومسارات واضحة للمعاملات الدولية سيُقضَى عليه. 

قد تجادل الولايات المتحدة بأنها في موقع فريد. فهي بصفتها قوة عظمى وديموقراطية ولها قدرات عسكرية ضخمة لا يلزمها القبول بنفس القيود التي يجب أن يقبلها الآخرون. لكن النظام لن يبقى إذا اختارت الدول القوية الخروج منه. 

القانون الدولي يتعلق بتحقيق ما يخدم المصلحة المشتركة للجميع. وذلك يتطلب الثقة في أن الكل سيؤيدون القواعد المقبولة عالميا حتى إذا اصطدمت أحيانا مع مصلحة دولة ما في الأجل القصير بصرف النظر عن ضعف أو قوة تلك الدولة. فالاستثنائية التي تتذرع بها دولة ما سرعان ما ستتذرع بها دول أخرى. 

الآن يتوقع البعض أن تسيطر الولايات المتحدة والصين وروسيا كل منها على منطقة نفوذها دون قيود قانونية. فمحاولة الولايات المتحدة الهيمنة على «جزئها» الغربي من العالم ينعكس جزئيا في موقف روسيا تجاه ما يسمى «الخارج القريب» بما في ذلك أوكرانيا وبلدان البلطيق وفي موقف الصين إزاء الدول المطلة على بحر الصين الجنوبي. 

على أية حال، هذا الضغط يولّد ائتلافات مصالح جديدة عبر القارات تركز على الدفاع عن النظام القانوني الدولي وخصوصا منع استخدام القوة. 

في مجلس الأمن كانت كينيا هي التي دافعت ببلاغة عن القيم الجوهرية للنظام الدولي عندما تعرضت أوكرانيا للغزو. وفعلت جنوب إفريقيا نفس الشيء عندما نوقش التدخل في فنزويلا ووقفت إلى جانبها 125 دولة محايدة وغير منحازة. 

وجامبيا تقاضي دولة من جنوب العالم هي ميانمار بدعوى شنها حملة اضطهاد ضد أقلية الروهينجا عبر مؤسسة يفترض أنها غربية هي محكمة العدل الدولية. كما رفعت جنوب إفريقيا أيضا دعوى إبادة جماعية في غزة إلى المحكمة. 

بدلا من التنديد بنفاق (ازدواجية معايير) النظام الليبرالي الغربي المفترض وممارساته الظالمة تدافع مثل هذه الدول الآن عنه وتستخدم أدواته لذلك الغرض. 

حتى البلدان الأوروبية التي كانت مترددة في إغضاب الرئيس دونالد ترامب انتبهت إلى الحاجة لمواجهة التَّنَمُّر الخارج عن القانون وتنادت للدفاع عن الدنمارك ضد تهديدات الولايات المتحدة لجرينلاند ودعم أوكرانيا في مقاومة الضغوط التي تتعرض لها للتخلي عن المزيد من الأراضي. 

هنالك أسباب وجيهة لهذا. فالأهداف العالمية كالمحافظة على البيئة أو الحفاظ على السلم تظل قائمة. ويمكن التعامل معها بفعالية جماعيا فقط. 

إلى ذلك إذا استمرت آراء الرئيس ترامب والتي تتجلّى في الضغوط الأمريكية على الدنمارك حول جرينلاند سيجشع ذلك القوى الوسطى لتطبيق نظرية الهيمنة في حدائقها الخلفية. 

لقد اتضحت أخطار السماح بتسوية النزاعات حول الأراضي أو أية قضية أخرى عبر استخدام القوة قبل فترة طويلة من غزو أوكرانيا. 

فطوال الثمانينيات على سبيل المثال خاض العراق حربا ضد إيران. وكانت قيادته وقتها تحاجج بحقها في الاستيلاء على أراضٍ من إيران في حرب بلغ ضحاياها نصف مليون قتيل. كما حدثت حروب مدمرة أخرى حول الأراضي بعد نهاية الحرب الباردة مثلا بين إرتريا واثيوبيا. 

مع ذلك نتجت عن الإجماع العالمي لكسر هذا النظام القانوني هزيمةُ محاولة حكومة العراق ضم الكويت بالقوة عام 1991 في حملة قادتها الولايات المتحدة بمباركة تامة من الأمم المتحدة. وما هو على المحك الآن الحفاظ على الإجماع العالمي أو بناؤه. 

باختصار، سيادة القانون الدولي تتعرض حقا لضغوط. وفي حين يحتاج القانون إلى أن يتكيف، سيتضح أنه أكثر مرونة مما يتوقعه البعض في هذه اللحظة. والسبب بسيط. فسيادة القانون ضرورية لإدارة عالم متغير ويزداد تعقيدا وأيضا للمساعدة في الحفاظ على مظهر للعدالة الدولية. 

 مارك ويلر أستاذ القانون الدولي والدراسات الدستورية الدولية بجامعة كمبردج ومدير برنامج القانون الدولي بالمعهد الملكي للشؤون الدولية (شاتام هاوس) 

  عن موقع المعهد الملكي للشؤون الدولية